رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ: فيصل العثمان 27 مارس، 2023 0 تعليق

شرح كتاب فضل الإسلام للشيخ محمد بن عبدالوهاب (28) غربة الإسلام وفضل الغرباء

ما زلنا في شرح باب ما جاء في غربة الإسلام وفضل الغرباء، من كتاب: (فضل الإسلام) للشيخ محمد بن عبدالوهاب -رحمه الله-، وقوله -تعالى-: {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ}.

     وكنا توقفنا في الحلقة الماضية عند رواية الإمام أحمد -رحمه الله- في تفسيره لكلمة الغرباء بقوله: إنهم «الذين يصلحون إذا فسد الناس». فالوصف الأول: نُزّاع، يخرجون ويهاجرون، يترك وطنه في سبيل دينه، أما الوصف الثاني: الذين يصلحون إذا فسد الناس، ثابتون على منهجهم، لا ينحرفون كما انحرف الناس، وهذا الثبات سيعرضه إلى إهانة الناس وإضرارهم له، فهم ينظرون إليه أنه هو المنحرف!

     وهذه الرواية أيضا لا تصح، ففي إسنادها اسحق بن عبدالله بن أبي فروة، قال الحافظ: هو واهن، أي روايته واهية. وقال البخاري: حديثه ليس بقائم. فهذه الرواية ليست صحيحة، لكن المعنى صحيح، أما رواية الإمام أحمد من طريق سعد بن أبي وقاص قوله: «فطوبى يومئذ للغرباء إذا فسد الناس». هذه رواية صحيحة ولها المعنى نفسه، أن الغرباء ثابتون على المنهج إذا فسد الناس وإن تعرضوا للأذى، فهذا غريب في أهله، يتحمل الأذى في سبيل المنهج الحق، صالح في نفسه لا ينجرف مع الناس في مذاهبهم وفرقهم وأفكارهم.

فطوبى للغرباء

     قال المؤلف: وللترمذي من حديث كثير بن عبدالله عن أبيه عن جده «فطوبى للغرباء، الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي»، وهنا معنى ثالث، وهو أنه ليس فقط صالح في نفسه، بل هو مصلح، يدعو إلى منهجه مع قلة حاله وعدده، مُهان في قومه، إلا أنه صالح في نفسه، مُصلح لغيره، ناصح لقومه، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، كما قال -تعالى-: «وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون». فالمصلح لا يهلك مع الذين يهلكون، وهذه الرواية أيضا ضعيفة، لكن هذا الوصف يصح في الغرباء، فهو صالح في نفسه مُصلح لغيره، بل هذه الصفة أخص ما يوصف به هؤلاء الغرباء أنهم يصلحون الناس وينصحونهم.

{لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}

     وعن أبي أمية قال سألت أبا ثعلبة الخشني - رضي الله عنه - كيف تقول في هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} قال: أما والله قد سألتَ عنها خبيرًا، سألت عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحًّا مطاعا، وهوىً متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك، ودع عنك العوام، فإن من ورائكم أيامًا الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا، يعملون مثل عملكم. قيل: منا أو منهم؟ قال - صلى الله عليه وسلم -: بل منكم». هذا الحديث أخرجه أبوداود وابن ماجه والترمذي وهو حديث ضعيف، لكن قال الألباني -رحمه الله-: فقرة «أيام الصبر» ثابتة.

فهم مغلوط

     وهذا الحديث فيه تفسير الآية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}، وهذه الآية يفهمها كثير من الناس على فهم مغلوط، فلو أني صليت وصمت وأديت ما عليّ، فليس عليّ شيء آخر لو انحرف الناس، وهذا فهم مغلوط، بل المقصود بعليكم أنفسكم أي بالصلاح والإصلاح، ابدأ بنفسك أولا، لكن لا تقتصر على ذلك، فالله -سبحانه وتعالى- عندما أمر نبيه بالدعوة، أمره أولًا أن يبدأ بنفسه وبعشيرته كما في قوله -تعالى-: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ}. لكن بعد ذلك دعا الناس أجمعين.

من الهداية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

     {لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}، قال أهل العلم: ومن الهداية أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، ويقول الشيخ ابن باز -رحمه الله تعالى-: بعض الناس يظن أنه إذا اهتدى فأنه يكفيه ذلك! فلو كان ابنك لا يصلي وأنت تصلي وتصوم وتفعل المعروف، فإنك ستسأل عنه يوم القيامة، وذلك بنص كلام النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». وقال - صلى الله عليه وسلم -: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده» إذا كان في سلطته، فكل إنسان في هذه الدنيا له سلطة، فأنت راع في أسرتك وبيتك ومسؤول عن زوجتك وأبنائك.

أما قوله: «حتى إذا رأيت شحا مطاعا»، الشح هو أعلى درجات البخل، ويجعل الإنسان يمتنع عن الخير ويفعل الشر.

     (وهوى متبع) أي أن الناس تتبع أهواءها وتترك الحق، (والدنيا مؤثرة) أي مقدمة على الآخرة، (وإعجاب كل ذي رأي برأيه) أي من غير نظر إلى كتاب ولا سنة ولا قدوة بالصحابة.

أيام الصبر

     وقوله «فإن من ورائكم أياما الصبر فيهن مثل القبض على الجمر»، أي سيأتي وقت يكون فيه الصابر على المنهج وعلى حمل هذا الدين كالقابض على جمر، وهو من الغرباء، يُؤذى في ماله وعرضه وملكه، لكنه صابر، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «للعامل فيهن أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم، قيل: منا أو منهم؟ قال - صلى الله عليه وسلم -: بل منكم»، كيف نوفق بين هذه الفقرة مع قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه». ليس بينهما تعارض إذا فهمت الفرق بين الفضيلة الخاصة والفضيلة العامة، بين الفضل المقيد والفضل المطلق؛ فقد يأتي إنسان في زمن من الأزمان في غربته ليس معه أحد يُعلّم الناس وينصحهم ويتحمل أذاهم، فهو في هذه الفضيلة، في إخلاصه وتحمله في سبيل المنهج الحق أجره بخمسين من الصحابة، ذلك بأن الصحابة كانوا في عز بعد أن قام الإسلام ومعهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، أما هذا فهو في غربة، فهو في فضيلته الخاصة هو أفضل، لكن في المجمل فالصحابة لا يدانيهم أحد.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك