أ ضْرَارُ الْبِدَع
حذر فضيلة الشيخ عبدالرزاق البدر من البدع وبين أن لها أخطار عظيمة وأضرار جسيمة وعواقب وخيمة ويجب على كل مسلم الحذر منها ومجانباً لها ومبتعداً عنها. وأوضح أن البدع شرٌ كلها وضررٌ جميعُها، ولهذا كان نبينا - صلى الله عليه وسلم - في خطبه الجامعة ومواعظه البليغة يؤكد ويكرر تحذيرًا من البدع ونهيًا عنها وتبيانًا لخطورتها وعِظم مضرتها على الأمة.
روى الإمام مسلم في كتابه الصحيح عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ، وَيَقُولُ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»، وروى ابن ماجة وغيره عن العرباض بن سارية - رضي الله عنه - قال: قام فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوعظنا موعظةً بليغة وجِلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: «عَلَيْكُمْ بِتَقْوَى اللهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَة وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا؛ فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ».
إن البدع لها أخطار عظيمة وأضرارٌ جسيمة وعواقب وخيمة على أهلها وأربابها في دنياهم وأخراهم، فيجب على كل مسلم أن يدرك خطورة البدع ومضرتها العظيمة ليكون منها على حذر، وليكون مجانبا لها مبتعدًا عنها محاذرًا من اقترافها وارتكابها.
- فمن أخطار البدع وأضرارها:
عدم القبول
أنها موجبةٌ لرد العمل وعدم قبوله مهما كثُر العمل وتعدَّد وكبُر، وقد جاء في الصحيح عن نبينا - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»، وفي رواية: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» أي مردودٌ على صاحبه غير مقبولٍ منه.
ضياع السنن
- ومن مخاطر البدع أنها موجبةٌ لضياع السُّنن وخفائها وبُعد الناس عنها، فعن حسان بن عطية -رحمه الله- قال: «ما ابتدع قومٌ بدعة إلا نزع الله منهم من السنَّة مثلها؛ فإن الإقبال على البدع موجبٌ لضياع السنن وخفائها».
نقص العقيدة
- ومن مخاطر البدع أنها تنطوي على عقيدةٍ في نفوس أهل البدع، أنَّ في السنَّة نقصًا وعدم وفاء، وما أخطر ذلك! فإن الله -عز وجل- يقول: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} (المائدة:3)، ولهذا جاء عن الإمام مالك (إمام دار الهجرة) -رحمه الله تعالى- أنه قال: «من قال في الدين بدعة حسنة فقد زعم أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - خان الرسالة؛ لأن الله يقول: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} (المائدة:3)، فما لم يكن ديناً زمن محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه فلن يكون اليوم ديناً إلى أن تقوم الساعة».
التباس أمر الدين
- ومن أخطار البدع أنها توجِب التباس أمر الدين بين الناس، ولاسيما بين العوام وأشباههم؛ فيظن الناس من الدين ما ليس منه، وكذلك يظن المسيء أنه محسنا، والله -تعالى- يقول: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}(الكهف:103-104).
عدم التوفيق للتوبة
- ومن مخاطر البدع أن صاحبها في الغالب لا يتوب منها؛ لأنه يعتقد أنها حق وصواب، ولهذا قال سفيان الثوري -رحمه الله-: «البدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ لأن المعصية يُتاب منها والبدعة لا يتاب منها».
وجوب العقوبة من الله
- ومن مخاطر البدع العظيمة أنَّ البدع توجِب عقوبة الله -سبحانه وتعالى- والطرد يوم القيامة من الشرب من الحوض المورود (حوض نبينا المصطفى ورسولنا المجتبى) -صلوات الله وسلامه عليه-، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يُجَاءُ بِأَقْوَامٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فُيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ يَا رَبِّ أُصَيْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ».
التباغض والفرقة والتدابر
- ومن أخطار البدع أيضا أنها موجبةٌ للتباغض والتدابر والفُرقة؛ ولهذا يقال «أهل السنة والجماعة»، ويقال «أهل البدعة والفرقة»؛ فإن السنَّة تجمع والبدعة تفرِّق، ولهذا قال أحد أهل العلم في معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «لَا تَبَاغَضُوا»: في ذلك نهيٌ عن البدعة؛ لأن وجودها يوجِد البِغضة.
الظلمة في الوجه
- البدع ظلمةٌ في الوجوه، ووحشةٌ في الصدور، ومفسدةٌ للأعمال، وموردة للضلال، وموجبةٌ للعقوبة؛ ألا ما أحرانا أيها العباد أن نتقي البدع ونحذرها! وأن نحرص على السنة بأن نكون من أهلها المحافظين عليها الثابتين عليها إلى الممات.
لاتوجد تعليقات