معا نتطور- الطريق إلى الموظف المثالي في مؤسساتنا الخيرية 2
ذكرنا في المقال السابق أن الاختيار هو الخطوة الأولى على طريق بناء الموظف المثالي في مؤسساتنا الخيرية، وكما يقول علماء الإدارة: فإن الفشل في التخطيط يعني التخطيط للفشل؛ لذلك كان لابد من التخطيط الجيد لهذه العملية، وألا يكون هذا الاختيار محل التجربة تصيب فيها المؤسسة أو تخطئ.
ويعتقد الكثيرون أن الموظفين الأكفاء موجودون ويسهل الحصول عليهم، لكن من خبرة شخصية أقول: إن عملية انتقاء موظف كفء تكاد تكون من أصعب المهام التي يواجهها أصحاب الأعمال.
بل أصبحت عملية الاختيار مهمة عسيرة بعد تطور المتقدمين للوظائف الذين أصبحوا يحفظون إجابات ما يدور في المقابلات الشخصية، بعد التطور الحادث في الدورات التدريبية المقدمة من خلال المعاهد ومواقع الإنترنت والكتب المتخصصة في هذا المجال، والتي تُعلِّم الموظفين أسرار المقابلات الشخصية .
من هنا فإن عملية الاختيار لابد أن تتم من خلال لجان متخصصة في هذا الشأن، وأن تكون لها أهداف واضحة ومحددة تقوم عليها، وربما يبدو الأمر صعبًا في بدايته، إلا أن ذلك أفضل بكثير من المعاناة التي تعانيها المؤسسة من تعيين غير المؤهلين؛ نظرًا لفشل عملية الاختيار.
وتمر عملية الاختيار بمراحل يمكن اختصارها في النقاط التالية:
< أولاً- تخطيط الـموارد البشرية:
وهو من المهام والأهداف الرئيسة لإدارة الموارد البشرية؛ حيث إن هذا التخطيط هو الذي يحدد الاحتياجات الفعلية للمؤسسة من الموظفين، وهو الأساس في نجاح عملية الاختيار حيث يحقق الأهداف الآتية:
(1) التنبؤ باحتياجات المؤسسة من الموظفين.
(2) مقارنة احتياجات المؤسسة بموظفيها بمعنى: هل يمكن سد هذه الحاجة من خلال الأشخاص الموجودين أم لا؟
(3) تطوير خطط واضحة تبين عدد الأشخاص الذين سيتم تعيينهم (من خارج المؤسسة)، ومن هم الأشخاص الذين سيتم تدريبهم (من داخل المؤسسة) لسد هذه الاحتياجات؟.
< ثانيًا- تحديد معالم الوظيفة:
يجب إعطاء وصف دقيق لمعالم الوظيفة الجديدة التي تريدها المؤسسة، ولا بأس بإعداد هذا الوصف من قبل مستشار أو أصحاب الخبرة والدراية؛ لتكون خطى مرسومة ومهمات معلومة يسهل على المؤسسة اختيار الشخص المناسب من خلالها، وكذلك يسهل على المتقدم التأكد من كفاءته لتلك الوظيفة، ويجب عند توصيف الوظيفة أن تتضمن أمرين:
< الأول: رؤية المؤسسة: بحيث تراعي عند الاختيار رؤية المؤسسة وما تخطط له في السنوات المقبلة.
< الثاني: تحديد خصائص الشخص ومهاراته:
عندما يصبح بين يديك وصف دقيق للوظيفة فإنه من السهل عليك أن تكتب المواصفات التي ترغبها في الشخص المرشح لها، والمهارات والكفاءات التي تنشدها في هذا الموظف، وكذلك الصفات والسمات الشخصية التي يجب أن يتمتع بها ليلائم تلك الوظيفة.
< ثالثًا- الـمقابلة:
هذه المرحلة هي الحاسمة لاختيار الموظف المناسب من طالبي الوظيفة، وللمقابلات فوائد عدة؛ لأنها سهلة التحضير ولا تتطلب معدات، ولا تأخذ وقتاً طويلاً، وأيضاً أنت ترى الشخص وتتحدث إليه وتستمع منه، ولكن من الأهمية بمكان أن تكون مستعداً أنت لإجراء المقابلات مع طالبي الوظيفة، وإلا فسوف تجد أنها صعبة، وتأخذ من وقتك الشيء الكثير. وللمقابلات آليات وطرائق لا يسع المجال لذكرها هنا.
ولكن أهم شيء هو أن المقابلة الشخصية ستحدد للمسؤول نصف الطريق للاختيار الصحيح، ويبقى النصف الآخر وهو فترة التجربة؛ حيث لابد من اختبار الموظف الذي تم اختياره على المهارات والسلوكيات المطلوبة.
وأنت بالمقابلة الشخصية الجيدة والمتابعة أثناء فترة التجربة للموظف تكون قد قطعت 80% من الطريق، ويتبقى 20% للتدريب وتطوير العاملين لاستمرارية التقدم والازدهار.
ويبقى أمر مهم جدًا في عملية الاختيار، وهو الوعي بأننا نختار موظفا للعمل في مؤسسة خيرية؛ لذلك يجب التركيز على جانب السلوكيات وأخلاقيات المهنة وقناعة هذا الموظف برسالة المؤسسة ورؤيتها، مع عدم إغفال الكفاءة المهنية له؛ لذلك يجب أن تكون هناك مواصفات وشروط خاصة للاختيار تختلف عن أي مؤسسة أخرى من المؤسسات الربحية؛ لأنه لابد أن يكون هناك انسجام كامل بين الصورة الذهنية للموظف المرتقب وبين الصورة الذهنية للمؤسسة التي يسهم في تشكيلها بصورة أساسية؛ حيث إنه سيكون من المكونات والعناصر الأساسية المشكلة لهذه الصورة، وسيأتي تفصيلها في العدد القادم إن شاء الله عند الحديث عن صفات العاملين في المؤسسات الخيرية.
ويبقى لنا وقفة مع الأخطاء التي ترتكب عند اختيار الموظفين في المؤسسات الخيرية التي من أهمها:
(1) الفشل في التخطيط لاختيار الموظفين الجدد، وعدم وجود لجان خاصة عن إجراء المقابلات:
لا يمكنك أن تمضي في مشروع دون أن تضع له مخططاً، ولا يمكنك أن ترسل ابنك إلى إحدى المدارس أو الكليات دون دراسة مسبقة للموضوع، فلماذا تهمل المؤسسات الخيرية موضوع التخطيط لاختيار الموظفين لديها؟! يجب تحديد المسؤولين عن عملية الاختيار وأن يتم وضع مخطط لهذه العملية: من هو المسؤول عن المقابلات؟ من المسؤول عن تقييم الوثائق التي يقدمها المتقدم؟ من الذي سيحدد مدى التوافق بين ثقافة المتقدم وثقافة المؤسسة؟... إلى آخره من الأسئلة والمهام التي توزع على أعضاء تلك اللجنة.
(2) الخيارات المحدودة:
من الخطورة بمكان ألا يكون لدى المؤسسة المجال للاختيار بين عدد من المتقدمين المناسبين؛ فلا تعتمد الأساليب العلمية في جذب الراغبين في شغل الوظيفة، والاعتماد على العلاقات الشخصية في ذلك التي تفرض على المؤسسة أشخاصا ربما يكونوا غير مؤهلين وغير أكفاء.
(3) تقييم المتقدم بناءً على شخصيته، وليس على مهارات العمل والخبرة:
لا يعني إعجابك بشخصية المتقدم أنه يمتلك المهارات والكفاءات التي تحتاج إليها، ومؤكد أنه شيء جميل أن يشبهك كل العاملين عندك، إلا أن هذا ليس أهم من الحصول على الموظف المناسب والمثالي الذي نطمح أن يحقق أهداف المؤسسة على الوجه الأكمل.
(4) الاعتماد على المقابلة فقط في تقييم المتقدم:
المقابلة هي عبارة عن سيل جارف من الكلام، وغالباً ما يخبرك المتقدم بالمعلومات التي تحب أن تسمعها؛ لأنه، وببساطة، يريد الحصول على الوظيفة التي جاء من أجلها.
والمنظمات الذكية هي التي تطوّر العديد من الطرائق إلى جانب المقابلة لتقييم المتقدم؛ إذ تقول بعض الدراسات: إن المقابلة النموذجية تزيد من احتمال الحصول على أفضل المتقدمين للعمل في الشركة بنسبة تقل عن 2%.
وتعد هذه الأخطاء من أخطر ما يمكن أن تقع فيه المؤسسة أثناء اختيارها للموظفين؛ ومع تجنبها تضمن المؤسسة وجود موظفين متعاونين، يسهل عليهم تحقيق رسالة المؤسسة ويوفرون عليها الوقت والمال ولاسيما في مرحلة الإعداد والتهيئة التي هي موضوعنا في العدد القادم، إن شاء الله.
لاتوجد تعليقات