شرح كتاب فضل الإسلام للشيخ محمد بن عبدالوهاب (10) باب: قول الله -تعالى {ومن يبتغ غير الإسْلامِ دِينً
كتاب فضل الإسلام من أَقْيَم كتب الشيخ محمد بن عبدالوهاب، لذلك اعتنى به العلماء شرحًا وتعليقا، وهو كتاب فيه حث على التمسك بالإسلام ظاهرًا وباطنًا، وفيه التحذير من البدع وبيان خطرها على الأمَّة والمجتمع والأسرة وعلى الفرد، وفيه بيان لرسالة السلف، وأن السلف يحملون منهجًا ورسالةً، فهذا الكتاب يظهر بعضها،
هذا الباب فيه بيان قضية مهمة جدا، يجب على الجميع أن يعلمها، وهي أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي لا يقبل الله -سبحانه وتعالى- سواه، لا يقبل الله -سبحانه وتعالى- من أحد أن يتديّن له وأن يتعبد له بغير دين الإسلام،
الإسلام هو ما جاءت به الرسل
الإسلام هو ما جاءت به الرسل، كل الرسل في كل وقت، كلٌّ بحسبه؛ فالذين اتبعوا سيدنا إبراهيم كانوا مسلمين، والذين اتبعوا موسى - عليه السلام - كانوا مسلمين، وكذلك في زمن عيسى ونوح، وكل الأنبياء؛ لأن الدين واحد، أن يُفرد الله -تعالى- بالعبادة، وألا يُشرك به أحد، أما الشرائع فتختلف، لكن الناس في زمن نبيهم هم المسلمون، هذا قبل بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم -، أما بعد أن بُعِثَ النبي - صلى الله عليه وسلم - فالإسلام ما أتى به النبي -صلى الله عليه وسلم - على وقته وبعده؛ فإذا أتى إنسان الآن وقال: أنا أعبد الله بدين غير دين الإسلام، فلن يٌقبل منه، {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ}،
ميثاق الله -سبحانه وتعالى- على كل النبيين
لو وُجِد نبي في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما وسعه إلا أن يتبع النبي - صلى الله عليه وسلم -، يقول الله -سبحانه وتعالى- {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ (81) فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}، ميثاق أخذه الله -سبحانه وتعالى- على كل النبيين، وإذا أُخذ الميثاق على نبي فهو مأخوذ على أمته؛ فهذه الآية العظيمة تفيد أن الدين في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الإسلام وبعد زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الإسلام لا غير؛ ذلك أن الأمر لله -عز وجل-، وهو الذي أمر بذلك، ليس بهواك ولا اختيارك ولا باستحسانك؛ فالدين لله، وحَكَم الله -سبحانه وتعالى- أن يكون الإسلام ناسخا لكل الأديان، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لو كان أخي موسى حيًا بين أظهركم ما حلّ له إلا أن يتبعني»، فالذي يدّعي في هذا الزمان أي دين غير دين الإسلام لا يُقبل منه أبدا.
فئتان يبتغون غير الإسلام دينا
الفئة الأولى
فئة من غير المسلمين، كل الأديان التي نراها الآن من غير المسلمين غير مقبولة من أهلها، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلت به إلا كان من أصحاب النار»، إذًا أي إنسان يسمع بالنبي - صلى الله عليه وسلم - توجب عليه أن يأخذ ويقبل ما دعا إليه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإن لم يأخذ به فليس له إلا النار.
الفئة الثانية
هم من المسلمين، لكنهم رفعوا رايات غير دين الإسلام، وإن سُمّي هذا إسلام، لكن عليهم من الوزر بحسب ما خرجوا عن الدين، إن كانت معصية فهي معصية، وإن كان كُفرا فهو كُفر، فالثلاث وسبعين فرقة تتفرع، كل فرقة تندرج تحتها فِرَق، إذًا فالدين هو دين الإسلام، وهذا ما يريد المؤلف -رحمه الله تعالى- أن يبيّنه.
قال: عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «تجيء الأعمال يوم القيامة، فتجيء الصلاة فتقول: يا رب أنا الصلاة، فيقول: إنك على خير، فتجيء الصدقة فتقول: يا رب أنا الصدقة، فيقول: إنك على خير، ثم يجيء الصيام فيقول: يا رب أنا الصيام، فيقول: إنك على خير، ثم تجيء الأعمال على ذلك، فيقول: إنك على خير، ثم يجيء الإسلام فيقول: يا رب أنت السلام وأنا الإسلام، فيقول الله -عز وجل-: إنك على خير، بك اليوم آخذ وبك أُعطي»، قال الله -تعالى- في كتابه {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين}، هذا الحديث ضعّفه بعض أهل العلم، وصححه بعض أهل العلم، فنستفيد منه بما يشهد له من أحاديث أخر، فهو عند بعض أهل العلم صحيح.
الأعمال يوم القيامة
«تجيء الأعمال يوم القيامة» أول مسألة، الأعمال تصوّر يوم القيامة فتكون شيئا يُشاهد ويُكلم الله -عز وجل- ويكلمه الله، بعض الناس يؤولون ويقولون: يأتي ثواب الصلاة وثواب الصيام، ونحن لا نحتاج إلى تأويل، بل نقر النص على ظاهره، ألم يقل الله -سبحانه وتعالى- في كتابه الكريم: {وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء} هذا جلدك سيتكلم وسيشهد عليك، فالله -سبحانه وتعالى- قادر على كل شيء.
يوم القيامة تتنافس أعمالك الطيبة (صلاتك، صدقتك، برك بوالديك، إحسانك للجار) كل هذه الأعمال الطيبة تأتي وتتنافس لتشفع لك، تأتي الصلاة لتشفع لك، فيقول الله -سبحانه وتعالى- لها: أنت على خير، كأنه يقول الآن لا نريدك، إنما نريد شيئا آخر، ثم يأتي الصيام، فيقول الله: أنت على خير، وهذا يعني أنك ستستفيد من صلاتك ومن صيامك ومن صدقتك ومن إحسانك، لكن الله -سبحانه وتعالى- في هذا الحديث يريد الأصل العام، فتأتي الأعمال تلو الأعمال فيقول الله لها: أنت على خير، حتى يأتي الإسلام، يأتي الدين الذي تدينت به لله -عز وجل-، هل هو الإسلام أم دين آخر؟ وهل هو الإسلام الصحيح أم على منهج باطل؟ فلابد أن يستقيم الأصل لك، فإذا استقام الأصل فأهلًا بالصلاة والصيام والحج والصدقة؛ فإنها تصح وتشفع، لكن ماذا ينفع إذا كان الأصل خربا، لا يقبل الله -تعالى- إلا الإسلام.
من تدين بدين سيدنا موسى -عليه السلام- ومات قبل النبي -[- فهذا على دينه، أما الآن فلا يسعه أن يقول أنا على دين موسى؛ فموسى -عليه السلام- لو أتى الآن لما وسعه إلا أن يتبع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فمن مات قبل بعثة النبي وكان قد اتبع نبيه اتباعا صحيحا فهو على دينه، وهو مسلم، أما بعد النبي فلا.
من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد
ثم قال: وفي الصحيح عن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله -[- قال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» رواه أحمد وأخرجه البخاري ومسلم، فأي إنسان يستحسن دينا غير دين الإسلام لن يُقبل منه، وإذا كان في دائرة الإسلام وابتدع ملة أو جماعة أو طريقة على غير طريقة النبي - صلى الله عليه وسلم - فلن يُقبل منه وهو مبتدع، فالإسلام ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال -تعالى-: {لَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، هذا فقط هو صاحب الفلاح، أما من اختار طريقا آخر فلا ينفعه هذا الطريق أبدا.
فمعنى الكلام أنه يجب على الأمة أن تتبع الإسلام، وأنه لا نجاة ولا سعادة للخلق إلا بالإسلام، هذه حقيقة من أخذ بها نجا، ومن تركها هلك.
لاتوجد تعليقات