رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. خالد سلطان السلطان 8 يونيو، 2026 0 تعليق

خواطر الكلمة الطيبة.. من آثار دعاة التوحيد: إحياء سُنّة السلام

  • السلام ليس مجرد كلمة تُقال، بل هو عبادة وشعيرة ومعنى إيماني عظيم؛ فهو مرتبط باسم الله -سبحانه- السلام
  • سُنة نبوية عادت إلى الحياة، وبصمة مباركة تركها دعاة التوحيد في المجتمع فأحيوا بها شعيرة عظيمة من شعائر الإسلام، وأسهموا في نشر معاني الألفة والمحبة والأمان
 

جلستُ يومًا إلى رجلٍ جاوز الثمانين من عمره، بعد حديثٍ دار بيننا حول سلسلة الإنجازات والآثار المباركة التي تحققت على أيدي دعاة التوحيد، فإذا به يفاجئني بكلمةٍ تستحق أن تُكتب بماء الذهب، فقال: «أضف هذه إلى ما تذكره من إنجازاتهم؛ فأنا ممن عاصر تلك المرحلة، وأعرف يقينًا من خلال ما سمعته من جدي، وما شهدته مجالس الدواوين قديمًا، أن هناك أمرًا لم يكن شائعًا في المجتمع كما هو اليوم، ثم أحياه الله -تعالى- على أيدي دعاة التوحيد»؛ قلت له: وما هو؟ قال: «السّلام عند دخول المجالس، والسلام عند الخروج منها».

        وأوضح الرجل أن الداخل إلى المجلس في الأزمنة الماضية لم يكن يحرص دائمًا على افتتاح مجلسه بالسلام الشرعي، بل كانت تتنوع التحيات والعبارات، وربما دخل بعض الناس دون تحية أصلًا، حتى قيّض الله دعاة التوحيد الذين أعادوا للناس هذه السنة العظيمة، فنشروها بين الخاصة والعامة، وربطوا الناس بهدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الباب. ومع مرور الزمن أصبح السّلام شعارًا ظاهرًا في المجتمع، حتى إن كثيرًا ممن لا يُعرفون بالالتزام الديني صاروا يبدؤون لقاءاتهم بقولهم: «السلام عليكم»، تأثرًا بما استقر في المجتمع من هذه السنة المباركة. ويقول الرجل: «إنك اليوم ترى أصحاب الاتجاهات الفكرية المختلفة، من علمانيين وليبراليين وغيرهم، يدخلون المجالس بالسّلام؛ وهذا من آثار انتشار هذه السّنة التي أسهم دعاة التوحيد في إحيائها وترسيخها».

سُنّة أخرى أعيد إحياؤها

       ثم أضاف: «أما السُّنة الثانية التي جاءت متأخرة في الانتشار فهي السلام عند الانصراف من المجلس»، فكما اعتاد الناس أن يسلّموا عند الدخول، أصبح كثير منهم يسلّمون عند المغادرة أيضًا، امتثالًا لهدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، بعد أن كانت هذه السنة تكاد تغيب عن واقع الناس. وقد كان لدعاة التوحيد دورٌ بارز في نشر هذا المعنى، من خلال دروسهم ومحاضراتهم ومؤلفاتهم التي تناولت فضائل السلام وأحكامه وآدابه، حتى صار الناس يسمعون الحديث عنها في مجالس العلم، ويقرؤونها في الكتب والرسائل.

جهود علمية في نشر أحكام السلام

       ومن الكتب التي عُنيت بهذا الباب كتاب «عقد الزبرجد في تحية أمة محمد»، ويُعد من أوائل الكتب التي جمعت أحكام السلام وآدابه وفضائله بطريقة شاملة ومنهجية واضحة، وقد لقي رواجًا واسعًا في زمانه، ثم تبعته مؤلفات أخرى أكملت الطريق، وخدمت هذا الباب خدمة جليلة.

من التحّيات الدّخيلة إلى التحية الشرعية

لقد علّم النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته السّلام قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا، غير أن السنن قد تضعف في بعض الأزمنة، ويثقل تطبيقها على بعض الناس، فتظهر بدائل وعادات جديدة تحاول أن تحلّ محلها. ولهذا انتشرت في فتراتٍ من الزمن عبارات مثل: «مرحبًا»، و«صباح الخير»، و«مساء الخير»، حتى أصبح بعض المعلمين يدخلون الفصول الدراسية فيستقبلون الطلاب بهذه العبارات دون أن يبدؤوا بالسلام الشرعي؛ لكن بفضل الله -تعالى-، ثم بجهود العلماء والدعاة والمربين، عاد السلام ليكون التحية الأبرز في المدارس والتجمعات والمنتديات والنوادي وسائر المناسبات، حتى نشأ جيلٌ كامل يعرف فضل السلام وعظم شأنه، ويستشعر ما يحمله من معاني الإيمان والألفة والمحبة.

السلام اسم من أسماء الله

والسلام ليس مجرد كلمة تُقال، بل هو عبادة وشعيرة ومعنى إيماني عظيم؛ فهو مرتبط باسم الله -سبحانه- السلام. وقد جاء في الحديث: «إن الله هو السّلام»، والسّلام يتضمن الدعاء بالسلامة والأمان والحفظ والرعاية، فكأن المسلم حين يقول لأخيه: «السلام عليكم» يدعو له أن يناله من الله الأمن والوقاية والهداية والكفاية، وما أعظمها من تحية تجمع بين الذكر والدعاء والمحبة والأخوة!

هدي نبوي مهجور عاد للحياة

       وقد أرشد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى استحباب السلام عند الدخول والخروج من المجلس فقال: «إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلِّم؛ فإن بدا له أن يجلس فليجلس، فإذا أراد أن يقوم فليسلِّم، فليست الأولى بأحق من الآخرة». رواه الترمذي وصححه أهل العلم. ذلك توجيه نبوي كريم ظل قائمًا في نصوص الشريعة، لكنه ضعف في بعض البيئات والأزمنة، حتى أعاد الله إحياءه على أيدي المصلحين والدعاة.

بصمة مُباركة

إن المتأمل في واقع الناس اليوم يدرك حجم هذا التغيير؛ فكم نسمع السلام يتردد في الأسواق، والمدارس، والدوائر الحكومية، والمجالس العامة، وعلى ألسنة الصغار والكبار، بل وحتى ممن لا يُعرفون بالتدين الظاهر! إنها سُنة نبوية عادت إلى الحياة، وبصمة مباركة تركها دعاة التوحيد في المجتمع، فأحيوا بها شعيرة عظيمة من شعائر الإسلام، وأسهموا في نشر معاني الألفة والمحبة والأمان بين الناس، فجزى الله كل من دعا إلى هذه السنة، وعلّمها، ونشرها، وأحياها في نفوس المسلمين.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك