الفتور وضعف الإيمان الأسباب وطرائق العلاج
كثير من الأحيان تجد بعض الناس يشعر بقسوة في قلبه، وتحجر في عواطفه، وعدم تأثر بالقرآن والمواعظ؟ ويشعر بضيق في صدره، أو بهمّ يثقل عليه كاهله فيجد نفسه في ضيق لا يعرف له سببًا ولا يجد مخرجا؟ كما أنه يجد وحشة فيما بينه وبين الله فيستثقل العبادات ويتهاون في الطاعات ولا يجد لذة لأنواع القربات؟ هذا كله هو ما يسمى بالفتور أو ضعف الإيمان، وهو مرض واسع الانتشار يعاني منه كل مؤمن موحد ولو بين الحين والحين.
الإيمان يزيد وينقص
ومعلوم أن من أصول أهل السنة أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والكتاب والسنة مليئان بالأدلة على هذا الأمر وكذا كتب السلف الصالحين، وقد أخبرنا رسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - أن الإيمان يبلى في قلب المؤمن ويحتاج إلى تجديد كما في المستدرك والطبراني: «إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم».
فالإيمان في قلوبنا يزيد وينقص، ثم يزيد وينقص حسب ما يتعرض له المرء من أسباب ضعف الإيمان وقوته أو نقصه وزيادته، وهو ما دل عليه حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحلية قال: «ما من القلوب قلب إلا وله سحابة كسحابة القمر، بينما القمر مضيء إذ علته سحابة فأظلم إذ تجلت عنه فأضاء»، فكما أن القمر أحيانًا بينما هو منير في السماء تأتي عليه سحابة تحجب ضوءه ونوره ثم ما تلبث هذه السحابة أن تنقشع فيرجع له ضوؤه فينير السماء، كذلك قلب المؤمن بينما هو سائر في طريق استقامته إذا اعتورته بعض السقطات والهنات ولحظات الضعف بل والمعاصي فحجبت عنه نوره فيبقى الإنسان في ظلمة ووحشة، فإذا سعى لزيادة إيمانه واستعان بالله انقشعت تلك الغمة وعاد للقلب نوره واستقامته.
أسباب الفتور
يقول بعض السلف: «من فقه العبد أن يتعاهد إيمانه وما ينقص منه، ومن فقه العبد أن يعلم أيزداد إيمانه أم ينقص، ومن فقه العبد أن يعلم نزغات الشيطان من أين تأتيه». فمن فقه الإنسان أن يراقب قلبه ودينه وينظر من أين يأتيه الفتور، وما أسباب ضعف إيمانه..؟ وقد ذكر العلماء منها ما يلي:
(1) الابتعاد عن طلب العلم
أول هذه الأسباب عدم الحرص على طلب العلم، وحينما نقول: طلب العلم بمعنى أن الإنسان لا ينفك عن التعلم؛ لأن العلم تربية، والعلم أخلاق، والعلم كذلك رفعة، كما أخبر الرب - عز وجل-: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (المجادلة:11)، ، ولذلك نقول: ترك العلم، وطلب العلم، وعدم العناية بالعلم الذي يشمل القرآن ويشمل السنة، ويشمل العلم الأكبر كما هو معلوم وهو التوحيد، نقول -لا شك-: هذا من أعظم أسباب السقوط في هذا المرض؛ لأن العلم وقاية لك، والعلم حاجز بينك وبين هذا المرض.
(2) الإكثار من المباحات
السبب الثاني: هو الإكثار من المباحات، سواء كانت في المأكل أم في الملبس، أم في المشرب، أم في المركب، هذه كلها مباحات، ولذلك يتعلق قلب بعض الشباب في هذه المباحات، ويتوسع فيها، وتصبح حبه الذي يصحو وينام عليه، ويفكر فيه صباحًا ومساءً، ليس له حديث إلا هذا المباح، ما الذي اشتريناه اليوم؟ ما الذي أكلناه اليوم؟ ما الذي شربناه اليوم؟ ما الذي لبسناه اليوم، هذا حديثهم في كل مكان حيثما تجد الجلوس، وتجد المجالس، وتجد الحديث والمباح هو البند الأساس في هذه الجلسات، وهذا أمر –لا شك- له أثر كبير على القلب.
(3) الابتعاد عن أجواء الإيمان
وهو أول ما يدخل الفتور به على أهل الإيمان فيتحول عن المسجد، ويستبدل الرفقة الطيبة أو يغيب عنهم، والبيئة لها أثر عظيم. قال الحسن: إخواننا أغلى عندنا من أهلينا، فأهلونا يذكروننا الدنيا وإخواننا يذكروننا الآخرة. وفيما سبق قال العالم لقاتل المائة نفس: «ودع أرضك هذه فإنها أرض سوء واذهب إلى أرض كذا فإن فيها قوما يعبدون الله -تعالى- فاعبد الله معهم.
(4) الانشغال بالدنيا
الحرص على الدنيا، والسعي وراءها وطلب الجاه فيها من أهم أسباب ضعف الإيمان، ففي الحديث: «ما ذئبان جائعان أرسلافي غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه». (رواه الترمذي). فطغيان الدنيا على الآخرة مفسد للدين كما روي عن معاذ رضي الله عنه: «يا ابن آدم! أنت محتاج إلى نصيبك من الدنيا، وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج. فإن بدأت بنصيبك من الآخرة مر بنصيبك من الدنيا فانتظمه انتظاما. وإن بدأت بنصيبك من الدنيا فاتك نصيبك من الآخرة وأنت من الدنيا على خطر».
(5) طول الأمل
طول الأمل مفسد للقلب؛ فإن من طال أمله نسي الآخرة، وسوَّف في التوبة، ورغب في الدنيا، وكسل عن الطاعة، وأسرع للمعصية؛ فيقسو قلبه لأن رقة القلب بتذكر الموت والقبر والجنة والنار، وطويل الأمل لا يذكر هذه الأشياء، قال علي: «إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل، فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة»، وفي الأثر: «أربعة من الشقاء: جمود العين، وقسوة القلب، وطول الأمل، والحرص على الدنيا».
(6) عدم وجود القدوة
فالقدوة الصالحة لها أثر حي وفعال في قلوب المشاهدين، ولذلك كانوا ينصحون بملازمة أهل الصلاح والورع، وعندما مات أعظم قدوة في الدنيا قال الصحابة: ما هي إلا أن واريناه التراب حتى أنكرنا قلوبنا، وكانوا كالغنم في الليلة الشاتية المطيرة، مع كونهم كلهم قدوات يقتدى بهم، وكلام ابن القيم عن ابن تيمية مشهور معروف.
علاج ضعف الإيمان
بعدما تعرفنا على مظاهر الفتور وضعف الإيمان وأسباب ذلك، لابد أن نتعرض للعلاج حتى يستطيع من ابتلي بشيء من ذلك العودة إلى ما كان عليه من قوة الإيمان والعبادة ومن ذلك:
دوام المراقبة والمحاسبة
فمراقبة القلب الدائمة ومراقبة الحالة الإيمانية تجعل العبد على علم بمكانه من الله وهل هو في ازدياد أو نقصان، ودوام محاسبة النفس يعيد الأمور إلى نصابها ويجعله يستدرك الأمور قبل استفحال خطرها، ومعالجة الأمر في البدايات أيسر كثيرا من المعالجة في النهايات والوقاية دائما خير من العلاج «يأيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون».
تدبر القرآن
فإن ضعف الإيمان مرض قلبي، والله أنزل القرآن شفاء لأدواء القلب والبدن: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} (الإسراء:82). وإنما يأتي العلاج مع التدبر والفهم: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} (ص:29). وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ربما قام ليلة يتلو آية واحدة يكررها: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (المائدة:118). وكذلك ورد عن تميم الداري، وكان كثير من السلف يكرر الآيات يتعمق في فهم معناها كسعيد بن جبير: {وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} (البقرة:48)، ومرض عمر - رضي الله عنه - من آية قرأها: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ} (الطور:7)، وسمع بكاؤه وهو يقرأ: {قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (يوسف:86)، وقال عثمان: «والله لو طهرت قلوبنا ما شبعت من كلام ربنا».
ذكر الله
فهو جلاء القلوب من صدئها وشفاؤها من أمراضها، ودواؤها عند اعتلالها، وهو روح الأعمال الصالحة، والفلاح يترتب عليه: {وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ} (الأنفال:45). وهو وصية الله لعباده المؤمنين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا} (الأحزاب:41). ووصية النبي - صلى الله عليه وسلم - للمسلمين: «إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فمرني بأمر أعتصم به. قال: لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله».
الدعاء والانكسار بين يدي الله
{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} (غافر:60). وأقرب باب يدخل منه العبد على الله باب الافتقار والمسكنة، ولذلك كان أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد؛ لأن حال السجود فيها من الذلة لله والخضوع له ما ليس في غيرها من الهيئات. قال النبي صلوات الله وسلامه عليه: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء» (رواه مسلم).
لاتوجد تعليقات