منهج نبوي في دفع الشبهات – إنهـــا صفـيـــة!
أم المؤمنين صفيةُ بنتُ حُيَيٍّ -رضي الله عنها- تروي موقفًا عابرًا حدث لها في رمضان، تقول: كانَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مُعْتَكِفًا في المسجد، فأتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا، فَحَدَّثْتُهُ، ثُمَّ قُمْتُ لأَنْقَلِبَ (أي لترجعَ إلى بيتها -رضي الله عنها)، فَقَامَ مَعِيَ لِيَقْلِبَنِي، وَكانَ مَسْكَنُهَا في دَارِ أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ (يعني: التي صارت -بعد ذلك- دارًا لأسامةَ بنِ زيدٍ -رضي الله عنهما)، قالت: فَمَرَّ رَجُلَانِ مِنَ الأنْصَارِ، فَلَمَّا رَأَيَا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَسْرَعَا، فَقالَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «علَى رِسْلِكُمَا، إنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ»، فَقالَا: سُبْحَانَ اللهِ يا رَسولَ اللهِ! (وفي روايةٍ: فكبُرَ ذلك عليهما، فقالا: يا رسولَ الله، هل نظنُّ بك إلا خيرًا؟)، قالَ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ، وإنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ في قُلُوبِكُما شَرًّا» (متفق عليه). وفي رواية قال - صلى الله عليه وسلم -: «ما أقول لكما هذا أنْ تَظُنانِ شرًّا، ولكن قد علمت أن الشيطانَ يجري مِنَ ابنِ آدمَ مجرى الدم» (فتح الباري: شرح حديث رقم 2035 من باب 8 في كتاب الاعتكاف).
موقفٌ عابر، ربما لم يستغرقْ من الوقتِ دقيقةً واحدةً، لكنَّ فيه عِبَرًا وأكثرَ من فائدة:
أولُها: توقيرُ الصحابةِ -رضي الله عنهم- للنبي - صلى الله عليه وسلم -؛ حيث إنهما لما رأياه مع إحدى نسائه أجازا وأسرعا.
ثانيا: سرعةُ بديهةِ النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ حيث تدارك الموقفَ ببيانه الجميل.
ثالثا: تقدير النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه -رضي الله عنهم-؛ حيث لَمْ يَنْسُبْهُمَا إِلَى أَنَّهُمَا يَظُنَّانِ بِهِ سُوءًا، لِمَا تَقَرَّرَ عِنْدَهُ مِنْ صِدْقِ إِيمَانِهِمَا.
شفقةُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - على أصحابه
رابعًا: شفقةُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - على أصحابه -رضي الله عنهم- وعلى أمته، وإرشادُهم إلى ما يدفعُ عنهم الإثم؛ حيثُ خَشِيَ عَلَى الرجلينِ أَنْ يُوَسْوِسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ ذَلِكَ الظن؛ لِأَنَّهُمَا غَيْرُ مَعْصُومَيْنِ، فَقَدْ يُفْضِي بِهِمَا ذَلِكَ إِلَى الْهَلَاكِ، فَبَادَرَ إِلَى إِعْلَامِهِمَا بأنَّ المرأةَ التي معه هي زوجُهُ صفيةُ -رضي الله عنها-، وَفي ذلك أيضا تَعْلِيمٌ لِمَنْ بَعْدَهُمَا إِذَا وَقَعَ لَهُ مِثْلُ ذلك. قَالَ الإمامُ الشَّافِعِيُّ -رحمه الله-: إِنَّمَا قَالَ لَهُمَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ خَافَ عَلَيْهِمَا الْكُفْرَ إِنْ ظَنَّا بِهِ التُّهْمَةَ، فَبَادَرَ إِلَى إِعْلَامِهِمَا نَصِيحَةً لَهُمَا، قَبْلَ أَنْ يَقْذِفَ الشَّيْطَانُ فِي نُفُوسِهِمَا شَيْئًا يَهْلِكَانِ بِهِ (فتح الباري). ذلك أنَّ مَنْ شكَّ في عِفَّةِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقد كفر -والعياذ بالله.
الحذر من الشيطان
خامسا: على الإنسانِ أن يحذرَ من الشيطان، فإنه كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يَجْرِي مِنَ الإنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ»، وله القدرةُ على أن يقذفَ الشرَّ في القلوب، ما لم يتحصن منه الإنسانُ بالاستعاذة منه، كما قال -تعالى-: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (الأعراف 200). فإذا أحسستَ منه بوسوسةٍ، وتثبيطٍ عن الخير، أو حثٍّ على الشر، وإيعازٍ إليه، {فَاسْتَعِذْ بِاللهِ} أي: التجئ واعتصم بالله، واحتمِ بحماه، فإنه {سَمِيعٌ} لما تقول، {عَلِيمٌ} بنيتك وضعفك، والتجائك له، وسيحميك من فتنته، ويقيك من وسوسته. والشيطانُ -كما وصفه اللهُ- خَنَّاسٌ: أي سريعُ التأخرِ والتراجعِ والتصاغرِ إذا ذكرَ العبدُ ربه، واستعان به على دفعه.
تجنب مواضع الشبهات
سادسا: على الإنسان ألا يضع نفسه في مواضعِ التهمةِ والشبهةِ، وهذا متأكدٌ في حقِّ مَنْ يُقتدى بهم، والفضلاءِ من الناس، فيحرص الإنسانُ على الابتعادِ عن مواطنِ سوءِ الظن، وذلك يغنيكَ عن الاعتذار. وهذه قاعدةٌ عظيمةٌ بيَّنها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «إيَّاكَ وَمَا يُعْتَذرُ مِنْهُ» (رواه الطبراني - السلسلة الصحيحة 1914). فانتبه لما تقولُ وما تفعل، ولا تَقُلْ أو تفعلْ شيئًا يوجبُ منكَ الاعتذار؛ فإنك غنيٌّ عن ذلك.
توضيح الحقائق
سابعا: ولكن إذا خشيتَ أن يُساءَ الظنُّ بك، فبادرْ إلى توضيح الحقائق، وإزالةِ الشُّبه، وبادر بالبيان، واسبِقْ الشيطانَ الذي يحرصُ على مثل هذه المواقفِ ليلقي في قلوبِ الناسِ الشرَّ وسوءَ الظن، والعياذُ بالله. فإنك مهما بلغتَ من الفضلِ والمكانةِ فلن تكونَ أبعدَ عن الشبهةِ من النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومن ذا الذي يبلغُ كذلكَ طهارةَ قلوبِ أصحابِه -رضي الله عنهم-، ولا سيما تُجاهَهُ - صلى الله عليه وسلم -، ومع ذلك فقد بادر بالبيان وقال: «إنَّهَا صَفِيَّةُ».
قواعدَ التعاملِ الأمثلِ
وهكذا، فإن دينَنا العظيم قد وضعَ لنا قواعدَ التعاملِ الأمثلِ بين الناس، ذلكَ أنَّ من أعظمِ مقاصدِ دينِنا التأليفَ بين قلوبنا، وسدَّ طرقِ الشيطانِ الذي يحاولُ أن يَنْزَغَ بينَنا: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا} (الإسراء 53). فاحذروا عدوَّكم، كما أرشدكم ربُّكم: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} (فاطر 6). ومن وسائل سدِّ الطريقِ عليه أن نظنَّ بالناسِ خيرًا ما استطعنا إلى ذلك سبيلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} (الحجرات 12).
لاتوجد تعليقات