خطبة الحرم المكي – معيار التفاضل بين الناس هو الإيمان والتقوى
جاءت خطبة الجمعة في الحرم المكي بتاريخ 3 من صفر 1443هـ - الموافق 10/9/2021م للشيخ فيصل غزاوي عن معيار التفاضل بين الناس هو الإيمان والتقوى؛ حيث بين الشيخ -حفظه الله- كيف يكون حال الإنسان إذا ضلّ طريقه ونسي الغاية التي من أجلها خُلِق؟ إنه كمن حذّر الله من حاله بقوله {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا}، غفل عن الله فعاقبه بأن أغفله عن ذكره، وشُغِل بالدنيا عن الدين وعبادة ربه، واتبع هواه وما اشتهت نفسه شيئا إلا تبعته ولو كان فيه هلاكها وخسرانها، فهو كمن ذم الله بقوله: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ}. فكانت أعماله وفعاله سفهاً وتفريطا وضياعًا. وقد قيل من ضيّع أمره ضيّع كل أمر، ومن جَهِل قدره جَهِل كل قَدْر؛ ولذلك فلينظر كل امرئ ما قيمته وما قدره؟ ما عمله وما الذي يُحْسنه؟ ما همّته وما مطالبه؟
لكن أكثرهم لا يعلمون
ثم ذكر الشيخ غزاوي أنّ الله -تعالى- ميّز بين من يطلب الدنيا العاجلة، يعمل لها ويسعى ولا يرجو ما عند الله، وبين من يريد الآخرة ويطلبها ويعمل لها؛ فقال -سبحانه-: {مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا}. وقال الله -تعالى-: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} فوصفهم بأنهم لا يعلمون، مع أنهم قد يعلمون ظواهر من الدنيا، وربما يكون أحدهم ذا دِراية وخبرة في كثير من المعارف والفنون الدنيوية، ولذلك قال الحسن البصري -رحمه الله-: والله ليبلغ من علم أحدكم بدنياه أنه يُقَلّب الدرهم على ظفره فيخبرك بوزنه وما يُحسن أن يُصلي، وقال بعض السلف: يعرفون أمر معيشتهم ودنياهم، متى يزرعون؟ ومتى يحصدون؟ وكيف يغرسون؟ وكيف يبنون؟. وقال -تعالى- في ذمّ أقوام: {ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ} أي إن طلب الدنيا والسعي لها هو غاية ما وصلوا إليه، وإن نهاية علمهم أنْ آثروا الدنيا على الآخرة.
معيار التفاضل بين الناس
ثم تطرق إمام الحرم إلى بيان الأساس الذي يَميزُ الناس، ومعيار التفاضل بينهم، هل هو الهيئة والصورة والمظهر؟ لا، فمما خصّ الله به قوم هود ما جاء في قوله -تعالى- على لسان نبيهم: {وزادكم في الخلق بسطة}، أي في القوة وعِظَم الأجسام وشدة البطش، لكن لم يكن لهم قدر ولا شرف ولا كرامة؛ إذ جحدوا نعمة ربهم، وكذّبوا رسله، فاستأصلهم الله بعذاب، كما قال -سبحانه-: {وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا}.
إياك والاغترار بالمنافقين!
وقد أكد فضيلته أن مما حذر الله منه، الاغترار بظاهر المنافقين وما هم عليه من هيئات ومناظر، وحسن منطق وفصاحة، قال -تعالى- {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ}، وجاء عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة». اقرؤوا {فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا}، فمثل هذا ليس له قدر ولا مقدار؛ لخلو قلبه من الإيمان، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم».
رجل عظيم القدر رفيع الشأن
وقد ضرب الشيخ غزاوي بعض الأمثلة فقال: وانظروا في المقابل على سبيل المثال حال الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- لما ضحك بعض الصحابة من دقة ساقيه، قال - صلى الله عليه وسلم -: «والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد» وقد جاء في وصفه -رضي الله عنه وأرضاه- أنه كان رجلا نحيفا قصيرا، شديد الأُدْمة، أحمش الساقين، لطيف الجسم، ضعيف اللحم، وكان إذا مشى يوازي بقامته الجلوس، وما ضرّه ذلك كله، ولم يحط من قدره، فهو عظيم القدر عند الله، رفيع الشأن يوم القيامة.
لو أقسم على الله لأبرّه
وفي صحيح البخاري مرّ رجل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال لرجل عنده جالس: ما رأيك في هذا؟ فقال: رجل من أشراف الناس، هذا والله حري إن خطب أن ينكح، وإن شَفَع أن يُشفّع، قال: فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم مرّ رجل آخر فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما رأيك في هذا؟ فقال: يا رسول الله، هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حريٌّ إن خطب ألا ينكح، وإن شفع ألا يُشفّع، وإن قال ألا يُسمع لقوله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هذا خيرٌ من ملء الأرض من مثل هذا.
فقد يكون الرجل ذا منزلة عالية في الدنيا وليس له قدر عند الله، وقد يكون في الدنيا مما لا يُأْبَه له وليس له قيمة عند الناس، وهو عند الله خير من كثير ممن سواه، ومما يشهد لذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «رُب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبرّه».
ميزان الناس
ثم وضح فضيلته سائلا: هل يوزن الناس وتتفاوت أقدارهم بما عندهم من أموال وأولاد؟ أو بما هم عليه من حسب ونسب؟ فالجواب: أن الله قد ذمّ قوما فقال {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ}. ومما يغتر به العبد أن يعطيه الله من النعم، ويُغدق عليه وهو مقيم على معاصيه، فيظن أن له عند الله قدرا ومكانة بينما هو استدراج، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج» ثم تلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -قوله -تعالى-: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ}.
لا ينفع حسب ولا نسب
وأكد إمام الحرم أنه لا ينفع الإنسان حسبه ولا نسبه ولا قرابته، وانظر مآل أبي لهب رغم قرابته من النبي - صلى الله عليه وسلم - {تبت يدا أبي لهب وتب. ما أغنى عنه ماله وما كسب. سيصلى نارا ذات لهب}.
لعمرك ما الإنسان إلا بدينه
فلا تترك التقوى اتكالا على النسب
فقد رفع الإسلام سلمان فارسٍ
وقد وضع الشرك الشريف أبا لهب
ويقبح بالمرء أن يتكبر فيفخر بحسبه ويحتقر غيره فيطعن في نسبه، ويكفيه إثما وذما أن ذلك من خصال أهل الجاهلية، قال - صلى الله عليه وسلم -: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة».
لا أغني عنكم من الله شيئا
ثم توجه إمام الحرم بالنصيحة فقال: على كل مسلم أن ينقاد لشرع الله، ويستقيم على طاعة الله، ولا يعتمد على نسبه ولا ماله، ولا عمل غيره، لذا وجّه - صلى الله عليه وسلم - قومه وعشيرته وقرابته فقال: «يا بني عبد مناف، لا أُغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبدالمطلب، لا أُغني عنك من الله شيئا، و يا صفية عمة رسول الله، لا أُغني عنك من الله شيئا، و يا فاطمة بنت محمد، سَليني ما شئت من مالي، لا أُغني عنك من الله شيئا». كما أنه لا يكفي المرء الانتساب إلى الإسلام من غير أن يتمسك بأهدابه، ويعمل بأحكامه، ويمتثل قِيَمه وأخلاقه.
معيار التفاضل هو الإيمان والتقوى
ثم خلص الشيخ غزاوي إلى أن المرء لا يوزن بحسبه ونسبه، ولا بمتاعه وماله، ولا بزينته ومظهره وجماله، ولا بمنصبه وجاهه ورتبته وألقابه، لكن المعيار في التفاضل بين الناس الإيمان والتقوى كما قال -تعالى- {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}. فالتقوى أساس الرفعة والشرف.
ألا إنما التقوى هي العز والكرم
وحبك للدنيا هو الذل والسقم
وليس على عبد تقي نقيصة
إذا صحح التقوى وإن حاك أو حَجَم
الميزان الصحيح
ثم بين إمام الحرم أن الميزان الصحيح والمحك الحقيقي لبيان قدر العبد ومكانته عند الله -تعالى- إيمانه، وباعتبار ما في قلبه من محبة لله وإخلاص وإخبات وخوف ورجاء وتقوى، وباعتبار العمل الذي يبرهن به صاحبه من صلاح معتقده، وحسن سيرته واستقامته، واعتزازه بدينه وتمسكه به وثباته عليه، ومحافظته على مبادئه وقيمه وأخلاقه.
انتكاس الموازين
وقد أخبر الشيخ بأنه قد جاءت الأخبار بما سيؤول إليه الحال بانتكاس الموازين آخر الزمان، واختلال المعيار الذي يوزن به المرء ويُقوّم حتى يُقال للرجل من أرباب الدنيا: ما أعقله وما أظرفه وما أجلده! وما في قلبه مثقال حبة من خردل من الإيمان. أي الشيء القليل من الإيمان.
مهمة المؤمن أبلغ من عمله
مهمة المؤمن أبلغ من عمله، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بيّن ذلك، فمن همّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة». وقال - صلى الله عليه وسلم -: «من سأل الله الشهادة بصدق بلّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه». وقال - صلى الله عليه وسلم -: «ما من امرئ تكون له صلاة بليل يغلبه عليها نوم إلا كُتِب له أجر صلاته وكان نومه عليه صدقة».
قيمة الحياة
ثم تعجب الشيخ غزاوي قائلا: أي قيمة لحياة امرئ تمر به الأوقات سراعا، وتَكُر عليه الأيام تباعا، وهو غافل لاهٍ قد قعد عن طلب ما ينفعه، وزهد في تعلم ما يحتاجه، والسؤال عما فيه فلاحه وصلاحه، وجرى وراء دنياه فلا ذِكْر للعلم ولا للعبادة ولا للعمل الصالح، ولا اشتغال بذكر الله وما يقربه من ربه، إنما أخبار عن حياته وأعماله الدنيوية، وتفاخر بحسبه ونسبه، وإضاعة للأوقات فيما لا ينفع.
لا يستويان
كما أنه لا يستوي من يتعلم العلم لينتفع به وينفع الناس، ومن يتعلمه ليتباهى به، ولا يستوي من يكتسب المال الحلال لينتفع به في مصالحه ويستغني به عن الخلق ويقضي به حاجات الناس، ومن يكتسب المال ليتفاخر به وينفقه في غير حلّه، ولا يستوي من يطلب الأولاد ليرزق الذرية الصالحة، ومن يطلبهم ليكاثر بهم، قال -تعالى-: {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب}.
إن هممت بفعل الخير فبادر، وإن عزمت فثابر، وإن جهدت فاصبر وصابر، واعلم أنه لا يُدرك الفضائل والمفاخر من رضي بالدون والصف الآخر. وتذكر أنّ وإنْ كان دخول الجنة برحمة الله ومغفرته، فاختلاف مراتب أهل الجنة وتفاضلهم في منازلها ودرجاتها يكون بحسب إيمانهم وتقواهم وأعمالهم الصالحة؛ فعلى المرء أن يرتفع ويَجِدَّ ليصل إلى أعلى منازلها، ويحذر من شراك من يحول بينه وبين نيل الرقي في درجاتها.
أعظم الأمم
وقد أشار فضيلته إلى أن الله -تعالى- خصّ الأمة المسلمة بما ليس لغيرها، فهي أعظم الأمم في الدنيا والآخرة، رفع قدرها وشرّفها واصطفاها، وجعلها خير أمة أُخرجت للناس، وهي اليوم بحاجة إلى إفاقة ويقظة وعودة صادقة بعد أن بَعُدت في جملتها عن كتاب ربها وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - وهدي سلف الأمة، وضَعُفَ تمسكها بدينها فصارت بخلاف ما كانت عليه من الأمجاد والمعالي، وفقدت كرامتها وعزتها وقدرها وقوتها وهيبتها وأوهنها اليأس والقنوط، والفشل والهزيمة، وضعفت همّتها وخارت قواها، فتخلفت عن مسيرتها وأهدافها ومبادئها وريادتها، وصارت عالة على الأمم غيرها، ألا فما أحراها أن تعود لماضيها التليد وتاريخها الرشيد!.
لاتوجد تعليقات