رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. أمير الحداد 8 يونيو، 2026 0 تعليق

العَرْش والماء والقلم

تابع صاحبي (إدريس) الهولندي حديثه: - وإذا تتبعنا أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - الصحيحة في هذا الباب -أعني بداية الخلق- تتضح لنا الصورة، دون أدنى شك؛ ففي صحيح البخاري عن عمران بن حصين - رضي الله عنه - قال: «دخلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - وعقلت ناقتي بالباب، فأتاه ناس من بني تميم فقال - صلى الله عليه وسلم -: اقبلوا البشرى يا بني تميم، قالوا: بشرتنا فأعطنا (أي إنهم طلبوا عطية دنيوية)، مرتين ثم دخل عليه ناس من أهل اليمن فقال - صلى الله عليه وسلم -: اقبلوا البشرى يا أهل اليمن؛ إذ لم يقبلها بنو تميم، قالوا: قد قبلنا يا رسول الله، قالوا: جئناك نسألك عن هذا الأمر (أي بداية الخلق)؛ فقال - صلى الله عليه وسلم -: كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السماوات والأرض». كنت منصتًا، مستمتعًا بحديث (إدريس)؛ لما فيه من عمق، وعلم، ومنهج بحثي، كيف لا؟ وقد قضى عمره يدرّس الأديان، ويبحث حتى بلغ درجة (الأستاذية)، (بروفسور)، ثم هداه الله إلى الإسلام. تابع حديثه: - في شرح هذا الحديث، بالطبع كذا كتاب، ولكن أنقل لك خلاصة بحثي:

  • قوله: (عن هذا الأمر).
أي الحاضر الموجود، والأمر يطلق ويراد به المأمور، ويراد به الشأن والحكم والحث على الفعل وغير ذلك.
  • قوله: (كان الله ولم يكن شيء غيره)، وفي رواية أخرى «ولم يكن شيء قبله»، وفي رواية غير البخاري «ولم يكن شيء معه»، والقصة متحدة، فاقتضى ذلك أن الرواية وقعت بالمعنى، ولعل راويها أخذها من قوله - صلى الله عليه وسلم - في دعائه في صلاة الليل -كما تم من حديث ابن عباس- «أنت الأول فليس قبلك شيء»، لكن رواية الباب أصرح في العدم، وفيه دلالة على أنه لم يكن شيء غيره لا الماء، ولا العرش ولا غيرهما؛ لأن كل ذلك غير الله -تعالى- يكون قبله، وكان عرشه على الماء: «معناه أنه خلق الماء سابقًا ثم خلق العرش على الماء، وقد وقع في قصة نافع بن زيد الحميري بلفظ «كان عرشه على الماء ثم خلق القلم؛ فقال: اكتب ما هو كائن، ثم خلق السماوات والأرض وما فيهن»؛ فصرح بترتيب المخلوقات بعد الماء والعرش.
  • قوله: «وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السماوات والأرض», هكذا جاءت هذه الأمور الثلاثة معطوفة بالواو، ووقع في الرواية الأخرى «ثم خلق السماوات والأرض» ولم يقع بلفظ «ثم» إلا في ذكر خلق السماوات والأرض، وقد روى مسلم من حديث عبدالله بن عمرو مرفوعًا «أن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء»، وهذا الحديث يؤيد رواية من روى «ثم خلق السماوات والأرض» باللفظ الدال على الترتيب، وقد روى أحمد والترمذي وصححه من حديث أبي رزين العقيلي مرفوعًا «أن الماء خلق قبل العرش» وروى السدي في تفسيره بأسانيد متعددة «أن الله لم يخلق شيئا مما خلق قبل الماء» وأما ما رواه أحمد والترمذي وصححه من حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا «أول ما خلق الله القلم، ثم قال اكتب؛ فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة» فيجمع بينه وبين ما قبله بأن أولية القلم بالنسبة إلى ما عدا الماء والعرش أو بالنسبة إلى ما منه صدر من الكتابة، أي إنه قيل له اكتب بعد خلق الماء والعرش.
استأذنته أن أعلّق. - دعني أبين إعجابي بأسلوبك العلمي، الممنهج، وأظنك تعلم أن كل هذا من علم الغيب، وفي علم الغيب لا اجتهاد، وإنما الاعتماد على الأخبار الصحيحة. ابتسم صاحبي، وقال: - نعم أعلم ذلك، وأظنك تلمح إلى أن نتجنب الإسرائيليات؛ لأنها كثيرة في هذا الباب، وقد انتبهت إلى ذلك، وسوف نلتزم بالصحيح من الأحاديث، وشرح علماء السلف لما ورد في هذا الباب. هناك حديث رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه «عن وكيع بن حدس عن عمه أبي رزين قال: قلت يا رسول الله: أين كان ربنا -عز وجل- قبل أن يخلق خلقه؟ قال -صلى الله عليه وسلم - كان في عماء: ما تحته هواء وما فوقه هواء، ثم خلق عرشه على الماء»، هذا الحديث ضعّفه كثير من أهل العلم ومنهم الألباني، وابن باز، وابن قتيبة، وأما على قول من صححه: (عماء) بالمد، معناه سحاب رقيق، ويريد بقوله: في عماء أي فوق سحاب مدبرا له وعاليا عليه كما قال -سبحانه وتعالى-: { أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ}، يعني من فوق السماء.
  • قوله (ما تحته هواء):
أي ما تحت السحاب هواء، (والعمى) إذا كان مقصورا فمعناه لا شيء ثابت؛ لأنه مما عمى عن الخلق لكونه غير شيء. فكأنه قال في جوابه: كان قبل أن يخلق خلقه ولم يكن شيء غيره، ثم قال: ما فوقه هواء، وما تحته هواء: أي ليس فوق العمى الذي هو لا شيء موجود هواء ولا تحته هواء. وقال الهروي صاحب الغريبين: قال بعض أهل العلم معناه أين كان عرش ربنا فحذف المضاف اختصارًا، كقوله «واسأل القرية» ويدل على ذلك قوله -سبحانه وتعالى- {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} هذا آخر كلام البيهقي, قال ابن الأثير: العماء في اللغة: السّحاب الرقيق، وقيل الكثيف، وقيل هو الضباب، وحكي عن بعضهم في العمى المقصور؛ أنه هو كل أمر لا يدركه الفطِن، وقال الأزهري قال أبو عبيد: إنما تأولنا هذا الحديث على كلام العرب المعقول عنهم، وإلا فلا ندري كيف كان ذلك العماء. قال الأزهري: فنحن نؤمن به، ولا نكيّف صفته، انتهى كلام الخازن. فالخلاصة، أن الله -سبحانه- هو (الأول)؛ فليس قبله شيء، ثم خلق العرش، والماء، والقلم، وبعد ذلك السماوات، والحديث يستمر.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك