رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: مركز سلف للبحوث والدراسات 13 فبراير، 2024 0 تعليق

وقفات مع حديث: «وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ»  (١)

  • الأمر بالصبر على جور الحكام هو من باب الموازنة بين المفاسد الحاصلة والمفاسد المتوقَّعة والشرع والعقل قد دلَّا على وجوب تحمل المفسدة الأدنى لدفع الأعلى
 

من أصول أهل السنّة السمعُ والطاعة لولاة أمور المسلمين، وعدم الخروج عليهم؛ وذلك لما يترتب على هذا الخروج من مفاسد أعظم في الدماء والأموال والأعراض كما هو معلوم، وقد دأب كثير من الخارجين عن السنة في هذا الباب -من الخوارج ومن سار على دربهم ومن اتجاهات اليسار العلماني كذلك- على الطعن في بعض الأحاديث، وأحيانا الاستهزاء بها؛ بدعوى أنها تدعو للخنوع وترضى بالظلم، ولا سيما هذه الجملة «وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ»؛ ولذلك نبين هذه المطاعن، ونوضح الفهم الصحيح له، مع التوفيق بينه وبين الأحاديث التي يُظن معارضتها له.

أولَا: نصّ الحديث

       روى مسلم في صحيحه عن حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا بِشَرٍّ، فَجَاءَ اللهُ بِخَيْرٍ، فَنَحْنُ فِيهِ، فَهَلْ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قُلْتُ: هَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الشَّرِّ خَيْرٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قُلْتُ: فَهَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قُلْتُ: كَيْفَ؟ قَالَ: «يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ، وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ»، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قَالَ: «تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ»، وهذا الحديث أخرجه الإمام مسلم، وأخرجه الإمام البخاري كذلك، ولكن بدون هذه الزيادة «وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ»، وإنما أورد هذه الزيادة مسلم من طريق أبي سلام عن حذيفة بن اليمان، والحديث بهذه الزيادة صحيح ثابت -إن شاء الله.

ثالثا: شواهد الحديث

       هذا المعنى المذكور في هذا الحديث قد جاء في أحاديث أخرى صحيحة بالاتفاق، فليست المسألة متوقفة على هذا الحديث، حتى يُظن أن الصبر على جور الأئمة متوقف على هذه الزيادة، وأنها وحدها متمَسَّك أهل السنة في ذلك، بل أحاديث الأمر بالصبر على جور الحكام كثيرة مشهورة، ومنها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: «سَتَكُونُ أثَرَةٌ وأُمُورٌ تُنْكِرُونَها»، قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، فَما تَأْمُرُنا؟ قالَ: «تُؤَدُّونَ الحَقَّ الذي علَيْكُم، وتَسْأَلُونَ اللَّهَ الذي لَكُمْ»، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَن رَأَى من أمِيرِهِ شيئًا يَكْرَهُهُ فلْيَصْبِرْ عليه، فإِنَّهُ ليس أحدٌ يُفارِقُ الجَماعةَ شِبْرًا فيَموتُ إِلَّا ماتَ مِيتةً جَاهِلِيَّةً»، والأحاديث في ذلك كثيرة مشهورة.

أيّدته قواعد الشريعة ومقاصدها

        بل إن هذا الأصل أيّدته قواعد الشريعة ومقاصدها، من مراعاة المصالح والمفاسد، والموازنة بينها، وتحمّل أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما، وتفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما، وهو أصل عظيم وقاعدة من قواعد الشريعة متفق عليها بين أهل العلم، لا يختلفون فيها كأصل، وإن اختلفوا في بعض الصور الفرعية من جهة تحقيق المناط فيها، إلا أنهم لا يختلفون في مراعاة هذا الأصل جملة.

رابعًا: كلام العلماء

اختلف أهل العلم في محمل هذا الحديث على قولين: القول الأول القول الأول محمول على أن يفعل الإمامُ ذلك ظلمًا بغير حق، فعندها واجب المظلوم الصبر على ذلك، وعدم نزع اليد من الطاعة في المعروف، وعدم الخروج على هذا الحاكم المسلم بسبب هذه المظلمة التي وقعت عليه، وهذا قول أكثر العلماء شراح الحديث، ولذلك ذكروه في أبواب (الفتن) و(الصبر على جور الأئمة وترك قتالهم). قال ابن هبيرة -رحمه الله-: «وفيه أيضًا: أن المؤمن إذا بلي بذلك في وقت أمير جائر من ضرب ظهره وأخذ ماله فإنه لا يخرج عليه ولا يحاربه، بل يسمع ويطيع، فإنه بخروجه يزيد الفتن شرًّا». وقال النووي -رحمه الله-: «وفي حديث حذيفة هذا لزوم جماعة المسلمين وإمامهم، ووجوب طاعته وإن فسق وعمل المعاصي من أخذ الأموال وغير ذلك، فتجب طاعته في غير معصية». وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-: «هذا أمر للمفعول به ذلك للاستسلام والانقياد، وترك الخروج عليه؛ مخافة أن يتفاقم الأمر إلى ما هو أعظم من ذلك». وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله بعد أن ذكر الحديث-: «فهذا أمر بالطاعة مع ظلم الأمير». وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: وإلى ذلك الإشارة بقوله: «الزم جماعة المسلمين وإمامهم» يعني: ولو جار. ويوضح ذلك رواية أبي الأسود: «ولو ضرب ظهرك وأخذ مالك»، وكان مثلُ ذلك كثيرًا في إمارة الحجاج ونحوه... وقال ابن بطال: فيه حجة لجماعة الفقهاء في وجوب لزوم جماعة المسلمين وترك الخروج على أئمة الجور»، والنقول في ذلك كثيرة جدًّا، وهذا المعنى هو ظاهر الحديث والمتبادر إلى الذهن. القول الثاني القول الثاني أن ذلك محمول على أن يفعل الإمام ذلك بوجه حقّ، أو على الأقل: له فيه تأويل محتمل، وممن ذهب إلى ذلك ابن حزم -رحمه الله-، فقال: «أما أمره - صلى الله عليه وسلم - بِالصبرِ على أَخذ المَال وَضرب الظّهْر فَإِنَّمَا ذَلِك بِلَا شكّ إِذا تولى الإِمَام ذَلِك بِحَقّ، وَهَذَا مَا لَا شكّ فِيهِ أَنه فرض علينا الصَّبْر لَهُ، وَأمَّا إِن كَانَ ذَلِك بباطل فمعاذ الله أَن يَأْمر رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - بِالصبرِ على ذَلِك». والذي حمل ابن حزم على هذا التأويل هو ترجيحه لقول من يقول بوجوب الخروج على الحاكم الظالم بالسيف، قال -رحمه الله-: «سلُّ السيوف فِي الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَاجِب إِذا لم يُمكن دفع الْمُنكر إِلَّا بذلك. قَالُوا: فَإِذا كَانَ أهل الْحق فِي عِصَابَة يُمكنهُم الدّفع وَلَا ييأسون من الظفر فَفرض عَلَيْهِم ذَلِك، وَإِن كَانُوا فِي عدد لَا يرجون لقلتهم وضعفهم بظفر كَانُوا فِي سَعَة من ترك التَّغْيِير بِالْيَدِ».

فساد هذا المذهب

        ولا شك في فساد هذا المذهب، فإنه لا قائل به بهذا الإطلاق، بل من ذهب إلى ذلك قديمًا كمن خرجوا على الحجاج ويزيد؛ فكان حاملهم على ذلك فشو الظلم، وظنهم أن الخروج سوف يحقق إزالة هذا الظلم أو تقليله، ولذلك أجمع العلماء بعد هذه التجارب وما نجم عنها من مفاسد عظيمة في الدين والدنيا على حرمة الخروج بالسيف. قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: «قولهم: ‌كأن ‌يرى ‌السيف، يعني كأن يرى الخروج بالسيف على أئمة الجور، وهذا مذهب للسلف قديم، لكن استقر الأمر على ترك ذلك؛ لما رأوه قد أفضى إلى أشد منه، ففي وقعة الحرة ووقعة ابن الأشعث وغيرهما عظة لمن تدبر».

ترك ‌القتال ‌في ‌الفتنة

        وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «ولهذا استقر أمر أهل السنة على ترك ‌القتال ‌في ‌الفتنة للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم، ويأمرون بالصبر على جور الأئمة وترك قتالهم، وإن كان قد قاتل في الفتنة خلق كثير من أهل العلم والدين».

‌الخروج حرام بإجماع المسلمين

        وقال النووي -رحمه الله-: «وأما ‌الخروج ‌عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرتُه، وأجمع أهلُ السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، وأما الوجه المذكور في كتب الفقه لبعض أصحابنا أنه ينعزل، وحُكي عن المعتزلة أيضًا فغلطٌ من قائله مخالفٌ للإجماع. قال العلماء: وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن وإراقة الدماء وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه».

الإجماع انعقد على تحريم الخروج

         وكلام العلماء واضح في أن الإجماع انعقد بعد ذلك على تحريم الخروج؛ لما يترتب عليه من مفاسد أعظم من المفاسد الحاصلة، وهذا الذي وردت به النصوص، وأيده التاريخ والواقع المعاصر إلى يومنا هذا أن الخروج بالسيف يفضي إلى فتن، ويترتب عليه فساد في الدماء والأموال أضعاف ما يخرج الناس من أجله. والغرض المقصود: أن الذي حمل ابن حزم على هذا التأويل هو انتصاره لهذا المذهب الفاسد. وهذا لا يعني انفراد ابن حزم بهذا الوجه، فقد ذكره غيره من أهل العلم، كالقرطبي صاحب المفهم، فقد ذكره احتمالا، فقال: «ويحتمل أن يكون ذلك خطابًا لمن يُفعل به ذلك بتأويل يسوّغ للأمير بوجهٍ يظهر له ولا يظهر ذلك للمفعول به، وعلى هذا يرتفع التعارض بين الأحاديث ويصحّ الجمع، والله تعالى أعلم». وهذا الاحتمال بعيد جدًّا عن سياق الحديث، فإن امتثال المؤمن لدفع ماله في الزكاة ونحوها من المصارف الشرعية، وكذا إقامة الحدود عليه هو الأصل في المسلم، وفعل الإمام لذلك ليس مما يستنكر حتى يقال: اسمع وأطع وإن فعل ذلك. ولكن هذا الحديث مثل حديث وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - وَرَجُلٌ سَأَلَهُ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ ‌يَمْنَعُونَا ‌حَقَّنَا ‌وَيَسْأَلُونَا ‌حَقَّهُمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا؛ فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا، وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ»، وغيرها من الأحاديث الكثيرة الدالة على الصبر على جور الحكام، وليس معارضًا لغيره من الأحاديث، بل هو موافق لها.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك