وقفات إيمانية مع حائية ابن أبي داود .. الإيمان بسؤال القبر والحوض والميزان – الوقفة السادسة –
- سؤال الملكين في القبر ثابت وقد تلقاه أهل السُنَّة والجماعة بالقبول كما أثبتوا عذاب القبر ونعيمه بالأدلة الواردة في الكتاب والسُنَّة
- تجري أحكام البرزخ على الميت سواء دفن في قبر أو غرق أو احترق أو أكلته السباع فالمؤمن يقف عند النص ويؤمن بكمال قدرة الله تعالى
- الإيمان بالغيبيات يوقظ القلب للاستعداد للقاء الله فمن أيقن بالسؤال أصلح إيمانه ومن رجا الحوض تمسك بالسُنَّة ومن آمن بالميزان حرص على الحسنات
نواصل شرح منظومة «حائية ابن أبي داود»، ونقف مع قول الناظم -رحمه الله-:
ولا تنكرن جهلا نكيرا ومنكرا ولا الحوض والميزان إنك تنصح
يجمع هذا البيت جملة من أمور الغيب التي أثبتتها نصوص الوحي: سؤال الملكين في القبر، وحوض النبي - صلى الله عليه وسلم -، والميزان يوم القيامة. والإيمان بهذه الحقائق من مقتضيات الإيمان باليوم الآخر؛ فيصدق المسلم بما أخبر الله به ورسوله، ويسلم له، وإن لم يدرك كيفيته؛ فأحوال البرزخ والآخرة لا تقاس بأحوال الدنيا.
سؤال الملكين حقيقة ثابتة
سؤال الملكين في القبر ثابت، وقد تلقاه أهل السُنَّة والجماعة بالقبول، كما أثبتوا عذاب القبر ونعيمه بالأدلة الواردة في الكتاب والسنة، وأصل مجيء الملكين وسؤالهما للميت ثابت في حديث البراء بن عازب وغيره، أما تسميتهما بـ«منكر ونكير»، فقد وردت في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - الذي رواه الترمذي، وحسنه أو صححه جماعة من أهل العلم، وفيه أنه يأتي الميت ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما المنكر وللآخر النكير. وقد اشتهرت هذه التسمية في كتب الاعتقاد.التثبيت ثمرة الإيمان
يُسأل الميت عن ربه ودينه ونبيه، فيثبت الله المؤمن ويوفقه إلى الجواب الصحيح؛ فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد - صلى الله عليه وسلم -. أما المنافق والمرتاب فلا يهتديان إلى الجواب، وإن سمعاه وردداه في الدنيا، قال -تعالى-: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} (إبراهيم: 27)، وقد ثبت في السنة تفسير الآية بسؤال القبر؛ فالتثبيت ثمرة الإيمان الصادق، وليس مجرد استحضار لعبارات محفوظة؛ ولهذا يعنى المسلم بتحقيق التوحيد، واتباع الرسول، والاستقامة على الدين.من يشمله السؤال؟
اختلف العلماء في سؤال القبر: هل يختص بهذه الأمة أم يشمل الأمم السابقة؟ فمنهم من قال بالاختصاص، ومنهم من قال بالعموم، ومنهم من توقف، وهذا الخلاف لا يؤثر في وجوب الإيمان بأصل السؤال، كما اختلفوا في سؤال الكافر، وقد ورد ذكره في روايات الأحاديث، فاستدل بها القائلون بأنه يسأل كذلك.من يأمن فتنة القبر؟
ورد في فضل الشهيد أن رجلا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم -: ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ فقال»:كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة»، رواه النسائي. فثباته في القتال في سبيل الله وبذله نفسه دليل على صدق إيمانه. وثبت في صحيح مسلم أن من مات مرابطا في سبيل الله يجري عليه عمله ورزقه، ويأمن الفتان. أما من مات يوم الجمعة أو ليلتها، فقد ورد فيه حديث اختلف العلماء في ثبوته. ولا يلزم من ثبوت فضيلة الشهادة للغريق والحريق أن تثبت لهما جميع خصائص شهيد المعركة؛ فكل خصيصة تحتاج إلى دليل.البرزخ لا يتوقف على الدفن
تجري أحكام البرزخ على الميت، سواء دفن في قبر أو غرق أو احترق أو أكلته السباع؛ فالله قادر على أن يجري عليه ما أخبر به من سؤال ونعيم أو عذاب، وإن تفرقت أجزاؤه، وإنما يكثر التعبير بالقبر؛ لأنه الغالب في أحوال الموتى. أما كيفية وقوع ذلك فعلمها عند الله، ولا يكون الجهل بالكيفية سببا لإنكار الخبر؛ فالمؤمن يقف عند النص، ويؤمن بكمال قدرة الله.الحوض كرامة للنبي وأمته
ثم قال الناظم: «ولا الحوض والميزان إنك تنصح»، والحوض من مشاهد القيامة العظيمة، وقد تواترت الأحاديث بإثبات حوض نبينا - صلى الله عليه وسلم - وبيان صفته، ففي الصحيحين: «حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منها فلا يظمأ أبدا»، وجاء في روايات أخرى أن ماءه أحلى من العسل، ويصب فيه ميزابان من الجنة، أحدهما من ذهب والآخر من فضة. وهذه الأوصاف تبين عظم الحوض وطيب شرابه وكرامة الواردين عليه الشاربين منه.موضع الحوض وسعته
المشهور عند أهل العلم أن الحوض في عرصات القيامة قبل عبور الصراط، فيرده المؤمنون ويشربون منه. وقد ثبت أن طوله وعرضه سواء، وجاء في صحيح مسلم: «وزواياه سواء»، واختلف العلماء في وصف شكله، والمقصود الإيمان بوجوده وعظم سعته وأوصافه الثابتة، دون تكلف فيما وراء النصوص. وورد أن لكل نبي حوضًا، وأن نبينا - صلى الله عليه وسلم - يرجو أن يكون حوضه أكثرهم واردة، وهو كذلك فهو -عليه الصلاة والسلام- أكثر الأنبياء تبعًا يوم القيامة.المحرومون من الحوض
أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أقواما يذادون عن الحوض، فيقال له: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فيقول: «سحقا سحقا لمن بدل بعدي». وهذا وعيد يحذر من التبديل والإحداث في الدين، ويدعو إلى لزوم السنة، وحمل العلماء هذه الروايات على المرتدين أو المنافقين، وذكروا دخول بعض أهل الكبائر وأهل البدع في الوعيد بحسب أحوالهم. ولا يصح اتخاذ هذه الأحاديث مطعنا في الصحابة الثابتين على الإيمان الذين شهدت النصوص بفضلهم.الميزان وعدل الله
الميزان ثابت بالكتاب والسنة، قال -تعالى-: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا} (الأنبياء: 47). وهو ميزان حقيقي له كفتان، كما دل عليه حديث البطاقة، وليس مجرد تعبير عن العدل، وقد دلت النصوص على وزن الأعمال وصحائفها وبعض العاملين أنفسهم؛ فلا يقصر الموزون على نوع واحد. ومن أدلة وزن الأعمال قوله - صلى الله عليه وسلم -: «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم»، متفق عليه. ومن أدلة وزن الصحائف حديث البطاقة.مسائل في الوزن
اختلف العلماء في وحدة الميزان وتعدده؛ فمنهم من قال: هو واحد، وجمع باعتبار تعدد الموزونات، ومنهم من قال بتعدد الموازين. والواجب الإيمان بحقيقة الوزن وكمال العدل الإلهي، واختلفوا في وزن أعمال الكافر؛ فمنهم من نفاه، ومنهم من أثبته لإقامة الحجة وإظهار العدل وبيان تفاوت العذاب. ولا يعني إثبات الوزن نجاته إذا مات على الكفر؛ وإنما البحث في كيفية الحساب، لا في اشتراط الإيمان للنجاة، فالأعمال لا تنفع صاحبها في الآخرة إلا مع الإيمان، ولا يظلم الله أحدا، بل يجازي عباده بعلمه وعدله، وتظهر في الحساب حقائق الأعمال ومقاصد أصحابها، وتفاوتهم في الطاعة والمعصية والإحسان والإساءة، فلا يستوي المصلح والمفسد، ولا المحسن والمسيء، ولا شك أنَّ الإيمان بهذه الحقائق يوقظ القلب للاستعداد للقاء الله؛ فمن أيقن بالسؤال أصلح إيمانه، ومن رجا الحوض تمسك بالسنة، ومن آمن بالميزان حرص على الحسنات.
لاتوجد تعليقات