رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ: أحمد قبلان العازمي 30 سبتمبر، 2026 0 تعليق

حائية ابن أبي داود .. الوقفة الثالثة ..  لذَّة النظر إلى وجه الله تعالى

  • يجب أن يعلم المؤمن أن وراء نعيم الجنة نعيمًا أجلَّ وأعظم وهو النظر إلى وجه الله الكريم
  • الأصل في نصوص الأسماء والصفات: إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه وما أثبته له رسوله - صلى الله عليه وسلم - وتنزيهه عن مشابهة المخلوقين
 

نواصل ما بدأناه من شرح «حائية ابن أبي داود» -رحمه الله-، ونقف هذه المرة عند قول الناظم:

        وقــل يتجلَّى اللـهُ للخلـق جهـرةً                    كما البدرُ لا يخفى وربُّك أوضحُ

        ولـيـس بمـولـودٍ ولــيــس بوالــدٍ                   وليــس له شبـهٌ -تعـالى- المسبَّحُ

       وقـد ينكر الجهـميُّ هـذا وعنـدنا                     بمصداق ما قلنا حديثٌ مصـرَّحُ

        رواه جريرٌ عن مقال محمدٍ فقـل                    مثل ما قــد قــال في ذاك تنجــحُ

رؤية الله ثابتة بالكتاب والسُنَّة

        (وقل يتجلَّى الله للخلق جهرة)؛ فالمؤمنون يرون ربهم -تبارك وتعالى- يوم القيامة، ويكون ذلك من أعظم نعيمهم إذا دخلوا الجنة، وقد دلَّ على هذه العقيدة الكتاب والسنة وإجماع أهل السنة، قال الله -تعالى-: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} (القيامة)؛ فقوله -تعالى- ناضرة من النضرة والحسن والجمال، وناظرة؛ أي تنظر إلى ربها -تبارك وتعالى-، كما جاء ذلك عن ابن عباس -رضي الله عنهما. وقال -سبحانه-: {لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} (ق: 35)، جاء عن صهيب - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول الله -تبارك وتعالى-: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيِّض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: «فيكشف الحجاب، فما أُعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم -عزوجل»، رواه مسلم. وأحاديث رؤية الله -عزوجل- يوم القيامة متواترة، رواها جمع من صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومن أشهرها حديث جرير بن عبدالله البجلي - رضي الله عنه -، قال: كنا جلوسًا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فنظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تُضامون في رؤيته»، متفق عليه، ومعنى «لا تُضامون»: لا يلحقكم تضامٌّ ولا مشقة في رؤيته، كما لا يتزاحم الناس لرؤية القمر ليلة البدر.

بين الإثبات والتشبيه

ثم يقول الناظم:

وقد ينكر الجهميُّ هذا وعندنا

بمصداق ما قلنا حديثٌ مصرَّحُ

       فأهل السنة يتبعون القرآن والسُنَّة، ويثبتون ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله - صلى الله عليه وسلم -، من غير تشبيه للخالق بالمخلوق، وقد أنكرت الجهمية وغيرها من الفرق رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة، ومن أسباب ذلك توهُّم التشبيه، ثم بناء التعطيل على هذا التوهم. أما منهج أهل السُنَّة فمبناه على قوله -تعالى-: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (الشورى: 11)، فلا نصف الخالق بخصائص المخلوق، ولا يلزم من الاشتراك في أصل الاسم الاشتراك في حقيقة الصفة وكيفيتها؛ فالإنسان يسمع ويبصر، والله -سبحانه- يسمع ويبصر، ولكن سمع الخالق ليس كسمع المخلوق وبصره.

رؤية الدنيا غير رؤية الآخرة

       ومن الشبه التي يُستدل بها على نفي الرؤية قول الله -تعالى- لموسى -عليه السلام-: {لَنْ تَرَانِي}، ويقال: إن «لن» تفيد التأبيد، فلا تقع الرؤية مطلقًا، وهذا ليس على إطلاقه بصحيح فالآية تدل على أن طبيعة الإنسان في الحياة الدنيا لا تحتمل رؤية الله -سبحانه وتعالى. ولهذا لما سئل النبي - صلى الله عليه وسلم -: هل رأيت ربك؟ قال: «نورٌ أنَّى أراه»، وجاء في الحديث: «حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه»، فمعنى {لَنْ تَرَانِي} هنا: لن تراني في الدنيا، أما في الآخرة فقد دلَّت النصوص على أن المؤمنين يرون ربهم -سبحانه-، وهي من أعظم المنن وأجلِّ النعيم، ولهذا كان من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم -: «وأسألك لذَّة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك»، فما أعظمها من لذة، وما أجلَّه من نعيم! كما أن «لن» لا يفيد التأبيد على الدوام؛ فقد قال الله عن اليهود في تمني الموت: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} (البقرة: 95)، ثم أخبر أنهم يقولون: {يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} (الزخرف: 77)، فتمنَّوا الموت بعد دخول النار.

الرؤية لا تعني الإحاطة

        ومن شبهاتهم كذلك الاستدلال بقوله -تعالى-: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} (الأنعام: 103)، والجواب أن الإدراك هنا بمعنى الإحاطة، كما جاء في قصة موسى -عليه السلام- مع فرعون: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} (الشعراء)، فلا تلازم بين الرؤية والإحاطة؛ فقد يرى الإنسان الشيء ولا يحيط به. ونحن نرى القمر والشمس، ولا تعني رؤيتنا لهما أننا أحطنا بحقيقتهما. فالله -سبحانه- {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ}؛ أي لا تحيط به، أما أصل الرؤية فقد أثبتته النصوص، ومن هنا كان النظر إلى وجه الله -سبحانه- من أعظم ما يُكرم به أهل الجنة.

{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}

ثم يقول الناظم:

وليس بمولودٍ وليس بوالدٍ   

وليس له شبهٌ -تعالى- المسبَّحُ

        فالله -عز وجل- منزَّه عن مشابهة المخلوقين، ليس بمولود ولا بوالد، وليس له شبيه ولا مثيل؛ لأن الولادة والتوالد من صفات المخلوقين، أما الخالق -جل وعلا- فقال عن نفسه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، وهذا أصل عظيم ينبغي للمسلم أن يستحضره في باب أسماء الله وصفاته؛ فنثبت لله ما أثبته لنفسه إثبات وجودٍ وإيمان، ونفرح بمعرفة صفاته -سبحانه- ونأنس بها، من غير تشبيه ولا تمثيل، فإذا خطر في الذهن شيء من صفات المخلوقين عند الحديث عن صفات الله، وجب قطع هذا الخاطر بقوله -سبحانه-: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}؛ فالله -تعالى- لا يشبه شيئًا من خلقه.

ماذا يُراد بـ«الجهة»؟

       ومن الحجج التي يوردها بعض المخالفين قولهم: إذا أثبتنا أن الله -عز وجل- يُرى، لزم من ذلك إثبات «الجهة»، والجواب أن لفظ «الجهة» لفظ مجمل، فلا بد أولًا من بيان المراد به. فإن كان المقصود علو الله -سبحانه- على خلقه، فقد جاءت النصوص بإثبات علوه، قال -تعالى-: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} (الأنعام: 18)، وقال عن الملائكة: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} (النحل: 50)، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟»، وقال -صلى الله عليه وسلم -: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء». ولا يلزم من قوله «في السماء» أن تكون السماء محيطة بالله -سبحانه-؛ فاللغة العربية يأتي فيها حرف «في» بمعنى «على»، كما في قوله -تعالى-: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ}،، وقوله عن فرعون: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ}، أي على جذوع النخل، فالسماء قد يُراد بها جهة العلو، والله -سبحانه- مستوٍ على عرشه كما أخبر عن نفسه: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} (طه: 5)، وهو -سبحانه- بائن من خلقه، لا يحيط به شيء من مخلوقاته. وقد جاء في صحيح مسلم في حديث الجارية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سألها: «أين الله؟» فقالت: «في السماء»، فقال: «أعتقها فإنها مؤمنة»، وهذا المعنى تشهد له الفطرة؛ فالإنسان إذا دعا ربه وقال: يا رب، توجَّه قلبه إلى العلو، والله -سبحانه- أعظم من أن يحيط به شيء من خلقه؛ قال -تعالى-: {وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} (الزمر: 67).

إثبات بلا تشبيه وتنزيه بلا تعطيل

     وهذا هو الأصل الذي ينبغي أن يستقر في قلب المسلم عند قراءة نصوص الأسماء والصفات: إثبات ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله - صلى الله عليه وسلم -، مع تنزيهه -سبحانه- عن مشابهة المخلوقين، فلا يحملنا الإثبات على التشبيه، ولا يحملنا التنزيه على نفي ما أثبته الله لنفسه؛ بل نقف حيث الكتاب والسُنَّة، مؤمنين بقوله -سبحانه-: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}، ومن أعظم ما يملأ القلب شوقًا ورجاءً أن يعلم المؤمن أن وراء نعيم الجنة نعيمًا أجلَّ وأعظم: وهو النظر إلى وجه الله الكريم؛ تلك المنحة التي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسأل ربه إياها، وتهفو إليها قلوب المؤمنين.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك