سلسلة الأخلاق الإسلامية .. البشاشة خُلُقٌ إسلامي رفيع (2-2)
- تثبت المحبة ويحصل الوئام بين المسلمين ويثبت الأمن بالكلمة الطيبة وبطلاقة الوجه وانبساطه والتبسم في وجه الناس
- لو لم يكن في طلاقة الوجه وحسن المعاملة إلا أنه مما يحبه الله ويرضاه وأنه من صفات الكمال والمروءة والنبل والكرم وجمال الباطن لكفى
- ابتسامة المسلم صدقة يثاب عليها فكم من الحسنات يمكن أن نكسبها بلا تعب ولا نصب وكيف يطيب لعاقل أن يضيع هذا الأجر العظيم
استكمالا لما بدأنا الحديث عنه في العدد الماضي عن موضوع البشاشة؛ حيث ذكرنا أنها خُلُقٌ إسلامي رفيع، يجمع بين طِيب النفس وحُسن اللقاء، ويعبّر عن صفاء القلب وجمال المعاملة، وقد جعل الإسلام طلاقة الوجه بابًا من أبواب المعروف؛ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تحقرنَّ من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجهٍ طَلْق»؛ كما ذكرنا أثر البشاشة على صاحبها، والبشاشة في القرآن الكريم والسُنَّة النبويَّة واليوم نكمل ما بدأناه.
كان من هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه يتبسط مع أصحابه ويلاطف صغارهم، قال البخاري -رحمه الله-: (باب الانبساط إلى الناس)، وساق بسنده حديث أنس بن مالك، - رضي الله عنه - يقول: «إن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ليخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير: «يا أبا عمير ما فعل النغير»، والنغير: طائر صغير كان يلعب به الصبي، كما ساق البخاري بسنده عن عائشة، -رضي الله عنها-، قالت: كنت ألعب بالبنات عند النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان لي صواحب يلعبن معي فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل يتقمعن منه «يتغيبن منه ويدخلن من وراء الستر»؛ فيسربهن إليَّ فيلعبن معي»، ومعنى: يتقمعن: ينعزلن عنه حياء وهيبة، ومعنى يسربهن: يرسلهن.لا تحقرن شيئا من المعروف
وفي حديث جابر بن سليم، مما عهد إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ولا تحقرن شيئا من المعروف، وأن تكلم أخاك وأنت منبسط إليه وجهك؛ إن ذلك من المعروف»، وحث رسول الله -صلى الله عليه وسلم - على فعل الخير اتقاء نار جهنم به، وذكر من ذلك الكلمة الطيبة، كما روى عدي بن حاتم، قال ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم - النار فتعوذ منها وأشاح بوجهه ثم ذكر النار فتعوذ منها وأشاح بوجهه «قال شعبة: أما مرتين فلا أشك» ثم قال اتقوا النار ولو بشق تمرة فإن لم تجد فبكلمة طيبة». ووعد - صلى الله عليه وسلم - تبسم المسلم في وجه أخيه المسلم صدقة، كما في حديث أبي ذر - رضي الله عنه -، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «تبسمك في وجه أخيك صدقة»، وكان من خلقه - صلى الله عليه وسلم - التبسم في وجوه أصحابه، حتى قال عبدالله بن الحارث بن حزم، - رضي الله عنه -: «ما رأيت أحدا أكثر تبسما من رسول الله - رضي الله عنه -»، ومن ذلك حديث جرير، - رضي الله عنه -، قال: «ما حجبني النبي - صلى الله عليه وسلم - منذ أسلمت «أي ما منعني من الدخول إليه إذا كان في بيته فاستأذنت عليه» ولا رآني إلا تبسم في وجهي ولقد شكوت إليه إني لا أثبت على الخيل؛ فضرب بيده في صدري وقال اللهم ثبته واجعله هاديا مهديا».هديه - صلى الله عليه وسلم - مع من يكرهه
بل إنه - صلى الله عليه وسلم - تبسط في وجه من يكرهه، ابتعادا عن الفحش وتحذيرا من الخلق السيء الذي يترك الناس صاحبه من أجله، كما روت عائشة -رضي الله عنها-، أن رجلا استأذن على النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما رآه قال: بئس أخو العشيرة وبئس ابن العشيرة، فلما جلس تطلق النبي - صلى الله عليه وسلم - في وجهه وانبسط إليه، فلما انطلق الرجل قالت له عائشة: يا رسول الله حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا، ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا عائشة متى عهدتني فحاشا؟ إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره».فوائد البشاشة وطلاقة الوجه
إن الالتزام بهذه الأخلاق الفاضلة والخصال الكريمة تجر فوائد ومنافع جمة للمجتمع وللإنسان نفسه ومنها:(1) تثبيت المحبة
أن طلاقة الوجه وانبساطه والتبسم في وجه الأخ المسلم، والكلمة الطيبة تثبت المحبة، ويحصل الوئام بين المسلمين ويثبت الأمن، يقول الشاعر:أَلْقِ بِالبِشْرِ مَنْ لَقِيتَ مِنَ النَّاسِ
جَمِيعاً وَلاقِهِمْ بِالطَّلاقَهْ
تَجْنِ مِنْهُمْ جَنِيَّ ثِمَارٍ، فَخُذْهَا
طَيِّبًا طَعْمُهُ، لَذِيذَ المَذاقَهْ
وقال آخر:بشاشة وجه المرء خير من القرى
فكيف بمن يأتي به وهو ضاحك
(2) ثبوت الأجر
فابتسامة المسلم صدقة يثاب عليها، فكم من الحسنات يمكن أن نكسبها بلا تعب ولا نصب! وكيف يطيب لعاقل أن يضيع هذا الأجر العظيم تهاونا أو هوى؟ إنه بذلك يضر بنفسه لا بغيره.(3) الصحة البدنية
الراحة النفسية والطمأنينة القلبية التي يجدها الإنسان البشوش مشرق الوجه؛ إذ إن التقطيب والعبوس يبعث في النفس مشاعر الضيق والحنق والحقد والغل والتوتر والقلق؛ فقد ثبت طبيا أن للأمراض الجسدية علاقة مباشرة وسببية بالمزاج والحالة النفسية.(1) حب الآخرين له
حب الآخرين له وتيسير أموره وقضاء حوائجه؛ ذلك أن الإنسان البشوش الرفيق السمح طيب القول يمتلك القلوب بخلقه وحسن تعامله؛ ما يحبب الآخرين إليه ويدفعهم إلى إعانته على شؤونه وتيسير أموره والوقوف معه في حاجته رغبة وحبا.(2) ارتفاع مستوى الإنتاجية
ترتفع مستوى الإنتاجية لدى الإنسان الهادئ الخلوق؛ لأنه استفاد من طاقاته النفسية والفكرية والجسدية كافة في إنجاز عمله والوصول إلى هدفه طالبا أو مدرسا أو مديرا أو تاجرا أو مهندسا أو طبيبا.. الخ، بل وتحقيق أعلى معدلات الإتقان والتميز لصفاء ذهنه وسلامة قلبه من الغش والخداع.(3) طول العمر وبهاء الوجه
طول عمره والاحتفاظ ببهاء وجهه وإشراقته، وهذا ثابت طبيا ومشاهد حسيا.. فكم من أناس تراهم بلغوا من السن عتيا ولا زالت مسحة الضياء والجمال في وجوههم! لاهتمامهم بصحتهم النفسية، وآخرون أظلمت وجوههم وظهرت عليها التجاعيد وهم في ريعان الشباب! لإهمالهم الصحة النفسية وممارستهم للفظاظة والتجهم والعبوس وسوء التعامل؛ ما جعل أجسادهم يأكل بعضها بعضا.(4) القدرة على فهم الأشياء
امتلاك القدرة على فهم الأشياء والإصابة فيها، والسلامة من الخطأ في الفعل والخطأ في القول. والحلم والأناة والرفق من أعظم بواعث البشر وطلاقة الوجه، والحليم المتأني يتمكن من فهم ما يسمع وتقدير حجم المشكلة التي تقع ومواجهتها بالحكمة والعدل والتثبت، أما النزق(الطائش) الصلف(المتكبر) فتدفعه نفسه إلى العجلة في الحكم، والحماقة في التصرف، والظلم في المعاملة، ويفقد حسن التصرف في المواقف. ولو لم يكن في طلاقة الوجه وحسن المعاملة إلا أنه مما يحبه الله ويرضاه، وأنه من صفات الكمال والمروءة والنبل والكرم وجمال الباطن لكفى حافزا لكل عاقل لتربية نفسه عليها وإلزامها بها، وهذا بحمد الله أمر ممكن ميسور، إذا وجدت الرغبة وتبعها العمل، وتدريب النفس على هذا الخلق الجميل؛ فهي لباقة تكتسب بالتربية والممارسة والاستمرار وتحديث النفس بجمالها.
لاتوجد تعليقات