الثقلاء.. خُلُق مذموم وسلوك مؤذٍ (2-2)
نستكمل في هذا العدد حديثنا عن الثقلاء وأخلاقهم المذمومة؛ فقد بيّنا في العدد الماضي أن مراعاة أحوال الآخرين أدب إسلامي، وعرّفنا الثقلاء وما يميزهم عن غيرهم، وأوضحنا أسباب استثقال بعض الأشخاص، واستعرضنا جانبًا من السلوكيات التي تثقل على الناس وتنفرهم من أصحابها. وفي هذا العدد نواصل بيان هذه السلوكيات.
عيادة المريض بين المواساة والإثقال
عيادة المريض باب للمواساة والتخفيف، ولكنها قد تتحول إلى عبء إذا لم يراع الزائر حال المريض وحاجته إلى الراحة؛ فليس من حسن الأدب إطالة الجلوس عنده، أو استنطاقه بكثرة الأسئلة، أو إلزامه بمجاملة زواره وهو يعاني الألم والتعب، ومن أشد ما يثقل عليه أن يذكر الزائر أمامه أخبار من اشتد بهم المرض نفسه، أو من ماتوا بسببه؛ فيُزيد خوفه، ويُضعف رجاءه، بدلًا من أن يطمئنه ويواسيه، والكلمة الحسنة في هذا الموضع دعاء وتأنيس، وتذكير بالرجاء وحسن الظن بالله، دون تهوين غير مسؤول من مرضه، أو إطلاق وعود لا يعلمها الزائر. ومن الحكايات المتداولة أن رجلًا قال للأعمش: لولا أني أخشى أن أثقل عليك لعدتك كل يوم، فأجابه بما يفيد أنه يستثقله حتى وهو بعيد عنه! وهي من النوادر التي تصور أثر الزيارة حين تفقد الرفق وحسن التقدير، ويحكى أن قومًا دخلوا على السري السقطي وهو مريض، فأطالوا الجلوس، ثم طلبوا منه أن يدعو لهم، فقال: «اللهم علمنا أدب عيادة المريض». كما يحكى أن رجلًا سأل مريضًا: ما تشتهي؟ فقال: ألا أراك! وأن ثقيلًا عاد الشعبي، فسأله عن أشد ما وجده في مرضه، فأجابه: دخولك علي! والمقصود من هذه الأخبار التنبيه إلى أن العيادة ليست بطول المكث وكثرة الكلام، وإنما بما تحققه من تأنيس ومواساة، وقد يستأنس المريض ببقاء بعض زواره، فيراعى ذلك؛ فالأصل النظر إلى حاجته وراحته.اختيار الوقت ومراعاة النظافة
ومن أنواع الإثقال كثرة التردد على الأصدقاء والمعارف في أوقات النوم والطعام والعمل، وكأن أوقات الآخرين مباحة للزائر متى أراد. والمحبة لا تسقط حق الإنسان في الراحة، والصداقة لا تعني إهمال الاستئذان أو تجاهل الانشغال. ومن الأدب أيضًا مراعاة النظافة وما تنفر منه النفوس؛ فلا يمد المرء يده للمصافحة وعليها ما يؤذي غيره من عرق أو بلل مستقذر، ولا يعطس في يده ثم يبادر إلى مصافحة الناس قبل تنظيفها، وقد تبدو هذه التصرفات صغيرة، لكن تكرارها يكشف ضعف المراعاة، ويترك أثرًا في النفوس؛ فحسن الخلق يظهر في التفاصيل اليومية كما يظهر في المواقف الكبيرة.محاسبة النفس أول طريق الإصلاح
الفائدة من معرفة صفات الثقلاء أن يراجع كل واحد منا نفسه قبل أن يفتش عن هذه الصفات في غيره: هل أطيل الحديث؟ هل أقاطع المتكلمين؟ هل أختار الوقت المناسب للزيارة؟ هل ألح في السؤال عما لا يعنيني؟ وهل أحمل الناس على مجاملتي حين يكونون محتاجين إلى الراحة أو الانصراف؟ ومن رأى من أخيه شيئًا من ذلك نصحه برفق، وبين له ما قد يغيب عنه، دون تشهير أو سخرية؛ فقد يكون محتاجًا إلى من ينبهه، لا إلى من يزيده نفورًا وحرجًا.من كمال حسن الخلق
إن مراعاة أحوال الناس من كمال حسن الخلق؛ فالمؤمن هين لين، يعرف لكل مجلس أدبه، ولكل زيارة وقتها، ويراعي خصوصية المضيف، وحال المريض، وظروف الآخرين، ومن حسن عشرته أن يكون حضوره أنسًا، وحديثه نفعًا، وانصرافه في الوقت المناسب أدبًا يحفظ المحبة.
لاتوجد تعليقات