رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: إيهاب شاهين 28 ديسمبر، 2020 0 تعليق

خطورة الإلحاد الجديد (6) – إيهاب شاهين: شرائع الإسلام تلبي احتياجات الفطرة في توازن وانسجام بغير إفراط ولا تفريط

 

ما زال حديثنا مستمرا في استعراض بحث خطورة (الإلحاد الجديد) للباحث في شؤون الإلحاد إيهاب شاهين، الذي عرض في ندوة مركز ابن خلدون للدراسات الاستراتيجية؛ حيث تناول الباحث أبعاد الإلحاد وأسبابه وأهم الشبه التي يسقط فيها من تأثر بها، واليوم نبدأ في الحديث عن المنهج القويم في الرد على الملحدين.

     تحدث شاهين عن الأدلةَ الفطرية والأدلة العقلية والحسية التي تدل على وجود الله -سبحانه وتعالى- دلالة واضحة جدًّا وتملأ القرآن الكريم، وأكد أن من يخرج عن هذا الطريق لابد أن يَضِلَّ وسَيَقَعُ في تَخَبُّطٍ وحيرة شديدة جدًا؛ لذلك فإن المنهج الصحيح والطريقة المؤثرة في الرد على الملحدين أن نبدأ بالأدلة الفطرية ثم العقلية والحسية، ثم نفند النظريات أو الفرضيات التي تبنوها.

دليل الفطرة

- الفطرة لغة: من فطر الشيء يفطره فطرا فانفطر وفطره: أي شقه، وتفطر: تشقق، فالفطر: الشق، وجمعه فطور، ومنه فطر ناب البعير، إذا طلع، وفي التنزيل قوله -تعالى-: {إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ} (الانفطار: 1) أي انشقت، وفي الحديث عن عائشة -رضي الله عنها-: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه ...» وفطر الله الخلق، يفطرهم: خلقهم وبدأهم، فالفطر أيضا: الابتداء والاختراع، كما قال -تعالى-: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}، أي خالقهما ومبتدئهما، وكما قال ابن عباس، -رضي الله عنهما-: كنت لا أدري ما فاطر السماوات والأرض حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها، أنا بدأتها، والفطرة أيضًا الخلقة، بالكسر، أنشد ثعلب:

هون عليك فقد نال الغنى رجل

                                      في فطرة الكلب لا بالدين والحسب

أي في خلقة الكلب، فأصل كلمة « فطر» يرجع إلى التشقق، والابتداء، والخلق، والمعنيان الأخيران «الابتداء والخلق» يناسبان المعنى الاصطلاحي.

الفطرة اصطلاحًا

     وردت لفظة الفطرة مصدرًا في القرآن الكريم في آية واحدة هي قوله -تعالى-: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} (الروم: 30)، أما السنة: فقد ورد لفظ الفطرة مصدرًا في أحاديث كثيرة، أشهرها حديث أي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: قال: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه كمثل البهيمة تنتج البهيمة، هل ترى فيها من جدعاء؟» (متفق عليه)، وفي رواية قال أبو هريرة - رضي الله عنه - في آخر الحديث: اقرؤوا إن شئتم: {فأقم وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} (الروم: 30).

المعنى المراد من الفطرة

     وقد اختلف العلماء في المعنى المراد من الفطرة التى وردت فى آية الروم، وفي حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - على مذاهب، أشهرها وأصحها عند عامة أهل العلم بالتأويل، أنها الإسلام، ومما يدل أيضا على أن المراد بالفطرة الإسلام ما رواه البخاري -رحمه الله- أن حذيفة - رضي الله عنه - رَأَى رَجُلًا لَا يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، قَالَ: «مَا صَلَّيْتَ وَلَوْ مُتَّ مُتَّ عَلَى غَيْرِ الفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - عَلَيْهَا». رواه البخاري.

تحقيق المراد من قوله لا تبديل لخلق الله

     قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- تفسير شيخ المفسرين ابن جرير الطبري -رحمه الله- لقوله -تعالى- {لا تبديل لخلق الله}: يقول: «لا تغيير لدين الله أي لا يصلح ذلك ولا ينبغي أن يفعل»، ثم ذكر بإسناده الصحيح عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: لا تبديل لخلق الله قال: لدين الله وروي عن عبد الله بن إدريس عن ليث قال: أرسل مجاهد رجلا يقال له قاسم إلى عكرمة يسأله عن قول: {لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} فقال عكرمة: هو الخصاء فرجع إلى مجاهد فقال: أخطأ لا تبديل لخلق الله إنما هو الدين ثم قرأ: {لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ}، وروي عن وكيع عن نصر بن عربي عن عكرمة: لا تبديل لخلق الله: (لدين الله)، وروي أيضا عن حسين بن واقد عن يزيد النحوي عن عكرمة: (فطرة الله التي فطر الناس عليها) قال: الإسلام.

     وكذلك روي عن وكيع عن سفيان الثوري عن ليث عن مجاهد قال: (لدين الله)، وروي عن سعيد عن قتادة: {لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ}: أي لدين الله وكذلك روي عن ابن عيينة عن حميد الأعرج قال: قال سعيد بن جبير: {لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} قال (لدين الله) وكذلك عن المحاربي عن جويبر عن الضحاك في قوله: {لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} قال (دين الله) وكذلك عن وكيع عن سفيان الثوري ومسعر عن قيس بن مسلم عن إبراهيم النخعي: (لا تبديل لخلق الله) قال: دين الله، وكذلك عن مغيرة عن إبراهيم قال: (لدين الله) وعن عمرو بن أبي سلمة سألت عبدالرحمن بن زيد بن أسلم عن قوله -تعالى-: {لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ}قال: (لدين الله) وروي أيضًا عن ابن عباس أنه سئل عن إخصاء البهائم فكرهه وقال: {لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} وعن حميد الأعرج قال: قال عكرمة: الإخصاء وعن حفص بن غياث عن ليث عن مجاهد قال: الإخصاء قلت (ابن تيمية): مجاهد وعكرمة: روي عنهما القولان إذ لا منافاة بينهما كما قال -تعالى-: {وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّه} (النساء:119).

     فتغيير ما خلق الله عليه عباده من الدين تغيير لخلقه، والخصاء وقطع الأذن أيضًا تغيير لخلقه، ولهذا شبه النبي - صلى الله عليه وسلم - أحدهما بالآخر في قوله: كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟ فأولئك يغيرون الدين وهؤلاء يغيرون الصورة بالجدع والخصاء هذا تغيير لما خلقت عليه نفسه.

الفرق بين تبديل الفطرة وتغييرها

     قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وأما احتجاج إسحاق -رحمه الله- بقول أبي هريرة: اقرؤوا إن شئتم: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} (الروم: 30)، قال إسحاق: نقول: لا تبديل للخلقة التي جبل عليها فهذه الآية فيها قولان: أحدهما: أن معناها النهي كما تقدم عن ابن جرير أنه فسرها بالنهي أي: لا تبدلوا دين الله الذي فطر عليه عباده وهذا قول غير واحد من المفسرين الذين لم يذكروا غيرهم كالثعلبي والزمخشري.

خلق الله لا يبدله أحد

     والثاني: ما قاله إسحاق: وهو أنه خبر على ظاهره، وأن خلق الله لا يبدله أحد، وظاهر اللفظ أنه خبر فلا يجعل نهيا بغير حجة، وهذا أصح وحينئذ فيقال: المراد ما خلقهم عليه من الفطرة لا تبدل فلا يخلقون على غير الفطرة، ولا يقع هذا قط، والمعنى أن الخلق لا يتبدل فيخلقون على غير الفطرة، ولم يرد بذلك أن الفطرة لا تتغير بعد الخلق بل الحديث نفسه يبين أنها تتغير؛ ولهذا شبهها بالبهيمة التي تولد جمعاء ثم تجدع، ولا تولد بهيمة قط مخصية ولا مجدوعة، وقد قال -تعالى- عن الشيطان: {وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ}، فالله أعطى للخلق قدرة على تغيير ما خلقهم عليه بقدرته ومشيئته، وأما تبديل الخلق بأن يخلقوا على غير تلك الفطرة فهذا لا يقدر عليها إلا الله، والله لا يفعله كما قال: {لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} ولم يقل: لا تغيير فإن تبديل الشيء يكون بذهابه وحصول بدله، فلا يكون خلق بدل هذا الخلق، ولكن إذا غير بعد وجوده لم يكن الخلق الموجود عند الولادة قد حصل بدله.

تبديل الكفر بالإيمان

     وأما قول القائل: لا تبديل للخلقة التي جبل عليه ولد آدم كلهم من كفر وإيمان فإن عنى بها أن ما سبق به القدر من الكفر والإيمان لا يقع خلافه فهذا حق، ولكن ذلك لا يقتضي أن تبديل الكفر بالإيمان وبالعكس ممتنع، ولا أنه غير مقدور بل العبد قادر على ما أمره الله به من الإيمان وعلى ترك ما نهاه عنه من الكفر، وعلى أن يبدل حسناته بالسئيات بالتوبة كما قال -تعالى-: {إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10) إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وقول -تعالى-: {فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ}، يقول ابن تيمية وهذا التبديل كله هو بقضاء الله وقدره، وهذا بخلاف ما فطروا عليه حين الولادة فإن ذاك خلق الله الذي لا يقدر على تبديله غيره، وهو -سبحانه- لا يبدله قط بخلاف تبديل الكفر بالإيمان وبالعكس فإنه يبدله دائما، والعبد قادر على تبديله بأقدار الله له على ذلك.

فطرة محمودة أمر الله بها

     ومما يبين ذلك أنه قال -تعالى-: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}(الروم: 30)، فهذه فطرة محمودة أمر الله بها نبيه، فكيف يكون فيها كفر وإيمان مع أمر الله -تعالى- بها؟ وهل يأمر الله -تعالى- قط بالكفر؟ الإسلام دين الفطرة، وكل مسألة من مسائله يوجد في الفطرة ما يؤيدها، ويشهد لصحتها، يقول الدكتور محمد عبد الله دراز في كتابه (الدين) فعامة شرائع الإسلام تساير الفطرة البشرية السوية، وتلبي أشواقها وتشبع احتياجات كل من الجسد والروح في توازن وانسجام بغير إفراط ولا تفريط علي أساس مبدأ «فأعط كل ذي حق حقه»، وعلى هذا فتزخر قصص المهتدين إلى الإسلام العائدين إلى فطرتهم التي فطرهم الله عليها، بالكم الغفير من الإقرار بحقيقة الفطرة، ولطالما عبروا عن هذه الحقيقة بألفاظ متباينة متعددة لكنها كلها تلتقي في المعني نفسه.

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك