من نعم الله العظيمة الوحدة والأمن والأمان
قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ} (النساء 59). قال الإمامُ النوويُّ -رحمه الله-: «المراد بأولي الأمر مَنْ أوجبَ اللهُ طاعتَه من الولاةِ والأمراء، هذا قول جماهير السلف والخلف من المفسرين والفقهاء وغيرِهم». وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «عَلَى المَرْءِ المُسْلِمِ السَّمْعُ والطَّاعَةُ فِيما أحَبَّ وكَرِهَ، إلَّا أنْ يُؤْمَرَ بمَعْصِيَةٍ» (متفق عليه). فطاعة ولي الأمر واجبة على كل مسلم في غير المعصية، سواء أمره بما يوافق طبعه أم لم يوافقه، هذا هو الكلام الشرعي بعيدًا عن العواطف غيرِ المنضبطة بضوابط الشرع، فإن العواطفَ إن لم تُحكمْ بالشرعِ تصبحُ عواصف، والعياذ بالله.
الائتمام بإمام يقود الأمة
لقد اتفق العقلاء في كل الأمم على ضرورة الائتمام بإمام يقود الأمة، ولذلك جاءت هذه الشريعةُ المطهرةُ تؤكدُها: فالإمامةُ ضرورةٌ دينية ودنيوية، وطاعةُ ولي الأمر أصلٌ من أصول العقيدة الصحيحة؛ لأنه لا دينَ إلا بجماعة، ولا جماعةَ إلا بإمامة، وكيف تكون الإمامةُ بلا سمع ولا طاعة؟ ولذلك فقد كان علماءُ السلف يولون هذا الأمرَ اهتماما خاصا، ويجعلونه في أبواب العقيدة من كتبهم، نظرا لما يترتب عليه من حفظ البلاد وأمن العباد وصلاحهم، وهو تطبيق عملي لوصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «عَلَيْكَ السَّمْعُ والطَّاعَةُ في عُسْرِكَ ويُسْرِكَ، ومَنْشَطِكَ ومَكْرَهِكَ، وأَثَرَةٍ عَلَيْكَ» (رواه مسلم). أي: تجبُ طاعةُ ولي الأمر فيما تحبه النفوسُ وتكرهه، حتى وإن قُدِّمَ غيرُكَ بشيء من الدنيا عليك.
الأصل العظيم
إن سلف هذه الأمة كانوا يدركون هذا الأصلَ العظيم، ويطبقون هذا المنهجَ القويم مع ولاةِ أمرِ المسلمين، وكانوا ينظرون إلى المصلحة العامة، وعواقبِ الأمور، فهذا الإمام أحمدُ بنُ حنبلَ -رحمه الله- يُسجن ويؤذى، فجاءه نفر من الوجهاء يستشيرونه في تركِ طاعةِ وليِّ الأمرِ آنذاك، فأنكر عليهم الإمامُ أحمدُ ونهاهم عن ذلك، وقال: «لا تخلعوا يدًا من طاعة، ولا تشقوا عصا المسلمين، ولا تسفكوا دماءَكم، ولا دماءَ المسلمينَ معكم، انظروا في عاقبة أمركم، ولا تعجلوا». وهذا شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ -رحمه الله- قد أوذي في الله، وسجن مرارا، ومع ذلك كان يُحَذِّرُ من الخروج على ولي الأمر، ويُحَذِّرُ من نزع اليد من طاعة ولي الأمر، وكان -رحمه الله- يقول: «المشهور من مذهب أهل السنة أنهم لا يرون الخروجَ على الأئمة». وقال -رحمه الله-: «لا يكاد يُعرفُ طائفةٌ خرجت على ذي سلطانٍ إلا وكان في خروجها من الفسادِ ما هو أعظمُ من الفسادِ الذي أزالته». وواقعُ كثيرٍ من المسلمينَ كما ترون اليومَ يشهدُ لكلامه -رحمه الله.
تأليف القلوب على ولي الأمر
فيجب علينا جميعا أن نعمل على تأليف القلوب على ولي الأمر، فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ». قالوا: لِمَنْ؟ قالَ: «للهِ، ولِكِتابِهِ، ولِرَسولِهِ، ولأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وعامَّتِهِمْ» (رواه مسلم). قال الحافظ ابنُ رجب -رحمه الله- عن معنى النصيحةِ لأئمةِ المسلمين: «حبُّ اجتماعِ الأمةِ عليهم، وكراهةُ افتراقِ الأمةِ عليهم، والتدينُ بطاعتِهم في طاعةِ الله -عز وجل». ومن النصيحةِ لأئمة المسلمين: إعانتُهم على ما حُمِّلوا القيامَ به، وجمعُ الكلمة عليهم، وإسداءُ المشورةِ النافعةِ لهم، والدعاءُ لهم بالصلاح والتسديدِ في الأمر؛ فإن الدعاء لهم هو من أعظم النصحية، وهو دأب السلف الصالح. قال الفضيلُ بنُ عياض -رحمه الله-: «لو كان لي دعوة ما جعلتها إلا في السلطان».
المنفعةُ العامةُ للعباد والبلاد
إن الاتفاقَ على طاعةِ ولي الأمر فيه المنفعةُ العامةُ للعباد والبلاد، فبطاعته تتفق الكلمة، ويسود الأمن بإذن الله. وإن الاجتماعَ حول ولي الأمر فيه القوة والمنعة، وأما التفرق والتنازع ففيه الضعف والفشل، والعياذ بالله. قال -تعالى-: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} (الأنفال 46)، أي تذهبَ قوتُكم ودولتُكم.
وحدة الوطنِ أمانةٌ في أعناقنا
إن وحدةَ الوطنِ أمانةٌ في أعناقنا، وهذا البلدُ الطيبُ نعمةٌ عظيمةٌ سنُسألُ عنها جميعًا يومَ القيامة: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} (التكاثر 8). جلس النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعه أبو بكر وعمر -رضي الله عنهما- ذاتَ يومٍ في ظِلٍّ يأكلون، فقال لهما: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (رواه مسلم)، وفي رواية الترمذي قال: «ظِلٌّ بَارِدٌ، وَرُطَبٌ طَيِّبٌ، وَمَاءٌ بَارِدٌ»، فكيف لو رأى ما نحن فيه من النعم التي نسأل الله أن يعيننا على أداء شكرها، فيجب علينا جميعا أن نحرس هذه النعمة، وأن نستشعر نعمة الأمن والأمان، والوَحدةِ والتماسكِ والتلاحم، فإن يد الله مع الجماعة.
لاتوجد تعليقات