مقومات بناء الشخصية العلمية لقارئ القرآن الكريم ومقرئه
إعداد: د.ياسر سرحان الديب
التحلي بمحاسن الخصال وجميل الفعال
فإن الله -تعالى- لما أنزل القرآن على رسوله - صلى الله عليه وسلم - ليقوم به في العالمين، أرشد فيه إلى آداب كثيرة، يجب أن يتحلى بها كل من يقرأ القرآن، وهذا بعض ما يجب أن يتأدب به قارئ القرآن ومقرئه؛ إذ إن الأدب هو الثمرة، وهو حلقة الوصل بين المعلم والمتعلم، فمتى كانت السلسلة بينهما صحيحة سليمة كان النفوذ خلالها سهلاً ويسيراً ومفيداً وصحيحاً؛ فينبغي لكل من المعلِّم والمتعلِّم ألا يحرم نفسه من الأخلاق الفاضلة والخصال الحميدة التي تزكو بها نفسه، ويعلو بها خُلُقه.
وإن من المبادئ المهمة التي ينبغي أن يعتني بها، ويعرف حدودها وثمراتها الأخروية والدنيوية أن يتعرف علي أخلاق أهل القرآن ومحاسن خصالهم وجميل فعالهم للاقتداء بهم؛ وذلك لأن المتصدر لتعليم الناس ومخالطتهم، سينتج عن تلك المخالطة أمور ينبغي أن يقابلها بحسن المسايسة وتدبير الأمر ؛ لأن كل من خالط الناس وجد منهم ما يكره.
والآداب التي ينبغي مراعاتها كثيرة، ولكني أذكر لك طرفًا منها منبِّهًا به على غيره؛ ليكون القارئ والمقرئ على قدر المسؤوليَّة، والمهمَّة الجسيمة الملقاة على عاتقهما.
أهل الله وخاصته
وللحافظ محمد بن الحسين الآجري -رحمه الله- في ذلك كلام طيب جدير بالعناية، نذكر منه طرفا باختصار، قال -رحمه الله-:
ينبغي لمن علمه الله القرآن وفضله على غيره، ممن لم يحمله، وأحب أن يكون من أهل القرآن وأهل الله وخاصته أن يجعل القرآن ربيعا لقلبه، ويعمر به ما خرب من قلبه، ويتأدب بآداب القرآن، ويتخلق بأخلاق شريفة تَبِين به عن سائر الناس، ممن لا يقرأ القرآن؛ فأول ما ينبغي له أن يستعمل: تقوى الله في السر والعلانية؛ باستعمال الورع في مطعمه ومشربه وملبسه ومسكنه، مقبلاً على شأنه، مهموماً بإصلاح ما فسد من أمره، حافظاً للسانه مميزاً لكلامه. إن تكلم تكلم بعلم، إذا رأى الكلام صواباً وإذا سكت سكت بعلم إذا كان السكوت صواباً، قليل الخوض فيما لا يعنيه، يخاف من لسانه أشد مما يخاف من عدوه يحبس لسانه كحبسه لعدوه ليأمن من شره وشر عاقبته، قليل الضحك مما يضحك منه الناس لسوء عاقبة الضحك إن مر بشيء مما يوافق الحق تبسم.
صفات قارئ القرآن
يكره المزاح خوفاً من اللعب، فإن مزح قال حقاً، باسط الوجه، طيب الكلام، لا يمدح نفسه بما فيه، فكيف بما ليس فيه؟! يحذر نفسه أن تغلبه على ما تهوى مما يسخط مولاه، لا يغتاب أحداً، ولا يحقر أحداً، ولا يسب أحداً، ولا يشمت بمصيبة، ولا يبغي على أحد، ولا يحسده، قد جعل القرآن والسنة والفقه دليله إلى كل خلق حسن جميل، حافظ لجميع جوارحه عما نهي عنه، يجتهد ليسلم الناس من لسانه ويده، ولا يجهل فإن جهل عليه حلم، لا يظلم وإن ظلم عفا، لا يبغي وإن بغي عليه صبر، يكظم غيظه ليرضي ربه، ويغيظ عدوه، متواضع في نفسه، إذا قيل له الحق قبله من صغير أو كبير، يطلب الرفعة من الله لا من المخلوقين، ماقت للكبر، خائف على نفسه منه، لا يأكل بالقرآن، ولا يحب أن تقضى له به الحوائج، ولا يسعى به إلى أبناء الملوك، ولا يجالس به الأغنياء ليكرموه، إن كسب الناس من الدنيا الكثير بلا فقه ولا بصيرة، كسب هو القليل بفقه وعلم، إن لبس الناس الليّن الفاخر، لبس هو من الحلال ما يستر به عورته إن وسع عليه وسع وإن أمسك عنه أمسك، يقنع بالقليل فيكفيه ويحذر على نفسه من الدنيا ما يطغيه، يتبع واجبات القرآن والسنة، يلزم نفسه بر والديه فيخفض لهما جناحه، ويخفض لصوتهما صوته، ويبذل لهما ماله، وينظر إليهما بعين الوقار والرحمة، يدعو لهما بالبقاء، ويشكر لهما عند الكبر، لا يضجر بهما، من عصى الله فيه أطاع الله فيه، يصحب المؤمنين، ومن صحبه نفعه، حسن المجالسة لمن جالس، إن علم غيره رفق به، لا يعنف من أخطأ، صبور على تعليم الخير، يأنس به المتعلم ويفرح به المجالس، مجالسته تفيد خيراً، مؤدب لمن جالسه بأدب القرآن والسنة، وإذا أصيب بمصيبة فالقرآن والسنة له مؤدبان، قد أدبه القرآن والسنة، يتصفح القرآن ليؤدب به نفسه، لا يرضى من نفسه أن يؤدي ما فرض الله عليه بجهل، قد جعل العلم والفقه دليله إلى كل خير، إذا درس القرآن فبحضور فهم وعقل، همته إيقاع الفهم لما ألزمه الله من اتباع ما أمر والانتهاء عما نهى، ليس همته متى أختم السورة؟ همته متى أكون من المتقين؟ متى أكون من المحسنين؟ متى أكون من المتوكلين؟ متى أكون من الخاشعين؟ متى أكون من الصابرين؟ متى أكون من الصادقين؟ متى أكون من الخائفين؟ متى أكون من الراجين متى أزهد في الدنيا؟ متى أرغب في الآخرة؟ متى أتوب من الذنوب؟ متى أعرف النعم المتواترة؟ متى أشكره عليها؟ متى أعقل عن الله الخطاب؟ متى أفقه ما أتلو؟ متى أغلب نفسي على ما تهوى؟ متى أجاهد في الله حق الجهاد؟ متى أحفظ لساني؟ متى أغض طرفي؟ متى أحاسب نفسي؟ متى أتزود ليوم معادي؟ متى أكون عن الله راضياً؟ متى أكون بالله واثقاً؟، متى أكون بزجر القرآن متعظاً؟ متى أكون بذكره عن ذكر غيره مشتغلاً؟ متى أحب ما أحب ومتى أبغض ما أبغض؟ متى أنصح لله؟ متى أخلص له عملي؟ متى أقصر أملي؟ متى أتأهب ليوم موتي وقد غيب عني أجلي؟ متى أعمر قبري؟ متى أفكر في الموت وشدته؟ متى أفكر في خلوتي مع ربي؟ متى أحذر مما حذرني منه ربي من نار حرها شديد، وقعرها بعيد، وعمقها طويل؟ لا يموت أهلها فيستريحون، ولا تقال عثرتهم، ولا ترحم عبرتهم، طعامهم الزقوم، وشرابهم الحميم، كلما نضجت جلودهم بدلوا جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب، ندموا حيث لا ينفعهم الندم، وعضوا على الأيدي أسفاً على تقصيرهم في طاعة الله وركوبهم لمعاصي الله.
المؤمن العاقل
فالمؤمن العاقل إذا تلا القرأن استعرض فكان كالمرآة، يرى بها ما حسن من فعله وما قبح فيه، فما حذره مولاه حذره، وما خوفه به من عقابه خافه، وما رغب فيه مولاه رغب فيه ورجاه، فمن كانت هذه صفته أو ما قارب هذه الصفة فقد تلاه حق تلاوته، ورعاه حق رعايته، وكان له القرآن شاهداً وشفيعاً وأنيساً وحرزاً، ومن كان هذا وصفه نفع نفسه ونفع أهله، وعاد على والديه وعلى ولده كل خير في الدنيا والآخرة.
لاتوجد تعليقات