رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. أحمد عبد الرحمن 25 مايو، 2015 0 تعليق

بين تزايـد وتيـرة العنــف وأحكــــام الإعدام في مصر- من يدفع ضريبة الدم؟

لا يمضي يوم على المصريين إلا وهناك كرة لهب جديدة تنزل إلى ساحة الصراع؛ فوسط ما قد يعده بعضهم بوادر للتهدئة بين النظام والإخوان نتيجة تصريح إعلامي هنا أو هناك تجد أحدهم يضغط الزناد ليشتعل الموقف من جديد، ربما تختلف التحليلات حول هوية من ضغط الزناد ولمصلحة من، وهل هو واقف في الصف الأمامي للمواجهة ويتحمل بوضوح مسؤولية تصرفه، أم أنه مجرد مسعر حرب آخر ينتمي لأحد الأطياف المتعددة الموجودة في كل صف من الصفوف؟

وللوقوف على أبعاد الأحداث الحالية التي لا يمكن أن نفصلها عن علاقة النظام بأطراف الصراع الحالي منذ عهد الرئيس السادات إلى وقتنا الحالي وتطور هذه العلاقة؛ فالنظام المصري ليس شيئًا واحدًا في مواجهة معارضيه.

قواعد اللعبة

     بالعودة إلى الوراء قليلاً، إلى ما قبل ثورة ٢٥ يناير كان الصراع بين الإخوان بصفتهم الوجه السياسي الإسلامي الوحيد من جهة وبين النظام المصري، يخضع لقواعد عرفية وتفاهمات سرية تم إرساؤها منذ عهد الرئيس المصري الأسبق محمد أنور السادات، وسار عليها سلفه محمد حسني مبارك، القواعد تقول: لا استهداف لرأس النظام بمحاولة للإسقاط، في مقابل لا استهداف للمرشد العام بملاحقة أمنية أو قضائية، وتحت هذه القواعد كانت الضربات المتبادلة بين النظام والإخوان سجالاً يتخللها تفاهمات سياسية تتيح للجماعة قدرًا محدودًا من التمثيل السياسي والوجود الدعوي والاجتماعي.

     والواقع نفسه أفضل دليل على ما سبق فضلاً عن أمثلة تثير علامات التعجب، كتلك المظاهرة التي تم تنظيمها بواسطة الإخوان في إستاد القاهرة تنديدًا بالغزو الأمريكي للعراق، وألقى فيها خطبًا قصيرة كل من المرشد السابق الأستاذ محمد مهدي عاكف وصفوت الشريف وزير الإعلام آنذاك.

العلاقة الثأرية

     في أواخر عهد مبارك بدا وكأن النظام بدأ يتحلل من هذه القواعد تدريجيًا، وبدأ النظام يأخذ في الضعف والانهيار لينتهي به الحال مطاردًا من الجموع الشعبية وفي مقدمتهم الإخوان في ميدان التحرير، والميادين الأخرى التي شهدت أحداث الثورة، بل وامتدت المواجهة إلى أقسام الشرطة والسجون التي ضمت عددًا من رموز الإخوان الكبيرة - كالدكتور محمد مرسي- قبل الثورة بأيام في محاولة لوأد الثورة المتوقعة لينتهي الحال إلى عمليات اقتحام غير مسبوقة للسجون، يخرج بعدها الدكتور مرسي إلى سدة الحكم مباشرة وهو ما مثل ثأرًا وجرحًا عميقًا عند قيادات الداخلية يدفع ثمنه د.مرسي وإخوانه اليوم.

بين الثورة والحكم

     مشهد معقد مثلت فيه الإخوان وقياداتها رمزًا ثوريًا لم يعتد على الثورة ويريد أن يتفاهم مع الدولة العميقة، الأمر مثل عند عموم الثوريين خيانة للثورة وصفقة بين النظام والإخوان سمحت بتولي د. مرسي للحكم، وبحصول الإخوان على أغلبية المجلس التشريعي الأول بعد الثورة، وبرغم الميل الظاهر للتفاهم مع المؤسسات السيادية، إلا أن كواليس الأحداث حملت الكثير الذي تراكم ليعود د. مرسي ورفاقه مرة أخرى للسجن للمحاكمة بتهمة ما كان يعد قبل شهور عملاً بطوليًا وهو اقتحام السجون في الثورة.

أحكام الإعدامات

هذا البعد الأخير يعطي زخمًا لقضية أحكام الإعدام المتتالية التي طالت رموز جماعة الإخوان وقياداتها؛ حيث رأى الكثيرون أن الأحكام في قضية اقتحام السجون، موجهة بوضوح لكل الأطياف الثورية.

ابتلاع الألسنة

     لذلك فإن الثوريين من غير الإسلاميين ابتلعوا ألسنتهم عند تلقي هذه الرسالة، ولكن كان رد الفعل الأعنف من الجماعات المسلحة المسماة بأنصار بيت المقدس، التي أتى ردها سريعًا باغتيال ثلاثة من القضاة في سيناء في تصعيد جديد من نوعه بإدراج أعضاء القضاء والنيابة في قائمة المستهدفين بعد أن كانت القائمة تقتصر على ضباط الجيش والشرطة.

تنفيذ أحكام الإعدام

     هذه هي الرسالة التي وصلت أيضاً من خلال الإعدام الفوري والسري لأعضاء خلية عرب شركس؛ فقضية (عرب شركس) - وهي قرية صغيرة من قرى محافظة القليوبية المتاخمة للقاهرة- تمت أمام قضاء عسكري، لأن الخلية استهدفت كمائن للجيش والشرطة وأوقعت قتلى من العسكريين سواءً في عملياتها السابقة، أو أثناء عملية اقتحام مقر الخلية في القرية المذكورة لتكون الحصيلة عددًا من القتلى من العسكريين والمدنيين من الطرفين وليصدر حكم الإعدام سريعًا على ستة من المتهمين، فيهم اثنان كان قد ألقي القبض عليهم قبل تنفيذ العمليات المذكورة، مما أعطى فرصة لمحاميي المتهمين بتقديم الدفوع بالنقض على الأحكام الصادرة، حيث تم التصديق على الأحكام ورفض الطعون المقدمة وتنفيذ الأحكام في الوقت الذي ما زالت محكمة القضاء الإداري تنظر الاستشكالات المقدمة لوقف تنفيذ الحكم. ويرى بعضهم أن وتنفيذ الأحكام جاء رداً سريعاً على عملية مقتل القضاة، والثأر المتبادل هو سيد الموقف وتحت أصوات الرصاص تضيع الحقيقة.

فتاوى الدم

     في الجانب الآخر صدرت فتاوى بإهدار دم القضاة لتشملهم القائمة بعد أن كانت تضم أفراد الجيش والشرطة ومن عاونهم؛ ليتسع الخرق على الراقع ولتكون لغة الدم هي الوسيلة الوحيدة للتفاهم، وبعد أن هدأت وتيرة عمليات التفجير النوعية عادت مرة أخرى لتتصاعد خلال الأيام الأخيرة لتشمل عدة محاكم في عدة محافظات ومحطات توليد الكهرباء وخطوط الغاز ليشتعل الطرف الآخر المؤيد للنظام ولتتراكم عنده دواعي الثأر من الإخوان والمتعاطفين معهم ولتصدر مقالات صحفية تحرض على إعدامهم بأي وسيلة حتى لو كانت خارج القانون.

الموقف الشعبي

     هذا الزخم الشعبي هو ما يعتمد عليه النظام في مواجهته مع الإخوان بعد أن فتت النظام الكتلة الثورية، وساعد على ذلك الإخوان بتصرفاتهم أثناء مدة حكمهم وبعدها حتى انفض عنهم الكثير من الحلفاء نتيجة مواقفهم الغامضة، والتي كان آخرها تصريح الدكتور جمال حشمت بقبول المصالحة وفق شروط خيالية، الأمر الذي دفع الكثيرين ممن اصطفوا مع الإخوان فيما عرف بتحالف دعم الشرعية بشن موجات من الهجوم على الإخوان، وهو ما رد عليه الشباب في مواقع التواصل الاجتماعي وصارت حالة من التلاسن والتشرذم الداخلي في صف المقاومين للنظام.

بين ضغوط الداخل والخارج

     من جانب آخر فهناك ضغوط خارجية على النظام المصري بتحقيق المصالحة مع الإخوان، وسواءً كانت الضغوط عربية أم غربية، وسواءً كانت ضغوطًا مباشرة في هذا الموضوع، أم من خلال التنديد والتصعيد ضد صدور أحكام الإعدام؛ فإن النظام المصري تعامل بطول نفس مع هذه الضغوط غير خائف على شعبيته الداخلية، ومصدرًا صورة للخارج ملخصها أن الشعب مصطف خلفه والقضاء مستقل والإعلام حر.

تحذيرات سياسية

     التصعيدات الأخيرة حذر منها الكثير من السياسيين على اختلاف أطيافهم، فمثلاً حينما يخرج حمدين صباحي المرشح الرئاسي السابق عن صمته ليقول: بأن الإعدام ليس هو الحل، بالتزامن مع كلام مماثل وربما أكثر قوة من البرادعي المقيم بالخارج تعرف أن الجميع يقف على الخط وينتظر عودة الأمور للاشتعال مرة أخرى لتكرار سيناريوهات الفوضى والاضطراب التي وقعت فيها البلاد مدة طويلة وما زالت عقب ثورة ٢٥ يناير.

     وفي الجانب الإسلامي هناك من يحذر من مغبة هذه التصرفات كتلك التصريحات التي صدرت عن الدكتور يونس مخيون، رئيس حزب النور، ومتحدثه الإعلامي الأستاذ نادر بكار؛ حيث حذرا من خطورة الانقسام المجتمعي الكبير نتيجة هذه التصرفات الجائرة، فضلاً عن تدني سمعة مصر الدولية حيث يمثل الإعدام عقوبة قاسية مازالت محظورة في الكثير من الدول.

ضريبة الدم

     نعم قد تبدو الصورة ظاهرياً تميل إلى كفة النظام في هذا الصراع الصفري، لكن الدم له ضريبة، وحينما يسيل الدم تنغلق العقول ويخفت صوتها ويضيع وسط طلقات الرصاص، فالدم يسيل من الجانبين وكل له ثأر، والبلاد التي لم تعرف الحرب الأهلية في تاريخها تقف على أطراف أصابعها لتنظر القادم الجديد؛ فإشعال حرب أهلية في ظل الظرف الاجتماعي والاقتصادي المحتقن للمصريين ليس بالأمر العسير، وهناك الكثير من الجهات من مصلحتها أن تشتعل الأرض ناراً وأن تغرق البلاد في دوامة الثأر والدم فلا تقوم لها قائمة.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك