خواطر الكلمة الطيبة .. التوسّط والاعتدال
- كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُجسِّد هذا المعنى عمليًا في سنّته ويغرسه في نفوس أصحابه
- لا يقف مبدأ التوسّط والاعتدال عند حدود العبادة بل يمتد ليشمل الأخلاق والمشاعر والعلاقات الإنسانية
التوسّط في كل شيء هو عينُ الاعتدال، وهو العدل الذي قامت عليه السماوات والأرض، وهو المنهج الذي ارتضاه الله لعباده في شؤون دينهم ودنياهم؛ ولذا جاءت الشريعة الإسلامية قائمةً على هذا الأصل العظيم، لا غلوَّ فيها ولا تفريط، ولا تشديدَ يُفضي إلى العنت، ولا تسيُّبَ يُفضي إلى الضياع، وقد قرر القرآن الكريم هذا المبدأ تقريرًا واضحًا، فقال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} (البقرة: 143)، فكانت وسطية الأمة سِمَةً جامعة، تشمل الاعتقاد، والعبادة، والسلوك، والمعاملة.
وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُجسِّد هذا المعنى عمليًا في سنته، ويغرسه في نفوس أصحابه، حتى في أبواب العبادة والطاعة؛ فعندما رأى حبلًا ممدودًا في المسجد، فقيل له: إنه لزينب -رضي الله عنها-، إذا فترت أو كسلت تعلقت به، قال -صلى الله عليه وسلم -: «حُلُّوهُ، لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا كَسِلَ أَوْ فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ»، فدلّ ذلك على أن العبادة ليست تعذيبًا للجسد، ولا تحميلًا للنفس ما لا تطيق، وإنما هي قربٌ من الله يُؤدَّى بحضور قلب وخشوع.العِبرة ليست بكثرة العمل
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ»؛ فالعبرة ليست بكثرة العمل ولا بالمغالاة فيه، وإنما بالإخلاص والاستمرار والاعتدال؛ فالصلاة القليلة مع النشاط والخشوع، أزكى وأقرب إلى القبول من صلاةٍ طويلةٍ مع التكلف وغلبة النعاس، ومن رحمته -صلى الله عليه وسلم - أنه راعى أحوال الناس وقدراتهم، فجاءه عمران بن حصين - رضي الله عنه - يشكو المرض، فقال له: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ»؛ فالمقصود إقامة أمر الله على الوجه الذي يقدر عليه العبد، دون مشقةٍ خارجة عن الطاقة، ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة مع غلبة النعاس، فقال: «إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَرْقُدْ، فَإِنَّهُ لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبُّ نَفْسَهُ»؛ وذلك لأن العبادة بغير وعي قد تفضي إلى الخطأ، وتُفقد مقصودها الأعظم.الأخلاق والمشاعر
ولا يقف مبدأ التوسّط والاعتدال عند حدود العبادة، بل يمتد ليشمل الأخلاق والمشاعر والعلاقات الإنسانية؛ فقال - صلى الله عليه وسلم -: «أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا، عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا، وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا، عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا»، حتى في المشاعر، يدعونا الإسلام إلى الاتزان؛ فلا إفراط في الحب يُورث التعلّق المُهلِك، ولا مبالغة في الكُره تُغلق أبواب العدل والإنصاف؛ فالمغالاة في التعلّق بالأشخاص -ولو كانوا أقرب الناس- قد تجعل الفقد سببًا لانهيار النفس وتوقف الحياة، مع إن الإنسان خُلق لغاية أعظم، قال -تعالى-: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات: 56)، وكذلك في الإنفاق والمعاش، جاءت الشريعة وسطًا بين الإسراف والتقتير، قال -تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} (الفرقان: 67)، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كُلُوا وَاشْرَبُوا وَتَصَدَّقُوا فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ»، وقال الله -سبحانه-: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} (الإسراء: 29)، فالله -تعالى- يحب الاعتدال حتى في الصدقة، فلا يُطلب من المسلم أن يُضيّع نفسه أو أهله، بل جعل النفقة على الأهل من أعظم أبواب الأجر.دينُ الوسطيةٍ والعدل
وخلاصة الأمر: أن الإسلام في باب المعاملات، والسلوك، والأخلاق، والعبادات، دينُ وسطيةٍ وعدل، يُعلِّمنا أن نسلك طريق الاتزان، فلا إفراط يُهلك، ولا تفريط يُضيع، وإنما نلتزم بما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، قال -تعالى-: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ} (الحشر: 7)؛ فالاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في وسطِيَّته واعتداله هو السبيل إلى حياةٍ مطمئنة، وعبادةٍ صحيحة، وسلوكٍ قويم.
الآثار الحسنة للوسطية
بما أنَّ الوسطية منهج ربَّاني، فلا ريب في تكامله واتِّزانه وشموله لجميع النواحي: العقائدية، والعبادية، والأخلاقية في حياة الفرد المسلم، وسيكون له آثاره الحميدة والحسنة، التي تعود على المسلم بنفع عظيم في الدنيا والآخرة، ومن أهم هذه الآثار ما يلي:- السلامة من الانحراف والتطرف في الاعتقاد والعمل، والبراءة من الغلو والتفريط؛ إذ تدعو الوسطية إلى التزام العقيدة الصحيحة، البعيدة عن الإفراط والتقصير، وعن مسالك أهل البدع والانحراف.
- ذوق حلاوة الإيمان؛ فالوسطية تورث الرضا بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - رسولًا، وتثمر محبة الله ورسوله، واستلذاذ الطاعات، وتحمل المشاق في سبيل الله، كما دلت عليه النصوص الصحيحة.
- الوقاية من اليأس والقنوط، ومن الأمن من مكر الله؛ إذ يوازن المنهج الوسطي بين الخوف والرجاء، بعيدًا عن الإفراط المفضي إلى القنوط، أو التفريط المؤدي إلى الغرور.
- الالتزام بالكتاب والسُنَّة في الاعتقاد والعبادة والسلوك، والحذر من البدع والمحدثات؛ فالسنة وسط بين بدعتين، والدين المستقيم طريق معتدل لا يقبل الزيادة ولا النقصان.
- الفهم الصحيح للتشدد والتيسير، وضبط قواعدهما؛ فلا يُجعل التمسك بالشرع تشددًا، ولا يُتخذ التيسير ذريعة للتفريط، بل يكون الاعتدال هو الميزان.
- الاستمرار والمداومة على الطاعات دون ملل أو انقطاع؛ لأن الوسطية ترفع الحرج، وتدعو إلى العمل بما يطيقه الإنسان، وهو أحب الأعمال إلى الله -تعالى-.
- تحقيق الاستقرار النفسي والتوازن الوجداني في التعامل مع قضاء الله وقدره، بالصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء، مما يقي من الاضطرابات النفسية والانفعالات المنحرفة.
- قِلّة الخطأ وكثرة الصواب، ومجاهدة النفس، ومحاسبتها، والبعد عن آفاتها كالكبر والغرور والرياء، الذي ينشأ غالبًا عن الإفراط أو التفريط.
- نبذ التعصب واحترام الخلاف المعتبر، واعتماد الحوار العلمي الرشيد، القائم على العلم والحلم، في إطار المنهج الوسطي المتوازن.
لاتوجد تعليقات