البشـــائر النبـــوية للأعمــال الخيرية (7) البشرى العاجلة في الدنيا
عن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: قيل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير، ويَحمَده الناس عليه؟ قال: «تلك عاجل بُشرى المؤمن». متفق عليه، عاجل بشرى المؤمن أن يعمل المؤمن العمل الصالح مخلصًا لله فيه، لا يرجو به غير وجه الله، فيطَّلع الناس عليه، فيُثنوا عليه به، فيَستبشر به خيرًا، فتلك عاجل بشرى المؤمن، من وقوع محبَّته في قلوب الناس، ورضاهم عنه، ومن ذلك أن يجد في نفسه راحة للعمل الصالح وانشراح صدرٍ، ويكون ذلك وأمثاله من دلائل محبة الله له وقَبول عمله، فيُعجل الله له البشرى في الدنيا بهذا الثناء والرضا والقبول من الناس، ويدَّخر له في الآخرة جزيل الثواب، فمن بشرى المؤمن أن يجد من نفسه راحة في الأعمال الصالحة، ورضًا بها، وطُمأنينة إليها؛ ولهذا كانت الصلاة قُرة عين رسول الله - صلى الله عليه وسلم .
ومن البشرى للمؤمن: أن يُثني الناس عليه خيرًا؛ فإن ثناء الناس عليه بالخير شهادة منهم له على أنه من أهل الخير ؛ لأن الناس إذا أثنوا على الإنسان خيرًا فهم شهداء الله في أرضه؛ قال السيوطي -رحمه الله-: «أي: هذه البشرى المعجلة دليلٌ للبشرى المؤخرة إلى الآخرة».
البِشارة في الدنيا
قال الشيخ السعدي -رحمه الله-: «أما البِشارة في الدنيا، فهي الثناء الحسن، والمودة في قلوب المؤمنين، والرؤيا الصالحة، وما يراه العبد من لُطف الله به وتيسيره لأحسن الأعمال والأخلاق، وصرْفه عن مساوئ الأخلاق»، وسُئل الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-: ما معنى الحديث الذي يقول: «تلك عاجل بشرى المؤمن»؟ فأجاب: «المؤمن يبشَّر في الدنيا بعمله الصالح من وجوه، منها: إذا شرح الله صدره إلى العمل الصالح، وصار يطمئن إليه، ويفرح به، كان هذا دليلاً على أن الله - تعالى - كتَبه من السعداء».
ولهذا لما مرت جنازة من عند النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه أثنوا عليها خيرا، قال: وجبت ثم مرت أخرى فأثنوا عليها شرا، قال: وجبت، فقالوا يا رسول الله، ما وجبت؟ فقال: أما الأول فوجبت له الجنة، وأما الثاني فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض.
الإخلاص في العمل
والأصل أن يعمل المؤمن العمل الصالح ولا يريد به إلا وجه الله -تعالى-، فلا يريد من ورائه أي غرض من أغراض الدنيا، مثل: الجاه، والسمعة، وثناء الناس على ما يقوم به من عمل، فإن أراد شيئاً من وراء عمله غير ابتغاء مرضات الله، لا يقبل الله -عز وجل- منه هذا العمل؛ لأنه ينافي الإخلاص لله -تعالى- وهو أحد شرطي قبول العمل عند الله، قال أبو العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي -رحمه الله-: «يعني الرجل الذي يعمل العمل الصالح خالصاً، ولا يريد إظهاره للناس؛ لأنه لو عمله ليحمده الناس أو يبروه، لكان مرائياً، ويكون ذلك العمل باطلاً فاسداً.
تلك عاجل بشرى المؤمن
فهذا معنى قوله: «تلك عاجل بشرى المؤمن»، والفرق بين هذه وبين الرياء، أن الرياء يكون العمل لأجل الناس ليراه الناس؛ فيكون في نيته أن يشرك مع الله غيره، وأما هذا فنيته خالصة لله -عز وجل-، ولم يطرأ على باله أن يمدحه الناس أو يذموه، لكن الناس يعلمون، وكما قال الشاعر:
ومهما تكن عند امرئ من خليقة
وإن خالها تخفى على الناس تعلم
من فضل الله وكرمه
وهذا من فضل الله وكرمه ولطفه بعباده، يعامل المخلصين في الأعمال الصادقين في الأقوال، والأحوال بأنواع من اللطف، فيقذف في القلوب محبتهم، ويطلق الألسنة بالثناء عليهم، لينوه بذكرهم في الملأ الأعلى؛ وليُستغفر لهم، وينشر طيب ذكرهم في الدنيا ليُقتدى بهم، فيعظم أجرهم، وترتفع منازلهم، وليجعل ذلك علامة على استقامة أحوالهم، وبشرى بحسن مآلهم، وكثير ثوابهم، ولذلك قال: تلك عاجل بشرى المؤمن.
من فوائد الحديث
- أن الإخلاص لله -تعالى- وقصد التَّقرب إليه لا يُعَكِّره ثناء الناس عليه، بل إن إطلاق الله -تعالى- لألسنة الناس بالثناء عليه، دليل على القبول، وشهادة صادقة وبشرى عاجلة بالفوز والفلاح.
- من البشرى أن يعمل المسلم العمل لله -عز وجل- فيورثه ذلك ثناء الخلق، فيفرح بهذا الثناء.
- إذا حصل المدح والثناء من غير تعرضٍ ومن غير محبة، ومن غير تأثير عليه، فلا شك أن هذه عاجل بشرى المؤمن.
- لا يدخل في الرياء عمل العبد إذا أخلص عمله لله -تعالى- وحمده الناس.
لاتوجد تعليقات