شرح كتاب فضل الإسلام للشيخ محمد بن عبدالوهاب (17) باب: ما جاء أن البدعة أشد من الكبائر
نكمل ما بدأناه في الحلقة الماضية من الحديث عن أن البدعة أشد من الكبائر؛ حيث قال المؤلف: وفيه -أي في صحيح مسلم- أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن قتل أمراء الجَوْرِ ما صلّوا. يشير -رحمه الله تعالى- إلى حديث عوف بن مالك - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، قيل: يا رسول الله، أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، ثم قال - صلى الله عليه وسلم -: وإذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه، فاكرهوا عمله ولا تنزعوا يدا من طاعة».
يقول النبي: «تحبونهم ويحبونكم»، تحبونهم؛ لأنهم عدلوا فيكم، ولأنهم نصحوا في معاملتكم وسهروا على خيركم، فأنتم تحبون ولي الأمر لهذه المعاملة الطيبة معكم. فالنبي - صلى الله عليه وسلم - يبين أصنافا من أمته ستكون في المستقبل.
وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم
ثم يكمل النبي- صلى الله عليه وسلم - ويقول: «وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم»، فهذا صنف آخر سيكون موجودا من الحاكم والمحكوم. أبغضتموهم لجوْرهم وظلمهم، ويبغضونكم لعدم طاعتكم ولتأليبكم، ولنقضكم على الملأ، ولخروجكم. فهناك بغض متبادل بين الطرفين، «وتلعنونهم ويلعنونكم» اللعن هنا بمعنى السَّب، أي يسبونكم على المنابر، وهو أيضا كولي أمر يسب هذه الجماعة وهؤلاء الناس؛ فالسب متبادل وهو مُشاهد وقد حدث، وهذه طبيعة العلاقة المشدودة المتوترة.
أفلا ننابذهم بالسيف؟
الصحابي لما سمع كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - سأل سؤالا يستفسر «قيل: يا رسول الله، أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة»، إذًا وأنت تراقب إمامك، عندك علامات تحدد العلاقة بينك وبينه، أقام الصلاة في نفسه، أقام المساجد، خدم المصلين، مثل هذا لا تخرج عليه حتى لو كان عنده معصية، لقول النبي- صلى الله عليه وسلم -: «ما أقاموا فيكم الصلاة»؛ ولذلك يقول الشيخ ابن باز -رحمه الله تعالى-: وإن جاروا وظلموا، ما داموا ملتزمين بالإسلام لا يجوز جهادهم، لكن يُناصحون، يُناصحهم أهل العلم بالطريقة الشرعية الصحيحة، بما يحفظ كرامتهم ووقارهم، وبما يوصل الفائدة والرأي السديد إليهم. ويكمل الشيخ ابن باز: وأما إذا أتوا كفرا بواحا وجب جهادهم على من قدر واستطاع.
كيفية التعامل مع ولي الأمر
فهذا الحديث يبين فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - كيف تتعامل مع ولي الأمر، وكيف سيكون الناس أصنافا في هذا التاريخ الطويل من تاريخ أمة النبي - صلى الله عليه وسلم -. وهذا الحديث فيه التحذير الشديد من بدعة الخروج على ولاة الأمور، وأن هذا أخطر بكثير من كَوْن ولي الأمر عنده معصية؛ فيجب أن ننتبه لكي لا يجرنا مشايخ الثورات لفقه مدسوس.
إلا أنْ تروا كفرا بواحًا
وهناك حديث آخر في البخاري ومسلم عن عبادة بن الصامت قال: «إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان». فهناك خمسة شروط حتى تخرج على الحاكم وتجاهده؛ لأنك رأيت عنده كفرا بواحًا.
- الشرط الأول: أن ترى من هذا الحاكم كفرا بواحا، بمعنى أن يكون عندك علم وليس مجرد ظن، أو بالسماع.
- الشرط الثاني: أن تفقه ما الكفر؟ وما ضوابطه؟
- الشرط الثالث: بواحا، أي أن يكون الكفر ظاهر واضحا وضوح الشمس، وليس من الكفر الخفي.
- الشرط الرابع: أن يكون عندكم فيه من الله برهان.
- الشرط الخامس: لو افترضنا أن انطبقت الشروط الأربعة السابقة على الحاكم، فهل نستطيع الخروج عليه؟ ومن الذي يُقدّر الاستطاعة؟ هل أنا من يقدر ذلك أم أهل الاختصاص من الجيش وغيره؟
بدعة الخروج على الولاة
إذًا ما يريده الشيخ من هذا الحديث وإدراجه تحت هذا الباب أن يقول: إنّ بدعة الخروج على الولاة أعظم خطرا من كوْن هذا الوالي عنده معصية، وهذا أمر يُقاس كما يقول أهل العلم: أي المفسدتين تدرأ للأخرى؟ لا شك أن المفسدة العظمى تدرأ وتترك المفسدة الصغرى، فارتكاب أخف المفسدتين هذا هو الفقه، وهذه هي الحكمة.
ثم قال -رحمه الله تعالى-: عن جرير بن عبد الله - رضي الله عنه - أن رجلا تصدق بصدقة ثم تتابع الناس، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «من سنّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» رواه مسلم.
الدين ليس فيه بدعة حسنة
بيّن هذا الحديث أن الدين ليس فيه بدعة حسنة، وليس كما يدّعي بعض الناس ويستدل بهذا الحديث على أن هناك بدعة حسنة، فهؤلاء القوم من أهل اليمن أتوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فرأى من فقرهم وسوء حالهم، فتمعّر وجهه ودعا الناس إلى الصدقة، فكأن الناس تباطؤوا؛ فقام رجل ثم رجع بصرة ثقيلة من الذهب أو الورق ووضعها أمام النبي؛ فتدافع الناس وتشجعوا على ذلك حتى تجمّع أمام النبي كومين من الخير، فسُرّ وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال هذا الحديث. قال أهل العلم: من سنّ سنة حسنة لها أصل في الدين؛ فهذا الصحابي ذكّر الناس بالصدقة، وهذا الأمر الذي غاب عن ذهنهم -وهو التصدق للمحتاج- فهو بذلك سنّ سنة حسنة.
قال: «ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها..»، وهذا من وجه أن البدعة أخطر من المعصية؛ لأنه سيكون عليك وزر هذه البدعة التي أحدثتها في دين الله، وكذلك وزر من تأسى بك وتبعك وقلدك.
ليس كل فاعل للبدعة مبتدعا
وللحديث لفظ آخر من حديث أبي هريرة «من دعا إلى هدى..، ثم قال ومن دعا إلى ضلالة..».
هنا نستفيد أن ليس كل فاعل للبدعة مبتدعا، فمن الناس من يكون في أفعالهم شيء من البدعة، ولو قلت له: هذا الذي تفعله من البدع، يتركه، فهو ليس بداع إلى بدعته، لكن دخل عليه شيء مما رأى أو تأثر، وبعدما تناصحه ينتصح. لكن من دعا إلى ضلالة، هذا قِسم أنشأ البدعة وتشربها وقام بها ودعا إليها، فهذا مبتدع، وهذا المبتدع يُناصح فإن لم ينتصح يُفتضح؛ لأن هذا مخرب في دين الله -عز وجل-، وداع إلى بدعته.
من خطورة البدع
فمن خطورة البدع على أهل البدع أنهم سيتحملون أوزارهم، وأوزارا فوق أوزارهم، ممن تبعهم واقتنع بكلامهم وأخذ بدعتهم. كما قال الله -عز وجل-: {وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ}. وكما قال -سبحانه-: {وأثقالا مع أثقالهم}؛ فالبدعة خطرها عظيم.
لاتوجد تعليقات