رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الفرقان 8 يونيو، 2026 0 تعليق

السلامة من الفتن في ضوء الكتاب والسُنَّة

  • ضعف العلم الشرعي واتباع الأهواء والتعصب من أبرز أسباب انتشار الفتن والخلافات بين المسلمين
  • الفتن من أخطر ما يهدد الأفراد والمجتمعات لما تسببه من اضطرابٍ في القيم واختلالٍ في الموازين الشرعية والأخلاقية
  • النجاة من الفتن لا تكون إلا بالاعتصام بالكتاب والسُنَّة والرجوع إلى العلم الشرعي والبصيرة
 

إعداد: اللجنة الإعلامية في إدارة العمل النسائي

تسعى إدارة العمل النسائي إلى نشر العلم الشرعي من خلال تقديم دوراتها العلمية ضمن برنامج (دروب الخير) عبر الغرف الصوتية، ويستمر عطاؤها العلمي المميز في إنارة البصيرة وترسيخ الوعي الشرعي في زمن المتغيرات وتسارع الفتن. ومن بين إصداراتها النافعة دورة بعنوان: (السلامة من الفتن في ضوء الكتاب والسنة)، قدّمها الشيخ الدكتور بسام الشطي؛ حيث تناول فيها منهج الإسلام في التعامل مع الفتن وسبل الوقاية منها والثبات أمامها، وبناءً على ما جاء في هذه الدورة، نقدم ملخص الدرس الثالث والأخير، الذي يُختتم به الحديث عن هذا الموضوع المهم وفق هدي الكتاب والسنة.

الفتن ومنهج التعامل معها

     تُعدّ الفتن من أخطر الظواهر التي تواجه الأفراد والمجتمعات؛ لما تحدثه من اضطرابٍ في القيم، واختلالٍ في الموازين الدينية والأخلاقية. وقد حذّر الإسلام من الفتن تحذيرًا بالغًا، وبيّن آثارها وأسبابها، وأرشد إلى المنهج الصحيح في التعامل معها؛ إذ تزداد شدتها كلما ضعف العلم، وابتعد الناس عن الهدي الشرعي.

فتنة الاختلاف والافتراق

     ومن أبرز مظاهر الفتن: فتنة الاختلاف والافتراق؛ حيث يفرّق الإسلام بين الاختلاف المشروع والافتراق المذموم؛ فالاختلاف في المسائل الاجتهادية أو الفروع الفقهية أمرٌ واقع ولا حرج فيه إذا صاحبه حسن قصدٍ واحترامٌ للآخر، أما الافتراق فهو الاختلاف في الأصول والثوابت العقدية، ويؤدي إلى الفرقة والتحزّب ونصرة الهوى، وهو مما ذمّه الله -تعالى-؛ لما فيه من تمزيقٍ لوحدة الأمة، وإشاعةٍ للعداوة والبغضاء بين المسلمين.

أسباب الخلاف المذموم

     وتتعدد الأسباب التي تؤدي إلى الخلاف المذموم، ومن أهمها: الجهل بأحكام الدين، وسوء فهم النصوص الشرعية، واتباع الأهواء، والتعصب للأشخاص أو الجماعات، إضافةً إلى التسرّع في إصدار الأحكام، كالتكفير أو التفسيق دون ضوابط علمية وشرعية، ويؤكد المنهج الشرعي في هذا الباب أن الخطأ يُعالج بالعلم والنصح والحكمة، لا بالتشدد والإقصاء، مع التفريق بين ما يسوغ فيه الخلاف، وما لا يسع فيه الاختلاف.

نماذج من الثبات أمام الفتن

     كما يشهد تاريخ علماء السلف نماذج واضحة في الثبات أمام الفتن، حين قدّم العلماء وقادة الأمة حفظ الدين ووحدة الجماعة على المصالح الشخصية؛ فكان في مواقفهم ترسيخٌ لمنهج الصبر، والتمسك بالحق، والابتعاد عن التنازع الذي يضعف الأمة ويذهب ريحها، ومن هذه الأمثلة المشرقة في ثبات العلماء ويقينهم في مواجهة الفتن والأزمات:

أولًا: ثبات أبي بكر -رضي الله عنه - يوم الردة

 يُعدّ أبو بكر الصديق المثال الأول والأعظم في الثبات عند اهتزاز الأمة بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -. < الموقف: حين ارتدت بعض قبائل العرب ومنعوا الزكاة، تزلزلت الأقدام حتى إن عمر بن الخطاب راجع أبا بكر - رضي الله عنه - في قتالهم. < الثبات: صمد أبو بكر -]- صمود الجبال، وقال كلمته الشهيرة: «والله، لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة»، وبسبب هذا الثبات أعزّ الله الدين، وحفظ أركان الإسلام من الضياع. ثانيًا: ثبات الإمام أحمد بن حنبل يوم المحنة ضرب الإمام أحمد بن حنبل أروع الأمثلة في الثبات أمام فتنة (خلق القرآن)، فقد واجه الإمام أحمد ضغوط السلطة العباسية في ذلك الوقت، وتعرض للسجن والتعذيب لكي يوافق على القول بأن القرآن مخلوق. لكنه الإمام أحمد -رحمه الله- رفض المداهنة، وتمسك بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وصبر صبرًا عظيمًا، حتى قال العلماء: لولا ثبات الإمام أحمد لوقعت فتنة عظيمة في عقائد المسلمين، فكان بصموده منارةً حفظت عقيدة أهل السنة والجماعة. ثالثًا: ثبات ابن القيم وشيخه ابن تيمية يذكر ابن القيم أنه عندما كان يشتد بهم الخوف وتسوء بهم الظنون بسبب الفتن والابتلاءات، كانوا يلجؤون إلى شيخ الإسلام ابن تيمية، فبمجرد رؤيتهم له وسماع كلامه، كان يذهب ما بهم من خوفٍ وقلق؛ لما يرونه من يقينه وثبات قلبه بالله -عز وجل-، ما يثبت أن العالم الثابت يكون ملاذًا آمنًا لغيره وقت الأزمات. سرّ الثبات أمام الفتن إن ثبات هؤلاء العلماء لم يكن نابعًا من قوةٍ بدنية أو مكانة دنيوية، بل من الاعتصام بالكتاب والسنة، واليقين بموعود الله -تعالى-، وملازمة التقوى، ما جعلهم مفاتيح للخير في أحلك الظروف وأشد الأزمات. الفتن أنواع متعددة الفتن لا تقتصر على جانبٍ فكري أو عقدي فحسب؛ بل تمتد إلى مجالات أخرى متعددة، من أبرزها: < فتنة النساء: لما قد يترتب عليها من انحرافٍ أخلاقي إذا غابت الضوابط الشرعية. < فتنة المال: التي تظهر في التعلّق المفرط بالدنيا، والتهاون بالواجبات المالية، وانتشار المعاملات المحرّمة، وما ينشأ عنها من نزاعاتٍ وظلمٍ بين الناس. < فتنة القتال وسفك الدماء: وهي من أعظم الفتن خطرًا، إذ شدّد الإسلام في تحريم الدماء، واعتبر استباحتها من كبائر الذنوب التي تهدد أمن المجتمعات واستقرارها. النجاة من الفتن وقد رسم الإسلام منهجًا متوازنًا للتعامل مع الفتن، يقوم على الاعتصام بالكتاب والسنة، ولزوم جماعة المسلمين، وتحقيق التقوى، والإكثار من العبادة، خاصةً في أوقات الاضطراب، مع ضبط اللسان عن الخوض في الفتن والخصومات، كما يدعو هذا المنهج إلى الحكمة في مخالطة الناس أو العزلة عنهم، بحسب ما يكون فيه حفظ الدين وصيانة الإيمان. فضل النجاة من الفتن خلاصة القول: إن الفتن واقعٌ لا مفرّ منه، غير أن النجاة تكون بالعلم والبصيرة، والثبات على المنهج الصحيح، وحسن الصلة بالله -تعالى-؛ ليكون الإنسان عنصر إصلاحٍ وبناء، لا سبب فرقةٍ وفساد، وليُسهم في حفظ تماسك المجتمع واستقراره في زمنٍ كثرت فيه التحديات وتنوعت فيه الفتن. ثوابت شرعية < النجاة من الفتن تكون بالاعتصام بالكتاب والسنة والعلم الشرعي. < ضعف العلم واتباع الهوى والتعصب من أبرز أسباب الفتن والخلافات. < الإسلام يفرّق بين الاختلاف المشروع والافتراق المذموم. < معالجة الخلاف تكون بالحكمة والعلم لا بالتشدد والإقصاء. < الثبات على الحق يحتاج إلى يقينٍ وصبرٍ وحسن صلة بالله. < العلماء الربانيون صمام أمان للأمة وقت الفتن والأزمات. < الفتن تشمل الجوانب الفكرية والأخلاقية والمالية وغيرها. < وحدة الأمة واجتماع الكلمة من أعظم مقاصد الشريعة. < الإكثار من العبادة وضبط اللسان من أسباب السلامة من الفتن. < المسلم الواعي يكون عنصر إصلاحٍ وبناء لا سبب فرقةٍ وفساد.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك