رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: سامح محمد بسيوني 15 مايو، 2017 0 تعليق

آداب الحوار (2)

 

ذكرنا في المقال السابق بعضًا من آداب الحوار وقلنا: إن الإنسان لا يخلو في حياته من الحاجة إلى الحوار، وأنه على كل إنسان معرفة تلك الآداب واتباعها حتى لا يخرج الحوار عن هدفه فيتحول إلى جدال يؤدى  إلى المخاصمة والمنازعة، واليوم نكمل تلك الآداب:

التكافؤ بين المتحاورين

     ويقصد به مراعاة المرتبة العلمية والثقافية وكذلك العقل والفهم بين طرفي الحوار والمناظرة، فلا يمكن أن يستقيم حوار أو مناظرة بين عالم وجاهل؛ لأن الغلبة قطعًا ستكون للجاهل، وسَيُطمس الحق في هذه المناظرة، ولن يظهر للحاضرين أو السامعين منه شيء، وفي ذلك يقول الشافعي -رحمه الله-: «ما ناظرت عالماً إلا غلبته، وما ناظرني جاهل إلا وغلبني»، وقد صدق الشافعي -رحمه الله- في ذلك فالجاهل عدوٌ لنفسه قبل أن يكون عدو غيره، فلا تستطيع أن تكمل معه حواراً لجهله، ولا يُجنى من محاورته إلا التشغيب والصوت المرتفع والتلبيس على المستمعين، فحال حوار العالم مع الجاهل كما قال القائل:

لو كنت تعلم ما أقول عذرتني                             أو كنت تعلم ما تقول عذرتك

لكن جهلت مقالتي فعذلتني                              وعلمت أنك جاهل فعذرتك

وقد قال الله -عز وجل- واصفا عباده العلماء الأولياء في تعاملهم مع الجاهلين: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} القصص55، قال البغوي في تفسيره: (ليس المراد منه سلام التحية، ولكنه سلام المتاركة) أ.ه

فهم كلام الطرف الآخر فهماً صحيحاً

فليس كل أحد أوتي من الفهم ما ينبغي أن يكون عليه؛ ولذلك لابد من الفهم لكلام المخالف، وعدم الرد عليه حتى يُفهم كلامه؛ لأن الجواب على كلام - كائنا من كان - لا يكون ذا فائدة مرجوة إلا بعد فهم الكلام وإدراك مغزاه؛ إذ الحكم على الشيء فرع عن تصوره، بل في الحقيقة يعد الجواب قبل الفهم من الحُمق.

     قال الخطيب البغدادي في (الفقيه والمتفقه): «ولا يتكلم على ما لم يقع له علمه من كلامه فإن الجواب لا يصح عما لم يفهمه، ولم يتصور مراد خصمه منه» أ.ه، وقال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في (الصواعق المرسلة): «لما كان المقصود بالخطاب دلالة السامع وإفهامه مراد المتكلم من كلامه، وأن يبين له ما في نفسه من المعاني، وأن يدله على ذلك بأقرب الطرق كان ذلك موقوفا على أمرين: بيان المتكلم، وتمكن السامع من الفهم.. » أ.ه

ثم لابد أن يكون هناك حسن فهم لحجج الطرف الآخر وأدلته وأقواله، والخلفيات المؤثرة في واقعه وتصرفاته، ولا ينبغي أن يناقش أحدٌ أحداً ويدخل معه في حوار وهو لم يفهم بعد مراده وقصده وحجته، حتى لا يعاب قول صحيح لأحد المتحاورين بسبب عدم الفهم للكلام وقد صدق القائل حين قال:

فكم من عائبٍ قولاً صحيحاً                             وآفته من الفهم السقيم

و كذلك حتى لا تكون الإجابة إجابة سيئة مضللة للسامعين لا خير فيها، فعن ابن وهب – كما في الفقيه والمتفقه - قال سمعت مالكاً يقول: ((لا خير في جواب قبل فهم))، وقد قال القائل أيضا:

إذا ما لم يكن لك حسن فهمٍ                             أسأت إجابة وأسأت فهما

     قال ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله: أوصى يحيى بن خالد ابنه جعفرا قَائلا: « لا ترد على أحد جوابا حتى تفهم كلامه، فإن ذلك يصرفك عن جواب كلامه إلى غيره، ويؤكد الجهل عليك، ولكن افهم عنه، فإذا فهمت فأجبه، ولا تعجل بالجواب قبل الاستفهام، ولا تستح أن تستفهم إذا لم تفهم؛ فإن الجواب قبل الفهم حمق، وإذا جهلت قبل أن تسأل فاسأل، فيبدو لك واستفهامك أجمل بك، وخير من السكوت على العيِّ» أ.هـ

وقال الإمام الجويني في (الكافية في الجدل): « وعليك بمراعاة الخصم وتفهم معانيه على غاية الحد والاستقصاء؛ فإن فيه أماناً من اضطراب ترتيب فصول الكلام عليك، فيسهل عليك عند ذلك وضع كل شيء في موضعه، وفيه أيضا أمان من تلبيس الخصم والذهاب عن تزويره...».

و قال ابن عقيل في الواضح: «وإذا كان الغرض بالجدال إدراك الحق به، وكان السبيل إلى ذلك التثبت والتأمل، وجب على كل واحد من الخصمين استعمالهما وإلا حصل على مجرد التعب مع حرمان الظفر».

وفي فهم كلام المحاور فوائد عدة أخرى منها: اختصار الطريق إلى الجواب، واختصار الوقت، وإدراك ما في قوله من تناقض، وتحديد ما يحتاج إلى جواب.

الأسباب المؤدية إلى سوء الفهم

ومن أعظم الأسباب المؤدية - بعد قلة العلم - إلى سوء الفهم الذي يحدث بين المتحاورين:

الاجتزاء من الكلام

كأن يأخذ جزءاً من الكلام ويترك أجزاءً أخر، فتجد أحد المتحاورين يأخذ طرفاً من الحديث ثم ينهال في الهجوم أو الدفاع قبل أن يسمع بقية الكلام، بينما يكون ما رد عليه موجوداً تفصيله وبيانه في بقية الكلام الآخر، ولو أنه تأنى وسمع الباقي من الكلام لوصل إلي الحق.

الخلفيات الذهنية المسبقة

     الاستماع إلى أقوال الآخرين بخلفيات ذهنية معدة مسبقاً: كأن تسمع عن شخص أشياء ثم تأتي لتتناقش معه، فتفسر كلامه بناءً على ما سمعته عنه، وقد يكون ما سمعته عنه غير دقيق ولا صحيح، فتبدأ من باب اتهام النيات في تفسير كلامه على ما في ذهنك أنت، ولا تتجرد بحيث تفهم كلامه على حقيقته، وهذا أمر يجب التحرز منه ولاسيما وأن الإنسان لا يخلو من خلفية معينة عند النقاش مع أي شخص.

الاختلاف باستخدام الألفاظ والمصطلحات

لابد من ضبط المصطلحات والألفاظ المستخدمة وتفسيرها في النقاش؛ لأن الألفاظ والمصطلحات هي في الحقيقة قوالب المعاني، وهذه المعاني اذا لم تُحكم ألفاظها واصطلاحاتها أثر ذلك تأثيراً على المفاهيم، وإذا اختلفت المفاهيم انعدمت أسس الحوار وصار الحوار جدالا عقيما.

     وقد جاء القرآن الكريم بالحث على ضبط الألفاظ وتحريرها، وتجنب الألفاظ المحتملة الموهمة لمعاني عدة؛  وذلك حتى لا يفهم غير مقصودها فتكون وسيلة للتشغيب أو سوء الاستغلال من المخالف كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، قال القرطبي في تفسيره: (في هذه الآية دليلان: أحدهما على تجنب الألفاظ المحتملة التي فيها التعريض للنقيض والغض...) أ.هـ

قال شيخ الاسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في (مجموع الفتاوى): «معرفتنا بلغات الناس واصطلاحاتهم نافعة في معرفتنا مقاصدهم ثم نحكم فيها كتاب الله -تعالى- فكل من شرح كلام غيره وفسره وبين تأويله فلا بد من معرفة حدود الأسماء التي فيه»أ.هـ

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك