رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: عمرو علي 14 أكتوبر، 2026 0 تعليق

الحقوق المالية للزوجين في ميزان الشريعة

  • قررت الشريعة لكل من الزوجين ذمة مالية مستقلة فلا تصير أموال أحدهما ملكًا للآخر بمجرد الزواج
  • للمرأة حق التملك والكسب والميراث والتصرف في مالها ولا يحق للزوج أخذ شيء منه إلا برضاها وطيب نفسها
  • عمل المرأة ودخلها لا يسقطان استقلالها المالي ولا يصبح راتبها حقًا للزوج لمجرد قيام الزوجية
  • المهر والنفقة والسكن والكسوة من الحقوق المالية المقررة للزوجة ولا تسقط النفقة لمجرد كونها موظفة أو ذات دخل مستقل
  • حفظ الحقوق المالية لا يتعارض مع التعاون والتكافل فمشاركة الزوجة من مالها إحسان وتعاون وليست التزامًا ماليا مفروضًا عليها
  • وضوح الحقوق وأداء الواجبات والعدل والأمانة وحسن العشرة تحول المال من سبب محتمل للخلاف إلى وسيلة لتعزيز استقرار الأسرة ومودتها
  • من أهم الحقوق المالية التي أوجبها الإسلام للزوجة: النفقة، وتشمل ما تحتاج إليه من طعام وشراب وكسوة ومسكن بحسب المعروف والقدرة
 

جاء الإسلام بتشريع متوازن يحفظ للزوجين حقوقهما، ويقيم حياتهما على المودة والرحمة والتكامل، ومن المجالات التي عنيت بها الشريعة الحقوق المالية؛ لما لها من أثر مباشر في استقرار الأسرة، وما قد ينشأ عنها من خلافات ونزاعات، وقد قرر الإسلام لكل من الزوجين ذمة مالية مستقلة؛ فالزواج لا يجعل مال أحدهما حقا للآخر، كما أوجب للزوجة حقوقا مالية كالمهر والنفقة والسكن والكسوة، وفتح للزوجين باب التعاون والمشاركة بالتراضي؛ تحقيقا للعدل وحفظا لاستقرار الأسرة.

        ومن أهم القواعد التي ينبغي تقريرها في هذا الباب أن مال الزوجة ملك لها، لا يملكه الزوج بمجرد قيام الزوجية، كما أن الزوجة ليست مطالبة شرعًا بالتنازل عن مالها أو راتبها لمجرد كونها زوجة، وإنما ما تقدمه لأسرتها من مالها يكون بحسب ما تتفق عليه مع زوجها، أو تفعله تبرعًا وإحسانًا. قال الله -تعالى-: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ  لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ  وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} (النساء: 32)، وهذه الآية أصل مهم في تقرير أن للمرأة نصيبًا فيما تكسبه، وأن لها حقًا ماليًا مستقلًا عن مال الرجل.

أولًا: الأساس الشرعي للحقوق المالية بين الزوجين

        الحياة الزوجية في الإسلام ليست مجرد علاقة عاطفية، وإنما هي عقد شرعي تترتب عليه حقوق وواجبات متبادلة، ومن هذه الحقوق ما هو مالي، كالمهر والنفقة والسكن والكسوة، ومنها ما هو معنوي، كالمعاشرة بالمعروف وحفظ الكرامة وصيانة الحقوق، لقول الله -تعالى-:{وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (النساء: 19). فالواجب في الحياة الزوجية ألا تتحول الحقوق إلى وسيلة للضغط أو الاستغلال، بل تؤدى بالمعروف والعدل والإحسان، وقد نهى الله -سبحانه- عن التضييق على المرأة بقصد حملها على التنازل عن شيء من حقوقها، فقال تعالى: {وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنّ} (النساء: 19). ومن هنا يتبين أن الأصل في الأموال هو الملكية والاستقلال والرضا، فلا يجوز لأحد الزوجين أن يستولي على مال الآخر أو يتصرف فيه بغير حق، قال الله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}(النساء: 29)، فالتراضي أصل معتبر في المعاملات المالية، والزواج لا يلغي هذا الأصل.

ثانيًا: الذمة المالية المستقلة للمرأة

         المقصود بالذمة المالية المستقلة أن يكون للمرأة مالها الخاص الذي تملكه ملكًا معتبرًا شرعًا، سواء كان هذا المال مهرًا، أو ميراثًا، أو راتبًا، أو ربح تجارة، أو هبة، أو غير ذلك من الأموال المشروعة، ولا تنتقل ملكية مال المرأة إلى زوجها بمجرد الزواج، كما أن الزوج لا يصبح مالكًا لراتب زوجته لمجرد أنها تعمل، ومن أوضح الأدلة على ذلك قول الله -تعالى-: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ} (النساء: 32).  كما قرر القرآن للمرأة حقها في الميراث، فقال -سبحانه-: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا} (النساء: 7)، فأثبت الله للمرأة نصيبها المالي، وجعله نصيبًا مفروضًا، لا منّة فيه لأحد. وقد أثبت الإسلام للمرأة حق التملك والتصرف في مالها في حدود الأحكام الشرعية، فلها أن تشتري وتبيع وتهب وتتصدق وتدخر وتستثمر مالها، متى كان تصرفها مشروعًا وكانت أهليتها معتبرة، وقد جاء القرآن مؤكدًا حقها في كسبها، كما في قوله -تعالى-: {وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ} (النساء: 32)، كما أن السُنَّة النبويَّة قدمت صورًا واضحة لامتلاك النساء للأموال وإنفاقهن منها، ومن ذلك قصة زينب امرأة عبدالله بن مسعود -رضي الله عنها-، فقد كانت تنفق على زوجها وعلى أيتام في حجرها، وسألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن إنفاقها من زكاتها، فأقر ذلك، وقال لها: «لها أجران: أجر القرابة وأجر الصدقة»، وفي هذا الموقف دلالة واضحة على أن للمرأة مالًا خاصًا بها، وأن لها أن تتصرف فيه في وجوه الخير، وأن إنفاقها على زوجها عند الحاجة كان تبرعًا منها وإحسانًا، وليس دليلًا على سقوط مسؤولية الزوج الأصلية عن النفقة، وقد ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: « يا معشر النساء تصدقن ولو من حليكن».

ثالثًا: الحقوق المالية للزوجة على زوجها

1- المهر وملكية الزوجة له المهر حق واجب للزوجة، وهو ملك لها، وليس لأحد أن يأخذ منه شيئًا بغير رضاها، لقوله -تعالى-: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} (النساء: 4).  ولهذا لا يصح أن يعتبر المهر مالًا مشتركًا بين الزوجين لمجرد عقد الزواج. 2- النفقة والسكن والكسوة من أهم الحقوق المالية التي أوجبها الإسلام للزوجة: النفقة، وتشمل ما تحتاج إليه من طعام وشراب وكسوة ومسكن بحسب المعروف والقدرة. قال الله -تعالى-: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (البقرة: 233)، وقال -سبحانه-: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ} (الطلاق: 7)، كما قال -سبحانه- في شأن السكن: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ} (الطلاق: 6)،  وعن معاوية بن حيدة القشيري -رضي الله عنه- قال: قلت: يا رسول اللَّهِ، ما حقُّ زَوجةِ أحدِنا علَيهِ؟، قالَ: أن تُطْعِمَها إذا طَعِمتَ، وتَكْسوها إذا اكتسَيتَ، أوِ اكتسَبتَ، ولا تضربِ الوَجهَ، ولا تُقَبِّح، ولا تَهْجُرْ إلَّا في البَيتِ. وفي الحديثِ: الوصيَّةُ بالنِّساءِ وإكرامِهنَّ بإطعامِهنَّ وكِسْوَتِهنَّ وعدَمِ ضَربِهنَّ. 3- ضابط النفقة ليست النفقة مبلغًا واحدًا ثابتًا لكل الناس، وإنما تراعى فيها قدرة الزوج وحال الأسرة والعرف والحاجة، وقد ظهر هذا المعنى جليًا في قصة هند بنت عتبة رضي الله عنها، عندما شكت إلى النبي [ أن أبا سفيان لا يعطيها ما يكفيها وولدها، فقال لها: «خُذِي ما يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ». فالمعيار هو الكفاية بالمعروف، لا الإسراف ولا التقتير. 4- النفقة على الزوجة إذا كانت موظفة الأصل أن نفقة الزوجة واجبة على زوجها، ولا تسقط لمجرد كونها موظفة أو غنية أو ذات دخل مستقل، فاستقلال ذمتها المالية لا يعني أنها تتحمل النفقة الزوجية بدلًا عن زوجها. لكن إذا اتفق الزوجان برضاهما على أن تشارك الزوجة في بعض النفقات، أو رضيت بالإنفاق من راتبها على البيت، فهذا من التعاون والإحسان، وليس معناه أن مالها أصبح ملكًا للزوج أو أن راتبها حق له.
  • وقد جاء سؤال لسماحة الشيخ عبدالعزيز ابن باز -رحمه الله- إذا كانت المرأة في وقتنا الحاضر تعمل مدرسة، وجل وقتها في خارج البيت، فهل تجب النفقة على الزوج لها، وماذا تعمل هي براتبها؟
  • فكان جوابه -رحمه الله-: هذا يختلف إن كانت دخلت على شرط بينها وبينه أنه يسمح لها بالتدريس، ومعاشها لها؛ فعليه أن يقوم بواجبها من جهة النفقة، وهي زوجته، وقد دخل على علم، وعلى شرط، والمسلمون على شروطهم، وهي عليها أن تقوم بالواجب إذا جاءت من الدراسة؛ تقوم بواجب البيت، وواجب الزوج، وهو يقوم بالواجب، ويتعاونان على البر، والتقوى، أما إذا تنازعا فالمحكمة تفصل بينهما، وإذا اتفقا على أنها تعطيه نصف الراتب، أو الراتب كله، أو ربع الراتب بسبب سماحه لها؛ فهذا شيء بينهما إذا اصطلحا على شيء؛ فلا بأس بينهما.

رابعًا: مال الزوجة العاملة ومشاركتها في نفقات الأسرة

       أفتت لجنة الفتوى في وزارة الأوقاف الكويتية بأن الراتب الذي تحصل عليه المرأة مقابل عملها هو حق خالص لها، وليس لأحد فيه حق، ولا يجوز للزوج أن يأخذ منه شيئا إلا برضاها وطيب نفسها، وفيما يلي خلاصة جواب اللجنة عن سؤال: هل للزوج حق في راتب زوجته؟ قرر الشرع للمرأة ذمة مالية مستقلة، فلها إذا كانت بالغة عاقلة رشيدة أن تتصرف في مالها دون توقف على إذن أحد، ومن أدلة ذلك قوله -تعالى-: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} (النساء: 4)؛ فأثبت لها ملكية المهر، ومنع أخذ شيء منه إلا بطيب نفسها. كما دلت السُنَّة النبوية على جواز تصرف المرأة في مالها؛ فقد أعتقت أم المؤمنين ميمونة -رضي الله عنها- جارية لها دون استئذان النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقال النووي: «فيه جواز تبرع المرأة بمالها بغير إذن زوجها». وثبت كذلك أن النساء كن يتصدقن من حليهن في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبناء على ذلك، فإن راتب المرأة مقابل عملها ملك خالص لها، ولا يحق للزوج أخذ شيء منه إلا برضاها وطيب نفسها، وما أخذه بغير رضاها وجب عليه رده. أما إذا أذن لها الزوج بالعمل على أن تعطيه قدرا معينا من راتبها، ورضيت بهذا الشرط، استحق ما اتفقا عليه؛ لوجوب الوفاء بالشروط المشروعة. وإذا تزوجها وهي موظفة وقبل استمرارها في عملها، أو اشترط ذلك عند العقد ووافق عليه، فلا يكون له حق في راتبها لمجرد كونها زوجته. ومع استقلال ذمتها المالية، يستحب للزوجة أن تسهم برضاها في أعباء الأسرة إذا احتاجت إلى ذلك؛ إحسانا وتعاونا وتوثيقا للمودة، فالحياة الزوجية لا تقوم على حساب الحقوق المادية وحدها، وإنما على التفاهم والتراحم ومراعاة كل من الزوجين لحقوق الآخر ومصالح الأسرة.

خامسًا: نماذج من السُنَّة وحياة السلف

         من أجمل ما يوضح توازن الشريعة في هذا الباب ما جاء عن أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنها-، زوجة الزبير بن العوام -رضي الله عنهما-، فقد روت أنها كانت تقوم بأعمال كثيرة لخدمة بيتها وزوجها، وكانت تحمل النوى من أرض الزبير، وقد ورد ذلك في صحيح البخاري، وهذا الموقف لا يدل على أن كل ما قامت به أسماء كان واجبًا ماليا عليها، وإنما يدل على روح التعاون والمشاركة التي كانت حاضرة في بيوت الصحابة، وأن الحياة الزوجية لم تكن قائمة على الحساب المادي الدقيق في كل صغيرة وكبيرة، بل على المعروف والمروءة والتعاون، وكذلك موقف زينب -رضي الله عنها-، الذي يظهر فيه الجانب الآخر؛ فقد كانت صاحبة مال تنفق منه، وأقر النبي صلى الله عليه وسلم إنفاقها على زوجها، وجعل لها فيه أجرًا عظيمًا، وهذان الموقفان يقدمان صورة متوازنة: لا ظلم للمرأة في مالها، ولا منع لها من الإحسان إلى زوجها وأسرتها. النساء كن يتصدقن من حليهن في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبناء على ذلك، فإن راتب المرأة مقابل عملها ملك خالص لها، ولا يحق للزوج أخذ شيء منه إلا برضاها وطيب نفسها

بين الاستقلال المالي والتعاون الأسري

ينبغي ألا يفهم استقلال الذمة المالية للمرأة على أنه دعوة إلى الأنانية أو الفصل الكامل بين الزوجين، كما لا ينبغي أن يفهم قيام الزوج بالنفقة على أنه حق له في مال زوجته،؛ فالميزان الشرعي يقوم على أمرين متكاملين:
  • الأول: حفظ الحقوق؛ فلا يأخذ الزوج من مال زوجته بغير رضاها، ولا تستولي الزوجة على مال زوجها بغير حق.
  • والثاني: التعاون والإحسان؛ فإذا احتاج أحد الزوجين، وساعده الآخر من ماله، فذلك من المودة والإحسان، وقد يكون من أعظم أسباب استقرار الأسرة قال الله -تعالى-: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (النساء: 19)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «خياركم خياركم لنسائهم». فحسن العشرة لا يقتصر على الكلام الطيب، وإنما يشمل أداء الحقوق، والإنفاق بالمعروف، وصيانة المال، وعدم استغلال حاجة أحد الزوجين أو ثقته بالآخر.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك