رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ سعيد بن عماش السعيدي 27 يوليو، 2010 0 تعليق

آباء وأبناء في القرآن الكريم-يعقوب ويوسف عليهما السلام

 

 

قوله تعالى: {ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب} (البقرة: 132).

 

قال الشوكاني رحمه الله تعالى: {ووصى بها} راجع إلى الملة، أي وصى أولاده بهذا الدين القيم والملة السمحة.

{ويعقوب} معطوف على إبراهيم أي: وأوصى يعقوب بنيه، كما أوصى إبراهيم بنيه.

قلت: نلاحظ الموقف التربوي الذي يحمل بين طياته حسن الخطاب والتودد واللين الذي صدر من يعقوب عليه السلام وهو في حالة الموت، حيث استغل ذلك الموقف عندما لانت قلوب الأبناء، ومُلئت شفقة على الوالد الذي يصارع الموت، فالنفوس مستعدة لسماع النصيحة الأخيرة وإذا هو يطلقها بثبات وعزيمة وصدق،  حيث الآن لا مداراة ولا لين: {يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} (البقرة: 132).

 

     ومما لا شك فيه أن يعقوب عليه السلام قد نصح أولاده قبل ذلك وهم من الذرية المباركة الصالحة، وهذا الموقف يشد أذهاننا إلى هذه القضية فالاهتمام بالأبناء والتواصل معهم في التناصح والتوجيه المستمر حتى وإن كانوا كباراً في السن أمر لا غنى عنه.

- تصوير للموقف من جانب آخر:

     قوله تعالى: {أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون} (البقرة: 133).

ذكر أهل التفسير رحمهم الله أن الخطاب لليهود والنصارى الذين ينسبون إلى إبراهيم ما لم يوص به بنيه، وأنهم على اليهودية والنصرانية، فرد الله عليهم قولهم وكذبهم وقال لهم على جهة التوبيخ: أشهدتم يعقوب وعلمتم بما وصى فتدعون عن علم؟! أي لم تشهدوا، بل أنتم تفترون.

قوله تعالى: {ما تعبدون من بعدي} أي بعد موتي، وحكي أن يعقوب عليه السلام حين خُيّر كما تخير الأنبياء، اختار الموت وقال: أمهلوني حتى أوصي بني وأهلي فجمعهم وقال لهم هذا، فاهتدوا وقالوا: {نعبد إلهك} فأروه ثباتهم على الدين ومعرفتهم بالله تعالى.

     قلت: فزاد اطمئنانه وقرت عينه بهذا الجواب الكافي، ويظهر لنا جلياً الحرص على الذرية كي تصبح صالحة تكمل المسيرة بعد الممات كما جاء في حديث الرسول [ عن أبي هريرة ] أن رسول الله [ قال: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» رواه مسلم.

- مواقف تربوية:

1 - أهمية الوصية في حياة المسلم وأنها من هَدْيِ الرسل والأنبياء عليهم السلام ومنهم محمد [.

2 - أهمية التودد واللين، في عرض الموضوع. {يا بني إن الله اصطفى لكم الدين}.

3 - مراعاة الوقت المناسب في عرض النصيحة حتى في الأيام الأخيرة.

4 - ترتيب الأمور حسب الأهمية في التوجيه ونلاحظ ذلك في {ما تعبدون من بعدي} حين قدم الجانب التعبدي على الجوانب الأخرى.

5 - على الأبناء النجباء طمأنة الوالدين في حالة سيرهم على الطريق المستقيم، «نلحظ ذلك في قول تلك الذرية المباركة»: {نعبد إلهك وإله آبائك} ففيه ثبات على الجادة.

6 - عدم اليأس من روح الله في حالة الشدائد والكروب وإن كبرت في عيون الناس.

7 - بث روح التفاؤل في الأبناء وعدم اليأس والقنوط.

وإن هذا الكون فيه من المسرات ما يكون سببا في سعادة الدارين.

فإذا عرف الإنسان ربه واتقاه واقتدى بسيرة سيد الثقلين حصل له التوفيق والصلاح في كل شيء.

قول الله تعالى: {إذ قال يوسف لأبيه يا أبتِ إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين قال يا بني لا تقصص رُؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين} (يوسف: 4 - 5).

يعقوب عليه السلام كان له من البنين اثنا عشر ولداً ذكراً، وإليهم تنسب أسباط بني إسرائيل كلهم وكان أشرفهم وأجلهم وأعظمهم يوسف عليه السلام.

     روى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله [ قال: «الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم».

      قال المفسرون: عندما رأى يوسف عليه السلام وهو صغير هذه الرؤيا، ذهل من ذلك فلما استيقظ قصها على أبيه، فأولها أبوه أنه سينال منزلة عالية في الدنيا والآخرة؛ فأمره بكتمانها وألا يقصها على إخوته، كي لا يحسدوه.

قلت: وهذا موقف تربوي يجب التنبه إليه ففي قوله تعالى عن يعقوب: {قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب} (يوسف: 13)، توجس من الوالد الجنون وقد وقع ما كان يخافه قال تعالى: {وجاؤوا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون} (يوسف: 18).

وفي قوله تعالى: {قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون} (يوسف: 86 - 87).

      توجيه تربوي عملي سمعه الأبناء من الأب الحزين حين رفع شكواه إلى مولاه وكله ثقة به وعدم يأس من رحمته، سمع ذلك أولئك الذين هم الفاعلون لذلك الفعل الشنيع الذي أزعج الشيخ الكبير، لكنه لم يصارحهم بذلك حفاظاً على ما تبقى وخوفا من شتات الأسرة، وفي ذلك درس في عدم التسرع واتخاذ القرار في الحال.

- فوائد في قصة  يوسف

1 - الابن النجيب يعرض على والده رؤيا أذهلته، وكذلك يكون كل ابن بار قريبا من والده يشاكيه في أموره كلها لأخذ الخبرة من تجاربه؛ قال تعالى: {إذ قال يوسف لأبيه...} (يوسف: 4).

2 - تخوف الوالد وخبرته في الحياة ظهرت {يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا} (يوسف: 5).

3 - لم يسلم أحد من وسوسة الشيطان حتى الرسل عليهم السلام مع علو مكانتهم فحريّ بمن دونهم أخذ الحذر والحيطة.

4 - الأحكام السريعة لها مضرة في بعض الأوقات فالتريث يكون محمود العواقب، فلم يصارح الأب الأبناء بالفعلة الشنيعة.

5 - لا يأمن من الفتنة أحد وإن كبر شأنه وظهر صلاحه.

6 - هم الدين والدعوة إليه كان في دم وروح يوسف عليه السلام؛ قال تعالى: {يا صاحبي السجن أأَرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار} (يوسف: 39).

7 - التسامح من الصفات الحميدة، فها هو يصفح عمن أساء إليه {لا تثريب عليكم}.

8 - الله تعالى يصرف عن أوليائه وسوسة الشيطان ويجيب دعاءهم: {وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن} (يوسف: 33).

9 - إن بعض القصور عالية البنيان تكون مظنة الفساد.

10 - بعد انتهاء تلك الفصول في حياته علم أن البقاء لله وحده؛ فأطلق ذلك الدعاء العظيم المقرون بشكر النعمة والفضل، قال تعالى على لسان يوسف: {ربِ قد آتيتني من المُلك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السموات والأرض أنت وليِّي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين} (يوسف: 101).

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك