محاضرات المخيم الربيعي لتراث الجهراء – منهج النبي – صلى الله عليه وسلم – في مواجهة الأخطاء والتعامل
استضافت جمعية إحياء التراث الإسلامي فرع محافظة الجهراء ممثلة في لجنة الدعوة والإرشاد -في الأسبوع الثاني من المخيم الربيعي التاسع والعشرين- الشيخ د. فتحي بن عبدالله الموصلي من مملكة البحرين؛ حيث كان موضوع المحاضرة: (منهج النبي - صلى الله عليه وسلم - في مواجهة الأخطاء والتعامل معها ورفع الخلاف)، واختار الشيخ الموصلي -من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم - مواضع وقواعد نبوية في التعامل مع الآخرين، وشرح للحضور طريقة النبي - صلى الله عليه وسلم - في التعامل معها وسبل معالجتها.
وفي بداية المحاضرة تناول الموصلي منهج النبي - صلى الله عليه وسلم - في التعامل مع الأخطاء وفي رفع الخلاف؛ حيث بين في بداية محاضرته أن الأمة -اليوم- تمر بثلاث أزمات: أزمة في فهم الدين، وأزمة في التعامل مع المخالف للدين، وأزمة في تطبيق الدين.
بيان المنهج الأكمل في التعامل مع الأخطاء
ثم بين الشيخ الموصلي أنَّ هذه المحاضرة بيان للمنهج الأكمل والطريقة المثلى في التعامل مع الأخطاء الواقعة ومع النزاعات الحادثة التي تعامل بها النبي - صلى الله عليه وسلم -، فكانت طريقته جامعة، يُشخص الداء أولا ثم يصف الدواء، وكانت المنازعات والاختلافات التي تقع في عهده تفضي إلى الاجتماع، بينما منازعاتنا اليوم تفضي إلى مزيد من الاختلاف؛ لهذا نحتاج إلى وقفات لمعرفة هذه الطريقة المثلى وهي الطريقة القرآنية النبوية السلفية الأثرية في التعامل مع الأخطاء ورفع الخلاف.
منهج جامع وقاعدة كبيرة
النبي - صلى الله عليه وسلم - كان موصوفا بالرحمة، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}؛ فكانت رحمته بالمؤمنين ورحمته بغير المؤمنين طمعا في هدايتهم وتأليفا لقلوبهم، والقاعدة العظيمة التي بينها النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الباب، تخبر عنها عائشة -رضي الله عنها وهي أعلم الناس بهديه ومنهجه وسلوكه وطريقته-؛ إذ تقول: كان النبي - صلى الله عليه وسلم -: إذا بلغه عن الرجل شيء -أي شيء غير ممدوح- لم يقل: ما بال فلان يقول كذا وكذا؟ ولكن كان يقول: ما بال أقوام يقولون: كذا وكذا؟ وهذا منهج جامع وقاعدة كبيرة؛ ولذلك حتى نستطيع أن نؤصل في هذا الموضع، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - منهجه في التعامل مع الأخطاء ألا يذكر الأعيان ولا يشتغل بالأفراد، وإنما يصحح المقالات والأفعال اعتمادا على طريقته (ما بال أقوام).
وكما تقول عائشة -رضي الله عنها في الحديث-: (كان النبي) وهي صيغة تدل على الاستمرار فكانت طريقته الغالبة - صلى الله عليه وسلم - التي هو عليها ألا يتعامل مع الأشخاص، إنما مع أفعالهم فينتقل بالخطأ الشخصي إلى معالجة تربوية، فيها جبرٌ للخواطر، وتصحيح للمقاصد بلا تعيير أو فضيحة، فكان المسلم في ذلك الوقت متيقنا بأنه لو أخطأ لن يجد سوى الرفق والرحمة والحكمة، بينما نحن -اليوم- نخشى أننا إذا أخطأنا أن نعاقب ونُصنَّف ونُهجَر لأدنى خطأ يقع منا.
أصول وقواعد مهمة
أريد أن أقف معكم على بعض الأصول المهمة في هذه المعاملة النبوية التي جمعت بين السماحة والرحمة، والشجاعة والغيرة والبصيرة؛ فاجتمعت هذه الخصال في طريقته - صلى الله عليه وسلم -؛ فكان معلما مربيا، وكان طبيبا مصلحا لأخطاء الناس.
القاعدة الأولى:
الأمر بالرفق في جميع الأحوال
ذكر الموصلي الحادثة الشهيرة حينما دخل اليهود إلى بيت النبوة، فقالوا -وقد تجاوزوا القيم والأعراف-: السام عليك، أي الموت عليك، والنبي - صلى الله عليه وسلم - بطريقته المثلي قال: وعليكم، رد السيئة بمثلها واكتفى بهذا، وعائشة -رضي الله عنها- كانت في حجرتها تقول: ففهمتها فردت من باب الغيرة على الدين، قالت: السام واللعنة عليكم، وهذا في ظاهر الأمر من باب رد المنكر بالقوة؛ لأن اليهود تجاوزوا عليه في بيت النبوة و بين أهله والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن في ذاك الوقت ضعيفا؛ إذ كان بين المسلمين وفي منعة، فعائشة -رضي الله عنها- حركتها الغيرة اجتهادا من عندها، بينما نحن في عصرنا هذا إذا وقعنا في هذا المشهد لاشتغلنا برد الفعل لكن هنا النبي تركهم والتفت إلى عائشة فقال: مهلا يا عائشة، وهنا أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى عدم التعجل، وهي رسالة لنا جميعا في حال الخلاف ومعالجة الأخطاء، احذر من العجلة والتسرع! ولاسيما في وسائل التواصل الاجتماعي، حينما يرغب بعض الناس في معالجة الخطأ فيتعجل في الرد.
ثم قال لها: إن الله يحب الرفق في الأمر كله، وهي قاعدة أصولية تسمى جملة عامة تعليلية تفيد الحكم قطعا وليس ظنا، فهذه الجملة عامة محفوظة تعليلية، أصبحت كالقاعدة حتى في سياق اعتداء اليهود على النبي -[-، وهذا يؤدي بنا إلى فهم قضية معالجة الخلاف وضرورة انتهاج منهج الرفق في ذلك؛ فالقضية ليست ردود أفعال وقوة وعضلات يبرزها الشخص، إنما هو منهج رباني في تصحيح الأخطاء وفي تصرفات العباد.
القاعدة الثانية:
مراعاة الأحوال والملابسات ومنشأ الخطأ في تصرفات العباد
فانظر ما دوافع هذا الخطأ؟ ومن أين نشأت؟ هذا المخطئ ما حاله؟ عالم أم جاهل؟ ضال أم غافل؟ والعلم بأحوال المخطئين قبل الشروع في معالجة أخطائهم، وضرب الموصلي مثلا في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما جاء رجل من بني فزارة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن امرأتي ولدت غلامًا أسود -وهو يريد الانتفاء منه-؛ فقال له: «هل لك من إبل؟» ، قال: نعم، قال: «ما ألوانها؟»، قال: حُمْر، فقال له: «هل فيها من أورق؟»، قال: نعم، قال: «فأنى كان ذلك؟»، قال: أراه عرقٌ نزعه، قال: «فلعل ابنك هذا نزعه عرق»، وهنا عالج النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الموقف وأخرج الشبهة من موضع الشبهة! فالرجل دخل شاكا ورجع متيقنا.
تصور الواقع
فالنبي - صلى الله عليه وسلم - في كل نازلة وفي كل أزمة ونزاع ينطلق من الوحي أولاً ثم من تصور الواقع، ثم البحث عن الواجب الملائم لهذا الواقع، بمعنى أي مشكلة تقع يجب أن نتصور دوافع هذا الخلاف، خلاف بين زوجين لا بد أن تفهم واقع هذه الأسرة، خلاف بين دعاة لابد أن تتصور واقعهم؛ فالنبي- صلى الله عليه وسلم - كان بين أصحابه قال لهم حديثا عظيما: ستكون أثرة وأمور تنكرونها أي استئثار للمصالح وأمور ننكرها فهذا شبيه بواقعنا، ما سألوه هل سندرك هذا أو لا؟ قالوا: يا رسول الله بماذا تأمرنا؟ قال: أدوا الحق الذي عليكم واسألوا الله من فضله، فلا ينفع الانتقاد ولا ردود الأفعال فأمام المسلم حلاّن: الانشغال بالوقت وتأدية الواجب وسؤال الله من فضله.
القاعدة الثالثة: إنكار المنكر بأيسر الطرق
وأشار الموصلي إلى الحديثِ الصحيح: أن أعرابيًا بال ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺴﺠﺪ فركض إليه الصحابة ليزجروه ويقعوا ﻓﻴﻪ؛ فنهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك وقال لهم: اتركوه ليتم بولته، ﻭﺃﺭﻳﻘﻮﺍ ﻋﻠﻰ ﺑﻮﻟﻪ دلواً ﻣﻦ ﻣﺎء؛ ﻓﺈﻧﻤﺎ ﺑﻌﺜﺘﻢ ﻣﻴﺴﺮﻳﻦ ﻭﻟﻢ ﺗﺒﻌﺜﻮﺍ ﻣﻌﺴﺮﻳﻦ.
فما موقف النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذلك؟ أنه أزال هذا المنكر بأيسر طريقة ولم يُعنف الرجل؛ فالتفت النبي - صلى الله عليه وسلم - إليه وأشار إليه: إنما هذه المساجد لا يصلح فيها هذا الأمر، لكن عندما توجه للصحابة -وهم الصف الأول- قال: إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين، فأنتم أصحاب رسالة لرفع الحرج عن المسلمين والتيسير عليهم، فزال هذا الإشكال من خلال تغيير المنكرات.
القاعدة الرابعة: معرفة الدوافع
معرفة الدوافع التي حمَّلت المخطئ الخطأ
ضرب الموصلي مثلا بحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - في قصة حاطب بن أبي بلتعة الذي يعد ما فعله إفشاء لأسرار الدولة على الرغم من فداحة ما حدث، ليأتي العلاج النبوي في معالجة المشكلة؛ فقال النبي لحاطب: يا حاطب -ولاحظ مخاطبة الإنسان باسمه ففيها نوع من الملاطفة- ما الذي حملك على هذا؟ هنا قال يا رسول الله، إنما فعلت ذلك حماية لأهلي وتأليفا لقلوب المشركين ألا ينكلوا بهم، ثم قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: يا عمر إنه بدري ولعل الله اطلع على قلوب أهل بدر؛ فقال اعملوا ما شئتم؛ فقد غفرت لكم.
لاتوجد تعليقات