محاضرات المخيم الربيعي – ثمرات العطاء
الشيخ. فهد الجنفاوي
كلمة العطاء هي من الكلمات الجميلة؛ لأن فيها مساعدة وعطاء للآخر، يحتاجه كل مسلم، بل ويحتاجها كل مجتمع حتى يكون عندهم أناس يبذلون، وعندهم عطاء، ويكون عندهم تفان في أداء أعمالهم أو وظائفهم أو عطائهم، وما كان زائدا عن ذلك فكان تطوعا، فإن هذا مما يصلح فيه أي مجتمع من المجتمعات،
والعطاء في صورته الظاهرة ينصرف في الأمور المالية أو المادية؛ فيقول فلان أعطى فلانا، أي أعطاه شيئا من المال، وفي شريعة الإسلام العطاء أوسع وأعظم من أن يكون مالا؛ إذ إن الله -تعالى- أمرنا بأن نعطي من أموالنا وأنفسنا وأعمالنا وكل ما نستطيع أن نعطي به ونقدم لله -تبارك وتعالى- أن نقدمه، قال الله -تعالى-: {يأيها الذين ءامنوا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ}.
الإنسان مطالب بالعطاء
فالإنسان مطالب بأن ُيعطي وأن يُؤدي وأن يخدم هذا الدين العظيم، لكن حديثنا اليوم عن ثمرات العطاء في الدعوة إلى الله -تعالى- والعلم، فهذا الدين يحتاج منا إلى عمل وجد واجتهاد قال الله -تعالى-: {يأيها المدثر. قم فأنذر}، فالله أمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - بأن يقوم ويعمل، ويكون عنده عطاء وبذل حتى يخرج الناس من الظلمات إلى النور، وهذا هو أعظم العطاء، أن تنفع الناس في أمور آخرتهم؛ ولذلك قام النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا الواجب على أكمل ما يكون، ودعا الناس وبين لهم وذهب مهاجرا من مكة إلى المدينة والطائف، وأهل الطائف آذوه إيذاء شديدا، وخرج خلفه النساء والصبيان يضربونه ويعتدون عليه، حتى أدموا قدميه الشريفتين، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، نظرت فإذا بجبريل ومعه ملك الجبال وقال: إن الله -تعالى- أرسله معه لتأمره بما تشاء وإن شئت أطبق عليهم الأخشبين، فقال - صلى الله عليه وسلم -: أرجو الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله» أو كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا يدل على قيمة عطائه، والحجم الذي يوديه لكي يخرج الناس من الضلال إلى الهداية.
اتباع منهج الأنبياء والمرسلين
فكانت أول ثمرة من ثمرات العطاء في الدعوة إلى الله -تعالى- هي اتباع منهج الأنبياء والمرسلين، ما وظيفتهم؟ وما عملهم؟ فجميع الأنبياء والمرسلين وظيفتهم القيام بهذا الواجب العظيم الذي هو أشرف الوظائف والأعمال وهو «الدعوة إلى الله -تعالى- «والله يقول: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}.
القيام بواجب الدعوة إلى الله -تعالى
وثاني هذه الثمرات: القيام بواجب الدعوة إلى الله -تعالى- {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}؛ فهذا أمر من الله -تعالى- كما أمرنا بالصلاة والزكاة والحج الله؛ ولهذا الواجب علم النبي - صلى الله عليه وسلم - وربى الصحابة؛ فكان يرسل مصعب بن عمير إلى المدينة، وأرسل أبا موسى الأشعري (عبدالله بن قيس) إلى اليمن مع معاذ بن جبل للقيام بواجب الدعوة إلى الله -عز وجل-، وقال لهم» فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإن هم أجابوك لذلك، فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أجابوك لذلك فأخبرهم أن الله أوجب عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وتعطى لفقرائهم»؛ فالدعوة لها ترتيب ونظام وأولويات، وأول هذه الأولويات القيام بالتوحيد، وهو إفراد الله بالعبادة، وهذا ما كان يدعو إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - في مكة ثلاثة عشر عاما، فأنت تقوم بالدعوة أيضا في بيتك حتى مع صغارك، لابد أن تعلمهم التوحيد والإيمان، وإفراد الله بالعبادة، وأنه لا أحد يستحق العبادة سوى الله -جل وعلا- مثل ما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبدالله بن عباس قال له: يا غلام، -وكان غلاما صغيرا-، ولما جاءت الجارية الصغيرة قال لها: أين الله؟ قالت: في السماء فقال لها: ومن أنا؟ قالت له: أنت رسول الله، قال أعتقها فإنها مؤمنه، إذا التربية تكون منذ نعومة الأظافر على التوحيد والإيمان بالله -تعالى- والثقة بالله والتوكل عليه،
وأوصى النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل بعد أن أعطاهم أولويات الدعوة وهذه وصية لكل الدعاة فقال لهما: اتفقا ولا تختلفا، واجتمعا ولا تفترقا، وتطاوعا ولا تنازعا» فهذه أيضا من مهمات الدعوة لأن الدعاة إذ هم تنازعوا وتفرقوا واختلفوا فشلوا: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}، وما معنى تطوعا: أن يُطوع أحدكم رائيه لرأى أخيه، وهذه وصايا مهمة جدا في الدعوة إلى الله -تعالى- بدأها النبي - صلى الله عليه وسلم - بمهمات الدعوة، فالأمر إذا كان فيه سعة فلا مانع أن يُطوع الأنسان رائيه لرأي أخيه.
الاستجابة لأمر الله -تعالى
ومن ثمرات العطاء في الدعوة إلى الله -تعالى-: الاستجابة لأمر الله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}، وأعظم ما دعانا الله إليه القيام بواجب الدعوة إلى الله -تعالى-؛ ولهذا أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - الصحابة أن يقوموا بواجب الدعوة، وهنا قد يقول قائل: أنا لا يوجد لدي علم أنقله وأتكلم به في المساجد وغيرها، أقول: ولو كان عندك من العلم ولو كان قليلا فالقليل عند الله كثير، المهم أن تبذل وتجتهد وتعمل، جاء عبدالرحمن بن صخر الدوسي (أبو هريرة) - رضي الله عنه - للنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو حزين، فقال ما بك يا أبا هريرة؟ قال يا رسول الله، إن أمي قد أسمعتني فيك ما أكره؛ فادع الله لأمي، فرفع النبي يده وقال: اللهم اهد أم أبي هريرة، يقول فلما دخلت عليها، فإذا بصوت خرير الماء، وقالت إليك عني، فانتظرت حتى انتهت من الماء وكأنها تغتسل؛ فلما فتحت الباب، ما تكلمت معها ولا كلمة، قالت: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله، فرجع يبكي لرسول الله مرة أخرى؛ فقال له: ما بك يا أبا هريرة؟ فقال: أمي أسلمت، فالبكاء المرة الأولى من الحزن والثانية فرحا.
أبو ذر - رضي الله عنه - وكلمة التوحيد
أبو ذر الغفاري - رضي الله عنه - جاء لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد الإسلام؛ فعلمه النبي - صلى الله عليه وسلم - كلمة التوحيد «لا إله إلا الله»؛ فقال له: يا رسول الله، أرسلني إلى قومي، فقال اذهب إلى قومك وادعهم للإسلام، فلما جاء أبو ذر الغفاري أسلم قومه وذهب بهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فقال النبي من هؤلاء؟ فقالوا هؤلاء غفار جاؤوا ليسلموا؛ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - غفار غفر الله لهم، وكان أبو ذر أسلم للتو، ولم يكن عنده كثير علم ولا دعوة، ولكن لما كان عنده هم الدعوة إلى الله -تعالى- قام بهذا الواجب العظيم.
المسارعة في الخيرات
أيضا من ثمرات العطاء في الدعوة إلى الله -تعالى-: المسارعة في الخيرات قال الله -عز وجل-:{وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} فأنت عندما تقوم بواجب الدعوة تسارع في الخيرات، فكم من أشخاص كانوا سببا في هداية آخرين، وكل ما عملوه من عمل أو جهد فإنه في ميزان حسناتهم، قال - صلى الله عليه وسلم -: «من دل على هدى كان له مثل أجور من تبعه غير أنه لا ينقص من أجورهم شيئا»
التسديد في القول
أيضا من ثمرات العطاء في الدعوة إلى الله -تعالى- التسديد في القول، قال الله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}، فاليوم نحن حقيقة بحاجة للدعوة إلى الله -تعالى- في كل مكان، في مساجدنا ومقرات أعمالنا، في بيوتنا، حتى في أماكننا الخاصة؛ لأن هذا من أوجب الواجبات، ولا تحتقر كلمة تقولها لأجل الله، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق»، فبعض الدعاة أسروا قلوب المدعوين بابتسامة وسلام.
صلاح الذرية
أيضا من ثمرات الدعوة إلى العطاء في الدعوة إلى الله -عز وجل- «صلاح الذرية» فعندما تقوم بواجب الدعوة إلى الله -تعالى- يعينك على صلاح ذريتك.
الأمنة من عذاب الله -تعالى
وأيضا من ثمرات العطاء في الدعوة إلى الله -تعالى- «الأمنة من عذاب الله -تعالى-»: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ}، فنسعى بالصلاح وهذا الواجب حفاظا على بلادنا، وحفاظا على مجتمعاتنا وعلى أهلنا.
زيادة الحسنات
وأيضا من ثمرات العطاء أنك تأتي يوم القيامة بحسنات مثل الجبال، تقول: يا رب من أين لي هذا؟ كل ذلك بتعليم الناس ونقل دعوة الله -تعالى- للآخرين، وأيضا من أسباب الفوز والسعادة، قال الله -تعالى-:{وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} تواصوا بالحق: بالدعوة إلى الله -تبارك وتعالى.
هذه بعض ثمرات العطاء بالدعوة إلى الله -تبارك وتعالى- التي نحتاجها اليوم في بيوتنا وأُسرنا؛ فاليوم الناس في إقبال وعطش للدعوة، فكم من الشباب أثرت فيهم كلمة أو قول أو رسالة أو مقطع، واليوم -والحمد لله- هذه الوسائل كثيرة، فوسائل الدعوة تعددت وأنت مأجور عليها، فهناك بعض الناس اليوم أصبح عنده من السلبية مدعيا بأنه لا يقوم بهذا الواجب لأنه لوحده؛ فالنبي - صلى الله عليه وسلم - بدأ بالدعوة وكان وحيدا، فلا تستقل بعمل صالح؛ فالله -عز وجل- يبارك في العمل القليل فيكون كثيرا عند الله -تعالى-، ودائما أوصي بقوله - صلى الله عليه وسلم - «لا تحقرن من المعروف»، فربما يكون هذا المعروف هو سبب دخولك الجنة إما كلمة طيبة، أو نشر لحديث نبوي كريم، أو نهي عن منكر أو أمر بمعروف أو ذكر لله -تعالى-، أو بيان فضل من الفضائل من الأعمال الصالحة؛ فإن فيه أجرا عظيما عند الله -تعالى.
لاتوجد تعليقات