رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: وائل رمضان 6 نوفمبر، 2023 0 تعليق

استمرار الانتهاكات ضد المساجد في فلسطين  1948 : 2023 

 

أقرت الأمم المتحدة أن حماية دور العبادة واجب، تكفله كل الأديان والقيم الإنسانية والمواثيق والأعراف الدولية، وكل محاولة للتعرض لدور العبادة، واستهدافها بالاعتداء أو التفجير أو التهديم، هي خروج صريح عن تعاليم الأديان، وانتهاك واضح للقوانين الدولية؛ لذلك فإن ما يحدث على أرض فلسطين منذ احتلالها عام 1948، من تزوير وتهويد لمساجدها، والاعتداء عليها بالهدم والإزالة، وبالحرق، والاستيلاء عليها، وتحويلها إلى متاحف أو معابد يهودية، أو ملاه ليلية من خلال سياسات محكمة ومدروسة، يعد من أشد أنواع الإفساد في الأرض؛ فالمساجد بيوت الله ومهابط رحمته وملتقى ملائكته والصالحين من عباده، وهي مكان للتعبد والأمان، والاعتداء على حرمتها سلوك غير قويم، يخالف كل القيم الدينية والقوانين الدولية والإنسانية سواء في حالتي السلم أم الحرب.

     

1 تاريخ المساجد في فلسطين

 
  • الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى هو أحد أكبر مساجد العالم وأحد المساجد الثلاثة التي يشد المسلمون الرحال إليها، وهو أيضًا أول قبلة للمسلمين
  • ترجع الأكثرية الساحقة من المساجد الأثرية الباقية إلى العصر الأيوبي والمملوكي وقد كان للسلطان صلاح الدين الأيوبي والملك شرف الدين عيسى بن أحمد ابن أيوب فضل كبير في تجديد المساجد وبنائها وإعادتها للإسلام
  • للمسجد الإبراهيمي في الخليل تاريخ طويل بدأ عندما اشترى إبراهيم عليه السلام مغارة (المكفيلا) من عفرون الحثي لدفن زوجته (سارة) فيها ولما توفي عليه السلام دفن هناك كما دفن بعده إسحق ويعقوب، وزوجتاهما
  • قطاع غزة يعد من أغنى مدن فلسطين بالمســـاجد حيث يوجـــد فيها 1223 مسجدًا من أهمها جامع غزة الكبير وهو أكبر جوامع غزة يقع وسط البلدة القديمة
 

بدأ بناء المساجد في فلسطين عقب الفتح الإسلامي مباشرة، في عهد عمر بن الخطاب، فكلما فتحت مدنية أقيم فيها مسجد؛ لذلك فإن أول المساجد بني في المواقع التي فتحت أولاً، مثل: قيسارية، وسبسطية، ونابلس، واللد، ويافا، وأجنادين، وبيسان، وقد دعيت كثير من المساجد التي بنيت بعد الفتح بالمساجد العمرية.

         وكانت المساجد الأولى بسيطة، على غرار المسجد الذي بناه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المدينة المنورة، وكان يتألف من مساحة يحيط بها سور من اللبن على أساس من الحجر، وفي جهة القبلة وضعت جذوع النخل على شكل أعمدة وضع عليها سقف من سعف النخيل أو الطين، وقد تطور بناء المساجد مع مرور الزمن، ففي عهد الأمويين بدأت تبنى في فلسطين المساجد ذات الجلال والجمال، وفي مقدمتها (بالطبع) قبة الصخرة، وفي الرملة بني سليمان بن عبدالملك، الجامع الأبيض الشهير.

العصر العباسي

         وواصل العباسيون بناء المساجد، فقد عثر المنقبون بين خرائب عسقلان سنة 1883م على نقش يفيد بأن المهدي العباسي بني مسجدًا في تلك المدينة سنة 155هـ، 771م، وبعد العباسيين بنى الإخشيديون والطولونيون والفاطميون مساجد عدة، لكنها زالت كلها تقريبًا، بسبب التقادم والزلازل وقلة العناية.

المساجد الأثرية الباقية

          وترجع الأكثرية الساحقة من المساجد الأثرية الباقية إلى العصر الأيوبي والمملوكي، وقد كان للسلطان صلاح الدين الأيوبي والملك شرف الدين عيسى بن أحمد بن أيوب فضل كبير في تجديد المساجد وبنائها وإعادتها للإسلام بعد أن حول الصليبيون بعضها إلى ثكنات ومخازن، وفي عصر المماليك كان تجاوز بناء المساجد من الملوك والحكام إلى أبناء الشعب، من الظواهر البارزة التي أدت إلى زيادة عدد المساجد زيادة كبيرة.

المساجد في العهد العثماني

استمر بناء المساجد في العهد العثماني، فبنيت المساجد في عكا ونابلس وغزة وسواها، فقد كان في غزة وحدها في القرن الحادي عشر الهجري سبعون مسجدًا.

عهد الانتداب البريطاني

وفي عهد الانتداب البريطاني أنشئت بعض المساجد الجديدة، وبذل المجلس الإسلامي الأعلى جهودًا لإعمار المساجد القديمة وترميمها.

أهم المساجد في فلسطين

يوجد في فلسطين عدد كبير من المساجد في المدن المختلفة وهذه أعداد المساجد في المدن الفلسطينية حسب ما ورد في إحصائية الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني لعام 2019.

مساجد مدينة القدس

يوجد في مدينة القدس 122 مسجدًا ومن أهم المساجد هناك ما يلي: (1)  مسجد عمر يني هذا المسجد عام 15هـ - 636م (وهو عام الفتح)، وهناك اختلاف بين العلماء على المكان الذي بني فيه المسجد في ساحة الحرم، فتذكر بعض الروايات: أنه بني في منطقة الصخرة، لكن معظم الدلائل تشير إلى أنه بني في موقع المسجد الأقصى الحالي، وقد زار المطران (أركولفوس) القدس في أثناء خلافة معاوية (670م)، ووصف المسجد فقال: إن المسجد كان مبنياً من ألواح الخشب وجذوع الأشجار، وكان بناؤه بسيطًا ومربع الشكل ويتسع لثلاثة آلاف من المصلين. (2)  الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى هو أحد أكبر مساجد العالم وأحد المساجد الثلاثة التي يشد المسلمون الرحال إليها، وهو أيضًا أول قبلة للمسلمين، يقع داخل البلدة القديمة بالقدس في فلسطين، وهو كامل المنطقة المحاطة بالسور واسم لكل ما هو داخل سور المسجد الأقصى الواقع في أقصى الزاوية الجنوبية الشرقية من البلدة القديمة المسورة. تبلغ مساحته قرابة 144000 متر مربع، ويشمل قبة الصخرة والمسجد القِبْلي والمصلى المرواني ومصلى باب الرحمة، ومعالم أخرى يصل عددها إلى 200 معلم، ويقع المسجد الأقصى فوق هضبة صغيرة تُسمى «هضبة موريا»، وتعد الصخرة أعلى نقطة فيه، وتقع في قلبه. (3)  مسجد الملك الأفضل ويدعى (المسجد العمري)، يقع مقابل كنيسة القيامة، وقد عمره الملك الأفضل بن صلاح الدين، سنة 589هـ، وله منارة بنيت قبل سنة 870هـ، وجدده السلطان عبدالمجيد العثماني بين عامي 1255، 1277هـ، والأرجح أنه من المساجد العمرية القديمة. (4)  مسجد الصخرة (قبة الصخرة) بدء العمل في قبة الصخرة المشرفة على يد الخليفة الأموي الخامس عبدالملك بن مروان، سنة 68هـ، وانتهى البناء فيها سنة 72هـ. والبناء عبارة عن قبة مستديرة خشبية مرتكزة على رقبة مستديرة الشكل، محاطة بست عشرة نافذة، وتستند الرقبة إلى رواق مستدير، محمولة على أربعة أركان من الرخام الأبيض المشجر، واثني عشر عموداً موزعة، بحيث يعقب كل ركن ثلاثة عمد، وباقي البناء يتكون من مطافين ينفصل أحدهما عن الآخر برواق وسطي، مثمن الشكل، محمول على ثمانية أركان مؤزرة بالرخام المشجر والملون البديع، و16 عموداً موزعة؛ بحيث يعقب كل ركن عمودان، ورقبة القبة مبنية فوق الرواق الداخلي المستدير، قطرها 20.5م، وعلوها عن الأرض حتى ابتداء نهوض القبة نفس المسافة (20.5م)، وتحمل الرقبة قبة خشبية، وصفها المقدسي سنة 374هـ بأنها كانت مغطاة بصفائح الذهب.

مساجد مدينة الخليل

يوجد بمدينة الخليل 727 مسجدا، ومن أهم هذه المساجد ما يلي: (1)  المسجد الإبراهيمي للمسجد الإبراهيمي في الخليل تاريخ طويل، يبدأ عندما اشترى إبراهيم -عليه السلام- مغارة (المكفيلا) من عفرون الحثي لدفن زوجته (سارة) فيها، ولما توفي -عليه السلام-، دفن هناك، كما دفن بعده إسحق، ويعقوب، وزوجتاهما. ويقال إن النبي يوسف -عليه السلام- دفن هناك أيضاً، وقد أقطع الرسول - صلى الله عليه وسلم - الصحابي تميم الداري أرض الخليل ومسجد إبراهيم، فاهتم المسلمون بالمسجد، ورمموا ما خربه الفرس، وشيد الأمويون سقف الحرم الحالي والقباب التي فوق مراقد إبراهيم ويعقوب وزوجتيهما. (2) مسجد الجاولي يقع شرقي الحرم الإبراهيمي، ويتصل به برواق، بناه أبو سعيد سنجر الجاولي، بأمر من السلطان المملوكي الناصر محمد بن قلاوون سنة 721هـ، وقد جدد هذا المسجد سنة 800هـ. (3) جامع النبي يونس يقع في حلحول (قضاء الخليل)، بناه الملك المعظم عيسى الأيوبي سنة 623هـ، وبني له منارة.

مساجد مدينة نابلس

يوجد في مدينة نابلس 290 مسجدا من أهمها (1)  مسجد الجامع الكبير يعرف أيضاً بالجامع الصلاحي، وهو أكبر مساجد نابلس وأشهرها، ويقع شرقي المدينة، أصله كنيسة بناها الإمبراطور جستنيان في القرن السادس الميلادي، وأعاد الافرنج بناءه سنة 563هـ، حوله السلطان صلاح الدين إلى جامع، وهو مؤلف من خمسة أقواس، الواحد تلو الآخر، وهناك وصف لسائح تركي يدعى (أوليا جلبي) سنة 1082هـ يقول: محرابه الحالي كان مدخل الكنيسة من الناحية الشرقية، وعلى جانبي المدخل يوجد ثمانية أعمدة ممشوقة من الرخام، يرتكز عليها قوس الجامع الذي هو آية في فن البناء، ويبلغ طول الجامع 300 خطوة وعرضه 100 خطوة، ومجموع ما فيه من الأعمدة 55 عموداً، ومحرابه واسع جدا، ومنبره قديم. في سنة 1133هـ، بنى أمير الحج (سليمان باشا العظم) إيوانين وبركة، أما المئذنة المثمنة فقد بناها أمير الحج (مصطفى الغفاري). (2) جامع الخضراء يقع في حي الياسمينة، يقال إنه المكان الذي حزن فيه يعقوب على ابنه يوسف، وقد عمره السلطان قلاوون الصالحي (678-689هـ)، ووصفه إوليا جلبي فقال: «إنه بناء مربع طول، ضلعه 87 خطوة». ويقع الجامع اليوم وسط البساتين، وتوجد بركة في صحنه، ومساحة القسم المعد للصلاة فيه نحو 300متر مربع، وله محراب جميل ومئذنة مربعة. (3)  جامع الأنبياء يقع هذا الجامع في محله الحبلة، ويقال إن أولاد يعقوب -عليهم السلام- دفنوا فيه، ومنهم أخذ اسمه. وأضرحة الأنبياء موجودة في غرفة فيه، وطوله 4 أمتار، وهو مكسو بحلل خضراء.

المساجد في قطاع غزة

           قطاع غزة يعد من أغنى مدن فلسطين بالمساجد؛ حيث يوجد فيها 1223 مسجدًا من أهمها جامع غزة الكبير وهو أكبر جوامع غزة، يقع وسط البلدة القديمة، وهو جامع أثري ضخم، جميل الشكل والهندسة، يعتقد أنه كان في الأصل كنيسة، استعمل في بنائها كثير من الحجارة والأعمدة الرخامية القديمة، ويعتقد أن هذه الكنيسة بنيت في موقع كنيسة بنتها بودكسيا (إمبراطورة بيزنطية)، في القرن الخامس الميلادي، وقد قسمت الكنيسة عند الفتح الإسلامي إلى مسجد وكنيسة، ثم حولها الصليبيون إلى كنيسة لاتينية، وبعد تحرير غزة، أصبحت مسجداً، عمر الجامع مرات كثيرة، وأنشأ له (لاجين) (سلطان المماليك) باباً ومئذنة سنة 697هـ، ووسعه الناصر محمد، وعمر كذلك في العهد العثماني. وقد أصاب الجامع خراب كبير في الحرب العالمية الأولى، فتهدم القسم الأعظم منه، وسقطت مئذنته. وقد جدد المجلس الإسلامي الأعلى عمارة الجامع سنة 1345هـ، تجديداً شاملاً، وأعاد بناء المئذنة بشكل فاق جماله شكلها السابق، ويعرف الجامع كذلك باسم (الجامع العمري).  

 

الاعتداءات على المسجد الإبراهيمي

منذ احتلال مدينة الخليل عام 1967، كانت المدينة عموما، والحرم الإبراهيمي خصوصا، محل استهداف المستوطنين بدعم حكومة الاحتلال وحماية جيشها؛ فبعد الحرب مباشرة احتل المستوطنون، يتقدمهم الحاخام اليهودي المتطرف (موشيه ليفنغر)، أحد فنادق مدينة الخليل ومبنى الدبويا، وبعد ذلك احتل المستوطنون الكثير من المنازل والمباني القريبة والمحيطة بالحرم الإبراهيمي في قلب المدينة؛ بهدف بسط السيطرة الإسرائيلية على الحرم وتهويده.

       ومن أفظع ما تعرض إليه الحرم الإبراهيمي المجزرة البشعة التي ارتكبها الإرهابي (جولد شتاين أحد مستوطني كريات أربع) في الخامس عشر من رمضان في 25 شباط 1999م؛ فبينما كان المصلون ساجدين في صلاة الفجر فتح النار عليهم من بندقية رشاشة، وقد ذهب ضحية هذه المجزرة تسعة وعشرون مصلياً؛ فضلاً عن جرح العشرات. وعلى إثر هذه المذبحة اقتطع الاحتلال قسما من الحرم لإرضاء حقد مستوطنيه وعنصريتهم العمياء، وقُسم الحرم بين المسلمين واليهود بوصفها سابقة مستهجنة في تاريخ المساجد الإسلامية؛ لتبدأ مرحلة أشد خطورة في حرب الصراع المحموم على المقدسات الإسلامية التي تشهد بحقيقة تاريخ هذه الأرض، عبر محاولة تنفير المسلمين وإرهابهم بنصب الحواجز في محيط الحرم، وإغلاق بعض الطرق والشوارع أمام المصلين الذين يقصدون الحرم للصلاة فيه، بل وتتعمد قوات الاحتلال استخدام السبل كافة التي كثيرًا ما وصلت إلى حد القتل والاعتقال ومنع رفع الأذان، ولعل اقتحام رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو للحرم الإبراهيمي في أيلول 2019، يمثل إعلانًا صريحًا وواضحًا عن رعايته ومشاركته المستوطنين إرهابهم وجرائمهم بحق شعبنا ومقدساته.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك