رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الفرقان 28 يناير، 2026 0 تعليق

محاضرة: المقامات الثلاثة .. من دروس المخيم الربيعي لإحياء التراث بالجهراء

في إطار أنشطة المخيم الربيعي الثالث والثلاثين، نظّمت جمعية إحياء التراث الإسلامي - مركز محافظة الجهراء - محاضرةً علميةً تربويةً لفضيلة الشيخ: د. عبدالله الشريكة بعنوان: (المقامات الثلاثة)، وقد استهلّ الشيخ محاضرته بدعاءٍ كان العلماء يوصون به طلابهم، مقتبس من رسالة القواعد الأربع للشيخ محمد بن عبدالوهاب -رحمه الله-: «أسأل الله أن يجعلك ممن إذا أُعطي شكر، وإذا ابتُلي صبر، وإذا أذنب استغفر؛ فإن هذه الثلاث عنوان السعادة»، وبيّن أن هذه المقامات الثلاثة تمثل دورة حياة العبد؛ إذ لا يخلو حاله من نعمةٍ أو بلاءٍ أو ذنب.

المقام الأول: الشكر عند العطاء

        أوضح الشيخ أن النعم ليست محصورة في متاع الدنيا، بل أعظمها النِعم الدينية، وفي مقدمتها: التوفيق للتوحيد، والثبات على السنة، وسلامة المنهج، والإعانة على الصلاة وتلاوة القرآن؛ فهي إن سُلبت ضاع كل ما سواها، وتوقف الشيخ عند قوله -تعالى-: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، مبينًا أن العبد لا يستطيع القيام بأي عبادة - صلاةً كانت أو صيامًا أو برًّا - إلا بتوفيق الله وإعانته؛ فكل طاعة فضل من الله قبل أن تكون جهدًا من العبد، ونقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- أن أعظم الدعاء هو سؤال الله العون على مرضاته، مستشهدًا بوصية النبي -صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل: «اللهم أعني على ذِكرك وشكرك وحُسن عبادتك»، واستشهد الشيخ بقصة أبي طالب عمّ النبي -صلى الله عليه وسلم -، الذي ناصر الدعوة وعرف صدق الرسالة، وصبر على الأذى والحصار، ومع ذلك حُرم من كلمة التوحيد عند موته؛ بسبب قرناء السوء؛ ليؤكد أن الهداية محض فضل من الله، لا تُنال بالحسب ولا بالمواقف الظاهرة، ونبه الشيخ إلى خطورة ازدراء النِعم، داعيًا إلى النظر إلى من هو دوننا في العافية والرزق، وذكر نماذج لمن فقدوا القدرة على الحركة أو النوم أو قضاء حوائجهم إلا بالأدوية، ليبقى القلب حيًّا شاكرًا لما هو فيه من سِتر وعافية.

المقام الثاني: الصبر عند الابتلاء

        بيّن الشيخ أن الصبر على البلاء واجب، أما الرضا به فهو مقام عالٍ مستحب، لا يبلغه إلا من كمل يقينه بالله، وأكد أن شدة الابتلاء تتناسب مع قوة الإيمان؛ فالأنبياء هم أشد الناس بلاءً، ثم الأمثل فالأمثل، وتـحدّث عن أنواع مؤلمة من البلاءات التي قد يواجهها الإنسان؛ كأن يُبتلى بولد منحرف أو مُدمن، أو يُبتلى في عرضه، أو يُفجع بفقد الأحبة، مبينًا أن هذه الابتلاءات تحتاج إلى ثبات لا إلى جزع، وأشار إلى أن الصبر والتقوى هما أعظم سلاح في مواجهة كيْد الأعداء ومصاعب الحياة، مستشهدًا بقوله -تعالى-: (وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا)، وساق قصة الرجل الذي ظنّ إعلان أرض بستين ألفًا بدل ستمائة ألف، وكيف ساقه الله إلى رزقٍ عاجل وربحٍ مفاجئ، ليؤكد أن الفرج قد يأتي من أبواب لا تخطر على البال، وأن الله لا يُعجزه أن يكشف كُرب عَبْده مهما اشتدت.

المقام الثالث: الاستغفار عند الذنب

        أكد الشيخ أن كل بني آدم خطّاء، ولا يسلم أحد من التقصير أو تلوث القلب، لكن الفارق الحقيقي هو في المبادرة إلى التوبة وعدم الإصرار، وإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو المغفور له- يستغفر الله أكثر من مائة مرة في اليوم، فكيف بغيره ممن تكثر ذنوبه وتقصيره؟! واستدل بالآيات التي تصف المتقين بأنهم قد يقعون في فاحشة أو ظلم للنفس، لكن ميزتهم العظمى المسارعة إلى ذكر الله والاستغفار، وعدم الاستسلام للذنب، وبيّن الفرق بين قوانين البشر وقانون الله؛ فبينما لا تسقط الجرائم عند البشر بالتقادم، فإن الله إذا تاب العبد إليه توبة نصوحًا، لم يغفر ذنبه فحسب؛ بل يبدّل سيئاته حسنات، وختم هذا المقام بربط التوبة بالطهارة في قوله -تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}؛ مبينًا أن التوبة طهارة للروح كما أن الوضوء طهارة للجسد.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك