شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم.. باب: بيـع الخِيَار
- بيَّنت الشريعة الإسلامية ضوابط البيع والشراء وجعلت التراضي بين المتبايعين من أهم شروط صحة البيع ونفاذه كما دلَّت على ذلك نصوص الكتاب والسنة
- إثبات خيار المجلس للبائع والمشتري تمكينًا لهما من إمضاء البيع أو فسخه قبل التفرق حتى يتاح لهما التروّي ومراجعة القرار
عَنْ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما-: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ؛ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ، مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، وكَانَا جَمِيعًا أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكِ؛ فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ، وإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا، ولَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْبَيْعَ؛ فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ»؛ الحديث أخرجه مسلم في البيوع (3/1163) باب: ثبوت خيار المجلس للمتبايعين، وأخرجه البخاري (2112).
- يقول الرَسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم-: «إذا تبايَعَ الرَّجلانِ» أي: إذا وقَعَ بين شَخصينِ بَيعٌ، والمُرادُ بهما البائعُ والمُشتري، «فكلُّ واحدٍ منهما بالخيارِ»، أي: مُخيَّرٌ في الرُّجوعِ عن بَيعِه، «ما لم يَفْتَرِقَا» أي: عنِ المَجلِسِ الَّذي وقَعَ فيه البيعُ، «وكانا جَميعًا» أي: مُجتمعينَ. وهو تأكيد لذلك.
- قوله: «أو يُخَيِّرُ أحدُهما الآخرَ» أي: بينَ إتمامِ البيعِ أو فَسخِه.
- قوله: «فإنْ خيَّرَ أحدُهما الآخَرَ» أي: خيَّرَه بين الرُّجوعِ عن البيعِ أو إتمامِه، «فتبايَعَا على ذلك، فقد وجَبَ البيعُ» أي: اختار إتْمام البيع، فقد وجَبَ نَفاذُ البَيعِ، أي: وبطل الخيار، ولا يحِقُّ لأحدِهما الرَّجعةُ فيه بعدَ هذا التَّخييرِ، وقوله: «وإنْ تَفرَّقَا بعدَ أنْ تَبايَعا، ولم يترُكْ واحدٌ منهما البَيعَ» أي: لم يفسخه، «فقد وجَبَ البيعُ» وكذلك يَنفُذُ البيعُ ويتمّ، إنْ تَفرَّقا عنِ المَجلسِ، وهذا ظاهر جدا في انفساخ البيع؛ بفَسْخ أحَدِهما.
تأكيدِ معنى التَّراضي
وهذا البيعِ إنَّما يقَعُ لِمَا في تلك الصُّورِ؛ مِن تأكيدِ معنى التَّراضي بينَ البائعِ والمُشْتري، كما أخرَجَ ابنُ ماجَة: عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ - رضي الله عنه - مرفوعاً: «إنَّما البيعُ عن تَراضٍ»، قال الخطابي: هذا أوْضحُ شَيءٍ في ثُبُوت خيار المجلس، وهو مُبْطلٌ لكلّ تأويلٍ مخالفٍ لظاهر الحديث، وكذلك قوله في آخره: «وإنْ تفرّقا بعد أنْ تَبايعا»، فيه البيان الواضح: أنّ التّفرّق بالبدن؛ هو القاطع للخِيار، ولو كان معناه التفرّق بالقول، لخلا الحديث عن فائدة. انتهى.إلا بيع الخيار
قال الحافظ في الفتح: وقد اختلف العلماء في المراد بقوله في حديث مالك: «إلا بيع الخيار» فقال الجمهور، وبه جزم الشافعي: هو استثناء منْ امتداد الخيار إلى التفرّق، والمُراد أنّهما إنْ اختارا إمْضاء البيع قبل التفرّق، لزِمَ البيع حينئذ، وبطل اعتبار التفرَّق، فالتقدير: إلا البيع الذي جَرَى فيه التّخاير. قال النووي: اتفق أصحابنا على ترجيح هذا التأويل، وأبْطلَ كثيرٌ منهم ما سواه، وغلَّطوا قائله. انتهى.البيّعان بالخيار
وقال البخاري: «باب: البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا، وبه قال ابن عمر» أي: بخِيار المجلس، وهو بيّن من صنيعه الذي مضى قبل باب، وأنّه كان إذا اشترى شيئاً يُعجبه؛ فارق صاحبه. وللترمذي: من طريق ابن فضيل عن يحيى بن سعيد: وكان ابنُ عمر إذا ابتاع بيعاً وهو قاعد، قام ليَجبَ له. وهو في مسلم: قال نافع: فكان إذا بايعَ رجلاً، فأرادَ أنْ لا يُقيله، قامَ فمَشَى هنيهة، ثمّ رجَع إليه.فوائد الحديث
- ضَرورةُ تَثَبُّتِ طرفَيِ البيعِ (البائع والمشتري) مِن إكمالِ البيعِ أو الرُّجوعِ فيه، قبْلَ انقضاءِ مَجلسِ البيعِ دونَ احتيالٍ.
- وفيه: الحثُّ على التَّراضي في البَيعِ والشِّراءِ.
- قد بيَّنَ الشَّرعُ ضَوابطَ البيع والشراء وما أشبهها مِن الأُمورِ الحَياتيَّةِ، ووضَّحَها النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم-، والتَّراضي مِن أهمِّ شُروطِ نَفاذِ البيعِ.
باب منه: والصِّدْق في البَيع والبَيان
عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ - رضي الله عنه -: عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «الْبَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا؛ بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا؛ مُحِقَ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا»، الحديث أخرجه مسلم (1532) في البيوع (3/1164) باب: الصّدق في البيع والبيان، وأخرجه البخاري في البيوع (2079)، باب: إذا بيّن البيّعان ولمْ يكتما، ونَصَحا.حد التفرق
يَقولُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم-: «البَيِّعانِ بِالخيارِ، ما لمْ يَتفرَّقَا» بالخِيار، أي: إنَّ كلًّا مِن البائعِ والمُشتري؛ يَحِلُّ لكلِّ واحدٍ منهما فسْخُ العقدِ، ما لم يَتفرَّقَا بِأبدانِهما عن مَكانِهما الَّذي تَبايَعا فيه؛ وهل للتفرّق المَذْكور حدٌّ ينتهي إليه؟ المشهور الراجح مِنْ مذهب العلماء في ذلك: أنّه مَوكولٌ إلى العُرْف، فكل ما عدَّ في العُرْف تفرقاً؛ حُكمَ به، وما لا فلا.فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا
- قوله: «فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا» فإنْ صَدقَ كلُّ واحد منهما فيما يتعلَّقُ به مِنَ الثَّمَنِ، ووَصْفِ الشَّيءِ المباعِ، ونحْوِ ذلك، وبيَّنا ما يُحتاجُ إلى بَيانِه مِنْ عيبٍ ونحْوِه في السِّلعةِ والثَّمَنِ، وقيل: صَدَق البائع في إخْبار المُشتري مثلاً ببان العَيْب إنْ كان في السّلعة، وصَدَق المشتري في قَدْر الثمن مثلاً وبيّن العيب إنْ كان في الثّمن. ويحتمل أنْ يكون الصّدق والبيان بمعنى واحد، وذِكْر أحدهما تأكيدٌ للآخر.
- قوله: «بُورِكَ لهُما في بَيعِهما» أي: كثُرَ نفْعُ المَبيعِ والثَّمَنِ، وحَلَّت البَرَكةُ للطَّرَفَين؛ للبائعِ في الثَّمنِ، وللمُشتري في السِّلعةِ التي اشتَراها.
وإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا
- قوله: «وإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا» أي: إنْ كَتمَ البائعُ عَيبَ السِّلعةِ، أو كَتَمَ المُشتري عَيبَ الثَّمَنِ، وكذَبَا على بعضهما؛ بأنْ كذَبَ البائِعُ في وَصْفِ السِّلعةِ بما فيها، وكذَبَ المُشتري في الوفاءِ بالثَّمنِ، أو ادَّعى أنَّه وافَقَ البائعَ على الشِّراءِ بأقلَّ ممَّا اتَّفَقا عليه، واحتالَ عليه، أو كذَبَ المُشتري على البائعِ في ذِكرِ سَببِ شِراءِ السِّلعةِ؛ ليُنزِّلَ له البائعُ في الثَّمنِ، والحقيقةُ غيرُ ذلك، فيَكونَا بذلك قدْ أخْفى كلٌّ منهما عن الآخَر؛ ما في البدَلِ الَّذي يكونُ مِن جِهتِه، وغَشَّ كلٌّ الآخَرَ فيما عليه البدَلِ، كمَنْ يساوَمَ على سِعرِ أرضٍ؛ بحُجَّةِ أنَّه سَيَبْنِيها مَسْجداً، ليُنزِّلَ له البائعُ في الثَّمَنِ، وبعْدَ الإتمامِ بَناها لنفْسِه؟
- قوله: «مُحِقَتْ بَرَكةُ بَيعِهما» أي: أُذْهبَتْ زِيادة الصّفقة ونَماؤُها، بسَببِ هذا الكذِبِ والغِشِّ المُتبادَلينِ منْهما، وأنّ شُؤم التدليس والكذب، وقع في ذلك العقد فمُحق بركته، وإنْ كان الصادق مأجُوراً، والكاذب مأزُوراً؛ قال الحافظ: ويحتمل أنْ يكون ذلك مُخْتصّاً بمَنْ وَقَعَ منه التدليس والعَيْب؛ دُون الآخر، ورجّحه ابن أبي جمرة.
فوائد الحديث
- إثباتُ خِيارِ المَجلسِ لكلٍّ مِنَ البائعِ والمشتري؛ مِن إمضاءِ البَيعِ أو فَسْخِه، فالبيعُ قد يقَعُ أحيانًا بلا تَفكُّرٍ ولا تَرَوٍّ، فيَحْصُلُ للبائعِ أوِ المُشترِي نَدَمٌ على فَواتِ بَعضِ مَقاصدِه؛ فجَعلَ له الشَّارعُ الحكيمُ أَمَداً يَتمكَّنُ فيه مِن فسْخِ العَقدِ.
- وفيه: أنَّ مُدَّةَ الخيارِ تكونُ مِن حِين العَقدِ؛ إلى أنْ يَتفرَّقَا مِن مَجلسِ العَقدِ.
- وفيه: أنَّ البيعَ يَلزمُ بِالتَّفرُّقِ بِأبدانِ المتبايعين مِن مَجلسِ العقدِ.
- وفيه: بَيانُ وُجوبِ الصِّدقِ في البيعِ والشِّراءِ.
- وفيه: أنَّ الدُّنيا لا يَتِمُّ حُصولُها، والبركة والنّماء فيها؛ إلَّا بالعمَلِ الصَّالحِ، وأنَّ شُؤمَ المَعاصي يُذهِبُ بخَيرِ الدُّنيا والآخِرةِ.
- وفيه: بَيانُ فضْلِ الصِّدقِ، والحثُّ عليه، وأنَّه سَببٌ لبَرَكةِ كسْبِ العبْدِ.
- وفيه: ذمُّ الكَذِبِ والغِش، والحثُّ على تَرْكِه، وأنَّه سَببٌ لذَهابِ البَرَكةِ مِن كسْبِ العبدِ.
لاتوجد تعليقات