شرح كتاب فضل الإسلام للشيخ محمد بن عبدالوهاب (25) تابع: باب فطرة الإسلام
مازال حديثنا موصولاً في باب فطرة الإسلام وشرح الشيخ لقول الله -تعالى-: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}؛ حيث ركز الشيخ على أن الإنسان خلقه الله -تعالى- على الفطرة السليمة، وأن هذه الفطرة هي الإسلام والتوحيد والإيمان بالله -تعالى-، وكنا توقفنا في الحلقة الماضية في شرح حديث حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- عند الحديث عن المسيح الدجال، وأنه من علامات الساعة.
ثم قال -رحمه الله تعالى-: قال أبو العالية -وهو رفيع بن مهران- من أكابر التابعين: تعلموا الإسلام، فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم؛ فإنه الإسلام، ولا تنحرفوا عن الصراط يمينا ولا شمالا، وعليكم بسنة نبيكم، وإياكم وهذه الأهواء!.
أربع وصايا مهمة
يوصي أبو العالية هنا بأربع وصايا:
الوصية الأولى:
تَعلُّم الإسلام
أول الوصايا هي تَعلُّم الإسلام كما علّمه النبي - صلى الله عليه وسلم - للصحابة؛ لأنَّ طرائق تعلم الإسلام كثيرة؛ لذلك نرى -تحت مظلة الإسلام- طرقا ومللا وجماعات كثيرة، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لما علّم الصحابة الإسلام، بدأ بالعقيدة والتوحيد؛ لأنه هو الأصل الذي يُبنى عليه كل شيء، فكان العهد المكي ثلاث عشرة سنة كله عقيدة وكله توحيد، ما أتت تفاصيل الصلاة ولا الزكاة إلا بعد ذلك؛ لذا يجب علينا أن نتعلم الإسلام كما تعلمه الصحابة، ونركز على التوحيد ونبدأ به، وعندما تتعلم الإسلام فأنت تعرفه أيضا، فلا يصح أن تقول أنا مسلم وأنت لا تعرف أركان الإسلام ولا نواقضه.
الوصية الثانية:
لا ترغبوا عن الإسلام
قال: فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه، فبعض الناس يتعلم، لكنه لا ينتقل إلى الخطوة الأخرى بأن يعمل بما يعلم، فهناك من يتعلم الإسلام ليتصدر المجالس أو ليأكل به، وهذا لا ينفعه بشيء. وهذه النصيحة مصداقا لقوله -تعالى-: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}، فعندما تقرأ القرآن لا تجد الإيمان إلا ومعه العمل الصالح؛ لذلك لا ينفع إيمان بلا عمل.
الوصية الثالثة:
عليكم بالصراط المستقيم فإنه الإسلام
وعليكم بالصراط المستقيم فإنه الإسلام، ولا تنحرفوا عن الصراط يمينا ولا شمالا، يقول الله -سبحانه وتعالى-: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ}، فالصراط المستقيم طريق واضح ليس فيه عوج، ونحن نقول في كل ركعة من الصلاة: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}؛ فإذا تعلمت فاستقم واثبت عليه، وهذه الوصية كنصيحة حذيفة للقراء كما مر بنا مِن قبل، وهذا فيه ترابط بين كلام السلف، يقول حذيفة: يا معشر القراء، -أي العلماء بالكتاب والسنة- استقيموا، فقد سبقتم سبقا بعيدا، فإن أخذتم يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا. يقول ابن حجر في الفتح: كلام حذيفة منتزع من قول الله -تعالى-: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ}، فالذي ينحرف يمينا أو شمالا بشبهة يدخل فيها أو شهوة يُبتلى بها، فهذا ترك الحق الذي عرف والصراط الذي مشى فيه، وانحرف فَضَلّ وأضل.
الوصية الرابعة:
عليكم بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم
وعليكم بسنة نبيكم، وإياكم وهذه الأهواء! أي عليكم بطريقة النبي - صلى الله عليه وسلم - وطريقة أصحابه في الاعتقاد والعبادة والأخلاق والسلوك وكل شيء.
تأمل كلام أبي العالية
يقول الشيخ -رحمه الله تعالى- تأمل كلام أبي العالية، واعرف زمانه الذي يُحذر فيه من الأهواء التي من اتبعها فقد رغب عن الإسلام، وتفسير الإسلام بالسنة، وخوفه على أعلام التابعين وعلمائهم من الخروج عن الكتاب والسنة، يتبين لك معنى قوله -تعالى-: {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}. وقوله -تعالى-: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}. وقوله -تعالى-: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ}، ذلك بأن أبا العالية هو أعلم الناس بالقرآن في وقته ومن بعده سعيد بن جبير.
والمتأمل لكلام أبي العالية يجد فيه الفوائد العظيمة، وهذا الكلام في زمانه في القرن الثاني كان يخاف على العلماء من الفتن، فكيف بنا في وقتنا الحاضر؟! فهذا يحتاج منا إلى تأمل حذر وخوف؛ لأن وقتنا اليوم أشد من ذاك الوقت.
الإسلام هو السنة والسنة هي الإسلام
ويقول الشيخ كذلك: تأمل كيف فسّر أبو العالية الإسلام بالسُّنة، ويقول الشيخ البربهاري في هذا الباب: الإسلام هو السنة، والسنة هي الإسلام، ولا يقوم أحدهما إلا بالآخر، الإسلام هو السُّنة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - هو مُبلغ عن ربه ومُبين لما نزل من القرآن، فسنته وطريقته هي الإسلام الذي أراده الله لنا، يقول -سبحانه وتعالى-: {إن عليك إلا البلاغ}. فنحن عرفنا الإسلام وما في القرآن من مُجمل مِن خلال سنته - صلى الله عليه وسلم -، فلا نستطيع أن نتوضأ ونصلي إلا بعد أن نتفقه في سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، والسُّنة هي الإسلام، أي لا فرق بينهما بدليل من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه»، أي السُّنة في بيانها للقرآن وفك مجمله.
لا يقوم أحدهما إلا بالآخر
ثم يقول البربهاري: ولا يقوم أحدهما إلا بالآخر؛ فالذي يدّعي الإسلام ولا يعمل بالسُّنة ليس بمسلم، والذي يتعلم السُّنة ولم يأخذ بالقرآن -كالغربيين وغيرهم- فهذا ما عرف السُّنة وليس بمسلم، فلابد لأحدهما من الآخر، فمن يتأمل كلام أبي العالية، سيعرف معنى هذه الآيات السابق ذكرها؛ لأن فيها وصية أبينا إبراهيم لبنيه، ووصيه سيدنا يعقوب لبنيه، فهذه وصية شاملة للجميع، وهذه هي أصل وصايا أبي العالية ومرجعيته.
حسن الخاتمة هي المُعَوِّل
والخلاصة في قوله -تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}؛ فالإنسان قد يعيش ستين سنة أو سبعين، يعمل الخير ثم يموت على غير ذلك، فهذا هو الخسران العظيم، فحسن الخاتمة هي المُعَوِّل؛ فالإنسان لا يتراخى ولا يثق بنفسه ولا بعمله السابق، وليكن دائمًا على حذر من الفتن، ويتمسك بهذا الدين وهذا المنهج وهذه الوصايا التي وصى بها الأنبياء بنيهم، حتى يخرج من هذه الدنيا على خير وحسن خاتمة.
لاتوجد تعليقات