شرح كتاب فضل الإسلام للشيخ محمد بن عبدالوهاب (26) تابع: باب فطرة الإسلام
مازال حديثنا موصولاً في باب فطرة الإسلام وشرح الشيخ لقول الله -تعالى-: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}؛ حيث ركز الشيخ على أن الإنسان خلقه الله -تعالى- على الفطرة السليمة، وأن هذه الفطرة هي الإسلام والتوحيد والإيمان بالله -تعالى-، وكنا توقفنا في الحلقة الماضية عند وصية أبي العالية (رفيع بن مهران وهو من أكابر التابعين): «تعلموا الإسلام، فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم فإنه الإسلام، ولا تتحرفوا عن الصراط يمينا ولا شمالا، وعليكم بسنة نبيكم، وإياكم وهذه الأهواء!».
يقول الشيخ -رحمه الله تعالى-: وبمعرفتها يتبين معنى الأحاديث في هذا الباب وأمثالها، وأنّ الإنسان الذي يقرؤها وأشباهها وهو آمن ومطمئن أنها لا تناله، ويظنها في قوم كانوا فبادوا {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}.
هذه الفقرة من أواخر هذا الباب، فيه أنَّ الذي يقرأ هذه الأحاديث والآيات التي ذكرها الشيخ في هذا الباب، ويفقهها، ويتأملها، ويعمل بها، يكون في منجاة وعلى طريق السلامة، ويأمن من خطر الفتن، أما الذي لا يلتفت إليها، يقرؤها لكنه لا يتأملها ولا يتفقه فيها، أو هو يظن أنه آمن على نفسه من الفتن والانحراف، فهذا الصنف من الناس حَرِيٌّ به أن يقع وأن يكون من الهالكين؛ لأنه لم يأخذ بأسباب النجاة.
على الإنسان ألا يغتر بعلمه
لذلك على الإنسان ألا يغتر بعلمه، ولا يغتر بتدينه؛ لأنه مُعرض في نفسه أو مع الناس إلى الفتن والابتلاءات؛ فالإنسان ضعيف، لذلك صحّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول: «يا مقلب القلوب ثبّت قلبي على دينك»، ونحن نتبع النبي - صلى الله عليه وسلم- ولا سيما ونحن أكثر عُرضة لضعفنا وقلة علمنا.
فالإنسان إذا قرأ مثل هذه الآيات والأحاديث يتأملها ويخاف أن يقع فيما حذرت منه، فالواجب على المؤمن الحذر وألا يغتر بكثرة هو معها، أو كثرة علم عنده، بل يَعتبر بالسُّنة والدليل، وأن يخاف على نفسه ولا يأمن؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- يقول: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}، يعمل بالطاعات، يحذر ويخاف من الفتن والبدع، ويتّبع أهل الحق ويلازم أهل العلم وأهل الدعوة، ويعمل معهم، وهو دائما على خوف وحذر، ويدعو الله -سبحانه وتعالى- صباحا ومساء أن يؤمنه من هذه الفتن، يقول الله -سبحانه وتعالى-: {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}.
ولمن خاف مقام ربه جنتان
وقال -تعالى-: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}، هذا الذي يسلم، قال -تعالى-: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا}. دائما تدعو ألا يزيغ قلبك بعد الهداية.
أفأمنوا مكر الله؟
وفي باب الأسماء والصفات من هذه الآية {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ} نسأل: ألله مكر؟ نعم، وهذه صفة وليست اسما، ولا يجوز أن نأخذ من هذه الصفة اسمًا لله، وكما قال أهل العلم هذه صفة من الصفات الفعلية وليست الذاتية، وهي متعلقة بمشيئة الله ، إذا شاء الله يمكر فإنه يمكر بمن استحق المكر، وهي كالكيد وكالاستهزاء وكالسخرية، قال -تعالى-: {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ}، الله كاد ليوسف نصرة له من كيد إخوانه، ويقول الله -سبحانه وتعالى-: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}.
ويقول -سبحانه وتعالى-: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، إذًا الكيد والمكر والاستهزاء والسخرية، هذه صفات فعلية متعلقة بمشيئة الله، ولا يؤخذ منها أسماء لله، فلا يُقال: الساخر ولا الكائد ولا الماكر ولا المستهزئ فهذا لا يجوز. وهذه صفات نقص ابتداءً، فلا تكون من الله ابتداء، إنما يكون ذلك لسبب سابق، وذلك بأن يكيد الله بمن كاد، ويسخر بمن سَخِر.
هذا سبيل الله
ذكر الإمام -رحمه الله تعالى في الباب نفسه عن ابن مسعود- قال: خطّ لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- خطا ثم قال: هذا سبيل الله، ثم خطّ خطوطا عن يمينه وعن شماله، ثم قال: هذه سُبل متفرقة، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، هذه الآية فسرها النبي بمنهج تعليمي جميل، بأن مثّل لهم معنى الآية بمثال محسوس مشهود لما أخذ في الأرض خطا مستقيما، ثم أتى على جانبي الخط بخطوط متعرجة كثيرة عن يمين وشمال، فقال هذا صراط الله والمنهج الحق، من سار به وصل إلى نهاية الطريق وهي الجنة ورضا الله -عز وجل-، لكن رسم النبي عن يمين وشمال سُبلا، وقال: هذه السبل لا تؤدي إلى نهاية سعيدة، على كل سبيل منها شيطان من الإنس يدعو إلى هذه الطريق المعوجة حتى تقع فيها.
فهذا الحديث كحديث حذيفة «دعاة على أبواب جهنم»، هم هؤلاء وهذه خطورتهم أنهم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، لكن وقف على سبيل من هذه لسبل المتعرجة يريد أن يوردك النار؛ لذلك الحذر الحذر من هؤلاء الدعاة! وهذا الحديث كحديث أبي هريرة ومعاوية -رضي الله عنهما- قال النبي - صلى الله عليه وسلم-: إن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة، وهي الجماعة».
خلاصة الباب
خلاصة الباب أن الإنسان يجب أن يكون دائما على حذر من الفتن ومن دعاة الضلالة وهم كُثُر، وأن الفرق والجماعات والطوائف كثيرة، لكن سبيل الحق واحد وهو كتاب الله وسنة النبي - صلى الله عليه وسلم- بفهم السلف.
لاتوجد تعليقات