القواعد الأصولية والفقهية المنظمة للعمل الخيري (3) نوازل العمل الخيري
إنّ للأعمال الخيريّة لها صوراً ثابتةً يحرص عليها المسلمون في كلّ مجتمعٍ، وفي كلّ زمانٍ ومكانٍ تقريباً، إلّا أنّ الأعمال الخيريّة لمّا كان جانبها الاجتماعيّ ظاهراً لمساسها المباشر بحياة النّاس اليوميّة، وقدرتهم الماليّة، وثقافتهم العلميّة؛ فإنّها كثيرة النّوازل، والحاجة إلى بحث أحكامها والاستيثاق من شرعيّة صورها القائمة مستمرة، لاسيما ضرورة الاستنارة بنور الشريعة عند الاندفاع إلى عمل الخير في وقت الكوارث والأزمات والنكبات والضرورات العامّة، ومن هنا كان لابدّ من وعيٍ ومعرفةٍ بالقواعد الفقهيّة الكليّة التي تستوعب أحكام النوازل.
1- الإنفاق لا يحتمل التأخير
هذه القاعدة من القواعد الحاكمة على زمن التصرُّف؛ فالواجب على المُنْفق إعطاء ما وجب عليه من النفقة في وقتها المحدد المعتاد؛ ففي حالات النكبات والنوازل العامّة والكوارث؛ فإن تقديم المساعدات الفورية من طعام وشراب وأغطية وأماكن الإيواء مقَدَّم على ما دونه من الأعمال الخيرية؛ لأن في ذلك حفظ النفس، والإنفاق على مثل هذه الأساسيات واجب لا يحتمل أدنى تأخير، ولا يجوز تأخير صرف مستحقات أهل العوز والحاجة، الذين يُصرف لهم مخصصات شهرية من المؤسسات الخيرية؛ لأن في ذلك ضررا وتضييقا عليهم؛ فلا بدّ من تلافيه طالما كان ذلك ممكنًا، وكذلك صرف مستحقات العاملين في المؤسسات الخيرية، أمر لا يحتمل التأخير، لكون تأثيره على مسيرة المؤسسة الخيريّة يكاد يكون سريعاً ومباشراً.
2- إنّما يُؤمر بالانتظار إذا كان مفيداً
قد يُشرع ويجوز تأخير إيصال الحقّ، وأداء الواجب، إذا كانت تتحقّق بذلك الانتظار منفعةُ أن يلاقي الواجب محلّه الصحيح الكامل شرعاً، أمّا إذا لم يكن في التأخير مصلحةٌ راجحةٌ كهذه؛ فإنّه لا يجوز، ومن التطبيقات على ذلك: مستحقّو الزكاة؛ فإنّ الزكاة تُدفع من صاحب المال في وقتٍ مخصوصٍ لا يجوز أن يؤخّرها عنه، وهو اكتمالُ الحول القمريّ، لكن المؤسّسة الخيريّة التي تستلم هذا المال وتنوب عن دافعه في إيصاله إلى المستحقّ، لها أن تنتظر وتتربّص مدةً لتجد من المتصفٌ بصفات الاستحقاق الكاملة؟ وهذا الانتظار والتأخير إنّما يُتصوّر أن يكون مفيداً في ظروفٍ دون ظروف، كأن يُنتظر وصول موجاتٍ جديدةٍ من النازحين والمنكوبين إلى بلدٍ ما، من بلدٍ يُتوقّع مجيئهم منها لاضطرابٍ فيها، أمّا في الأحوال الاعتياديّة، فلا معنى لهذا الانتظار؛ لأنّ مجيء المستحقّ توهّم، وقد سبق أنّ التوهّم لا عبرة به.
3- كلُّ متصرف على الآخر فعليه أن يتصرّف بالمصلحة
نفاذ ما يصدر عن الحاكم أو من يتولّى أمراً من الأمور التي تتعلّق بتدبير أمور النّاس وسياستهم، ينبغي أن يكون متعلِّقاً بتحقيق المصلحة لهم، ودفع المفسدة عنهم، وهذا يشمل الوالي، والقاضي، ووليَّ البنت، ومتولِّي الوقْف، والوصيَّ، وغيرهم؛ فتصرُّف القُضاة في أموال الأيتام، والأوقاف، وكذا قُضاة الاختصاص الذين يتولَّوْن إصدار الأحكام في قضايا المؤسّسات الخيريّة نفسها، سواءً كان ذلك في فترة نشاطها وعطائها، أم عند مرحلة حلِّها، إما على إثر الخلافات، أو لغير ذلك من الأسباب، هم أيضاً مُطالبون بمراعاة المصلحة الشرعيّة في ذلك، والمطالبة نفسها تتعدّى أيضاً إلى مشرِّعي القوانين الخاصة بالجمعيّات الخيريّة.
4- التنـزه عن مواطن الريبة أولاً
الأجدر بالمسلم أنْ يبتعد عن مواضع التُّهَم التي تسبب الشك في حاله، أو تفضي إلى اتهامه بما لا يليق به، ولاشكّ أنّ العامل في المؤسسات الخيرية، بحُكم ما يمنحه العمل من الصلاحية والثقة على المستوى الاجتماعي، بما يتوفّر له من الاطّلاع على الحاجات المستورة للفقراء، وما يحتاجه هو من التحقُّق من صدق تلك الاحتياجات، وما يتبع ذلك من العلاقات المباشرة مع أهلها، كلُّ ذلك يجعله عُرضة للرِّيبَةِ والشكوك إذا لم يلتزم بما وُضع له من قواعد وأصول شرعية ومهنيّة، ولوائح وتعليماتٍ إداريّة.
5- لكلِّ مجتهدٍ نصيب
كلُّ من كان أهلاً للاجتهاد وتقدير الصواب في مجالٍ ما؛ فإنّ له نصيبًا من الثواب والأجر ولابدّ، إذا صلحت نيّته لله -تعالى-؛ لأنّه لا يكون ثوابٌ إلا بنيّة، هذه إحدى قواعد باب الاجتهاد الأصوليّة، وأصلها قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «إذا حكمَ الحاكمُ فاجتهدَ فأصابَ، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأَ، فله أجرٌ».
فقد تُنتقد المؤسسات الخيريّة في باب تقديراتها للأنصبة والحصص التي تفرضها شهريًّا للأسر المتعفِّفة وأهل الحاجات، ولن تعدم دوماً داعياً إلى الزيادة أو النُّقصان، ولاشكّ أن الانتقاد بهدف التصويب جيّد ومطلوب، أما الإهدار والانتقاص فلا يجوز؛ لأنّ التقديرات تُقرّر بناء على البحث، والتفتيش، والتنقيب من مؤهَّلين ومتخصِّصين، وهؤلاء يجوز لهم إبداء الرأي وتقرير ما يرونه مناسباً، وهم مأجورون في خطئهم وصوابهم.
لذا لا بدّ من الحفاظ عند محاولات النّقد والتصويب، على الحدّ الأعلى من الأخلاقيّات الأخويّة؛ لأنّ المؤهَّل إذا أخطأ؛ فغاية أمره أنّه سُلب الأجرَيْن واستقرّ له الأجر، ومثل هذا لتصويب عمله سبيلٌ غير سبيل علاج تصرُّفات المعتدين والمقصّرين والمهملين.
6- المعتدي في الصدقة كمانعها
هذا نصُّ حديثٍ شريفٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وفي بيان من هو المعتدي في الصدقة، وكيفيّة اعتدائه، أقوال:
- الأوّل: هو الذي يعطيها غير مستحقِّها.
- الثاني: هو المُصدِّق أو الجابي، الذي يأخذ من الصدقة فوق الحدّ الواجب شرعاً؛ فيعتدي على أموال النّاس بالباطل، ويستبيح منها ما لا يبيحه الله ولا رسولُه.
- الثالث: هو الذي يجاوز الحدّ المُحتمل في الصدقة؛ فلا يُبقي لعياله شيئًا.
- الرابع: هو الذي يَمُنُّ بصدقته ويؤذي بها.
لذا فالتساهُل في توزيع الزّكاة الواجبة على أُناس لا تملك المؤسسة الخيريّة معلوماتٍ كافيةً عنهم، من صور الاعتداء في الصدقة أيضاً، بل هذا ظاهرٌ في الاعتداء لما فيه من التفريط والاستهانة بالأمانة، بصرف النّظر عن كون هذه الصورة هي المقصودة بالحديث أم لا؛ لأنّ جنس الاعتداء ممنوعٌ شرعاً.
7- الاشتغال بغير المقصود إعراض عن المقصود
هذه قاعدةٌ كبيرةُ المعنى تتعلّق بخُلُق الالتزام بالمطلوب، والاستقامة عليه، والحذر من الشواغل والجواذب التي تجذب المكلَّف بعيداً عن خطِّ الصواب، وتشغله عن واجب الوقت، فـ«إنّ الأعمال والأحكام المطلوبةَ شرعاً لها مقاصد محدّدة، وأوقاتٌ خاصة أحياناً؛ فإن اشتغل الشخص بشيء غير مقصودٍ شرعاً من الفعل؛ فهذا يدلُّ على إعراضه عن المقصود المطلوب، ويتحمل نتائج تصرفه»؛ فإذا كلَّفت المؤسسة الخيرية أحد موظّفيها بعملٍ، على أنّ له أجراً معيّناً عليه، فلم يقم به، أو تساهل فيه بما أفضى إلى تضييعه وتفويت المصلحة المقصودة منه، استحقّ بذلك حرمانَه ممّا وُعد به، وترتيب كلِّ ما يستحقُّه من العقوبات الإداريّة على تصرُّفه.
8- لا عبرة للتوهم
التوهُّم لا يصلح مستنداً لبناء الأحكام الشرعيّة، كما لا يصلح مستنداً لتأخير الأحكام الثابتة شرعاً وقضاءً عن وقت تنفيذها، والتوهُّم هو: إدراكُ الشيءِ مع احتمالِ ضدٍّ راجحٍ، أو هو: إدراك الطّرف المرجوح من طرَفَيْ أمر مترَدَّدٍ فيه؛ فكلُّ مُدْرَكٍ على هذا النّحو موهومٌ أو متوهّمٌ، وحكمُه في الشّرع ألا عبرةَ به، بمعنى لا اعتدادَ ولا اعتبار، فلا يمنع حكماً، ولا يعطّل حقًّا، ولا يؤخّر قضاءً، ولا يشوّش على استحقاق.
فإذا رأت المؤسسة الخيريّة أن تتصرّف ببعض التبرعات المادّيّة بالبيع، وعُرضت عليها الأسعار المعتادة في السوق لتلك السِّلَع، لا تُؤخَّر المصلحة الخيريّة بناء على توهُّم أن يأتي عرضٌ آخر بسعر أفضل؛ لأنّ الخروج الفاحش عن المعتاد نادرٌ موهوم، لاسيما بعد التحرّي والتوقّي واتخاذ التدابير اللّازمة؛ فإنّ الاعتماد على التوهّم على الرغم من ذلك سيؤول إلى تعطيل المصلحة وتأخير الإجراء النافع، ومن ثم الإضرار بالصالح العام.
لاتوجد تعليقات