رد على شبهة أن السلفية محضن للجماعات المتطرفة
جماعات الغلو المعاصرة ليست ظاهرة جديدة، وإنما هي امتداد للفرق الوعيدية في القرون الإسلامية الأولى، وعلى رأسها الخوارج
لم تأتِ السلفية المعاصرة بجديد، سواء في منهجها الاعتقادي، أم في الآراء الفقهية الاجتهادية التي اختارها أئمة الدعوة؛ فكثير مما قالوه مستقىً من كتب التراث الإسلامي، معروف بين النظّار والفقهاء
لا شك أن لكل مذهب أصوله وقواعده التي يتبين بها منهجه، ويحاكم إليها أدعياء الانتساب إليه، وبقدر التمسك بها أو القرب منها يُحكم على الشخص بأنه موافق، وبقدر مخالفتها والبعد عنها يُحكم على الشخص بأنه مخالف. وهذا الأمر ينطبق على مذهب السلف في الاعتقاد؛ فأصول المنهج السلفي واضحة بينة، في منهج التلقي، وفي قضايا الألوهية والصفات والإيمان وغيرها، وهو منهج وسطي معتدل بين الإفراط والتفريط، والغلو والتساهل، يقدِّم رؤية واضحة للكون والحياة والإنسان وعلاقة المخلوق بالخالق سبحانه، وما يستحقه الله -تعالى- من الحقوق وما يجب على العبد من مقتضيات العبودية الخالصة لله -عز وجل-.
وقد لاحظت مؤخرًا في بعض ما يُكتب في وسائل الإعلام وصفحات التواصل الاجتماعي من نبذ للدعوة السلفية واتهامها بأنها المنبع العقدي والمحضن الفكري للجماعات الغالية المتطرفة التي ابتُلي المسلمون بها في هذا العصر، وهذا حكم سطحي مستعجل لم يهتم أصحابه بالسياقات الفكرية والجذور التاريخية سواء للمدارس السلفية أم للجماعات الغالية.
ويمكن تلخيص رؤيتي في هذا الأمر فيما يأتي:
ما من حق إلا محاط بباطلين
(1) ما من حقٍّ إلا وهو محاط بباطلين هما الغلو والتفريط، والمسلَّمات العقدية التي عليها المسلمون تندرج تحت هذا، والغلاة الأوائل من الخوارج الحرورية خرجوا من داخل مجتمع كان يقوده الصحابة وكبار التابعين، فلم يكن سبب الانحراف في أصل عقيدة المسلمين التي تلقوها من كتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ولكن في غلو هذه الطائفة وما زادته أو نقصته، وعليه فإن نسبة خوارج العصر إلى السلفية المعاصرة، كنسبة الخوارج الأوائل إلى ما عليه الصحابة والتابعون، وهي نسبة ظالمة.
ليست ظاهرة جديدة
(2) جماعات الغلو المعاصرة ليست ظاهرة جديدة، وإنما هي امتداد للفرق الوعيدية في القرون الإسلامية الأولى، وعلى رأسها الخوارج، فأصل فكر الخوارج ناتج عن شطط عاطفي مندفع، نظر إلى الشريعة السمحة نظرة ضيقة محدودة، وتعامل مع أحكام الشرع بتنطُّع، ومع المخالفين بتطرف وعنف، فكفّروا مخالفيهم، واتسعت دائرة التكفير عندهم لتشمل جميع العصاة بأعيانهم، وترتب على التكفير استحلال الدماء، واعتبار مخالفيهم شرًّا من اليهود والنصارى وأهل الأوثان، فكانوا يقتلون أهل الإسلام ويتركون أهل الأوثان. ولم يخلُ عصر من العصور من نابتة الشر هذه، ومن يتأمل في استدلالهم فسيجد أنهم يستدلون بنصوص من القرآن والسنّة، لكنهم يأخذون ما يوافق هواهم ويتركون ما سواه، والأمر نفسه ينطبق على جماعات الغلو المعاصرة، فهل استدلالهم بنصوص الوحي على غلوهم، ونقلهم لما يروق لهم من كلام أئمة الإسلام في كتبهم يجعلهم من المدارس السلفية؟ وأين العدل في الحكم عند من يخلط بين أهل الغلو ودعاة الاعتدال؟
لم تأت السلفية بجديد
(3) لم تأتِ السلفية المعاصرة بجديد، سواء في منهجها الاعتقادي، أم في الآراء الفقهية الاجتهادية التي اختارها أئمة الدعوة؛ فكثير مما قالوه مستقىً من كتب التراث الإسلامي، معروف بين النظّار والفقهاء؛ فمثلاً أحكام الجهاد والردّة التي يدرِّسها السلفيون في مدارسهم على اختلافها منصوص عليها في كتب الفقه الإسلامي، وبها يقول علماء المذاهب المعروفة، وآراء السلفيين متعددة في تفاصيل هذه المسائل، لكن في إطار التعدد الفقهي الموروث من أئمة المذاهب الفقهية، ولو تأملنا في مناهج التدريس التي يدرِّسها علماء الدعوة السلفية المعتبرون فسنجد أنها لا تختلف عما يدرَّس في حلقات العلم الشرعي عند غيرهم.
التربية على الجهاد ليست عيبًا
(4) تربية المسلمين على الجهاد في سبيل الله ليست عيبًا، بل هي منقبة ومطلب شرعي قرآني.. قال تعالى: {يا أيُّها النَّبيُّ حَرِّضِ المؤْمنينَ عَلَى القِتالِ}، لكنها تربية تمزج بين العلم والعمل، والعقل والعاطفة، وتتبنى المفهوم الواسع للجهاد قولاً وعملاً، وترى أن الجهاد ميادينه كثيرة، وأن الجهاد المسلّح لا يتوجب على الأعيان إلا عندما يكون وسيلة إلى دفع العدوان، وأن الأصل هو السِّلْم، وأن التغيير متى أمكن بالرفق واللين فهو مطلوب الشرع المتعيِّن على من تصدى للتغيير، والانحراف الحاصل من جماعات الغلو هو في تكفير من ليس كافرًا، واستحلال دماء من حرّم الله دماءهم، وتطبيق أحكام الجهاد في غير محلها، والاستعجال بتطبيق بعض أحكام الشرع في غير مناطاتها. وجماعات الغلو هذه لا تستقي أفكارها من كتاب بعينه، بل تجدهم يأخذون من كلام العلماء والأئمة ما يوافق أهواءهم. ومن يراجع مصنفاتهم فسيجدهم ينقلون من كلام ابن حزم والجويني والنووي وابن حجر وابن تيمية وابن القيم، ومن كلام أئمة المدرسة السلفية النجدية، ومن كلام بعض رموز الإخوان المسلمين كسيد قطب وعبدالله عزام -رحم الله الجميع-.
انتشار الطرح الجهادي بين السلفيين
(5) انتشار الطرح الجهادي بين السلفيين وعموم الإسلاميين في العقود الثلاثة الماضية كان له ما يسوغه، ولا ننسى أن القتال في أفغانستان ثم في البوسنة والهرسك، ثم في الشيشان كان محل اتفاق بين أكثر الطوائف، وكان رأي كثير من العلماء المعروفين حينها وجوب الجهاد وتحريض المسلمين على دعمهم بالمال والسلاح، ولم تكن المشكلات حينها في وجود الجهاد هناك، ولكن في ظهور جماعات غلو بين المجاهدين تحمل أفكارًا متطرفة، وتجنِّد عناصر دخيلة على تلك المجتمعات من شتى أصقاع الأرض.
كثرة اللمز في كتب شيخ الإسلام
(6) كَثُر مؤخرًا اللمز والطعن في كتب شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وكتب أئمة الدعوة السلفية في نجد، وعدها أصلاً فكريًا للجماعات الغالية المعاصرة، وأنا أجزم بأنّ الناقدين من إخواننا -عفا الله عنهم- لم يقرؤوا هذه الكتب قراءة فاحصة منصفة، وربما لم يقرؤوها أصلاً.. ولو قرؤوها بتجرد فلن يجدوا فرقاً كبيراً بين آراء مؤلفيها وآراء رموز المدارس التجديدية الإسلامية الأخرى، ولوجدوا في هذه الكتب ردودًا نفيسة على الفرق الغالية.
لاتوجد تعليقات