رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: مركز سلف للبحوث والدراسات 20 أكتوبر، 2020 0 تعليق

فقه مسألة دفع القضاء بالدعاء


من الأبواب التي ضيَّعها الاصطلاح بابُ القضاء والقدر، فكانت السببية فيه تختلف بحسب كل فرقة، فمنهم من يجعلها علّةً فاعلةً بذاتها، ومنهم من ينكرها، ومنهم من يُثبتها إثباتا مجازيًّا يساوي وجودَها مع العدم، والمعصوم من اعتصَم بالوحي، ووقف عند حدود ألفاظ الشرع، ولم يزد على ذلك شيئًا. وهذا لا يعني أنه لن يتعارض له دليلان ظاهريًّا، لكن حسبه أن يكون مهتديًا إلى طرائق دفع التعارض بين الأدلة دون أن يستندَ إلى أصولٍ أجنبية عن الوحي، توقعه في ردّ بعض النصوص، أو ترجيح بعضها على بعض ترجيحًا يستند إلى أصل أو مسوِّغ ضعيفٍ وغير وارد.

ولنأخذ مثالا لدفع التعارض بين نصوص القضاء والقدر، ما يقع بين كُلِّية الشرع وهي أن القضاء لا رادَّ له ولا مفرَّ منه وبين إثبات دفع الدُّعاء له:

صورة المسألة كما هي في الأدلة

     ورد في كثير من الآيات ما ظاهرُه أن القضاءَ لا يُردّ، وأنه نافذٌ نفوذًا مطلَقا، من ذلك قوله -سبحانه-: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُير} (الأنعام: 17)، وقال -سبحانه-: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم} (يونس: 107)، وقال -سبحانه-: {قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا} (الأحزاب: 17).

قضاء الله وقدره نافذٌ

     وهذه الآيات تتعارض ظاهرا مع قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يردُّ القضاءَ إلا الدعاءُ، ولا يزيد في العمر إلا البرّ»، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء»، وهنا نشأ التعارضُ في أذهان أقوام، فمنهم من نفى الأسباب ورأى أنه لا قيمةَ لها؛ لأن المقدور واقع لا محالةَ، ومنهم من أثبتها إثباتًا يتنافى مع قُدرة الله المطلقَة، والمنهج الشرعي في ذلك أن يقال: إن قضاء الله وقدره نافذٌ في خلقه لا مردَّ له، لكن هذا المقدور لا يكون إلا بأسباب خلقها الله، ويُدفع بأسباب خلقها الله كذلك، فمتى ما انتفى السبب الذي يترتب عليه المقدور لم يقع، ومتى ما وُجد السبب المانع من المقدور لم يقع كذلك، وإذا وقع المقدور على الإنسان كان حظُّه الرضا والإذعان، وإذا خشي وقوعَه دَفَعَه بالدعاءِ والأسباب المشروعة.

مسألةً نفيسة

     وقد نقل ابنُ حجر رحمه الله مسألةً نفيسة في هذا الباب عن القشيري، فقال: «وحكى القشيريُّ في الرسالةِ الخلافَ في المسألة، فقال: اختلف أيّ الأمرين أولى: الدعاء أو السكوت والرضا؟ فقيل: الدعاء، وهو الذي ينبغي ترجيحُه؛ لكثرة الأدلة، ولما فيه من إظهار الخضوع والافتقار، وقيل: السكوت والرضا أولى؛ لما في التسليم منَ الفضل. قلت: وشبهتُهم أنَّ الداعي لا يعرف ما قدِّر له، فدعاؤه إن كان على وفقِ المقدور فهو تحصيلُ الحاصل، وإن كان على خلافِه فهو معانَدَة.

     والجواب عن الأول، أنَّ الدعاء من جملة العبادة؛ لما فيه من الخضوع والافتقارِ، وعن الثاني: أنه إذا اعتقَد أنه لا يقَع إلا ما قدَّر الله -تعالى- كان إذعانًا لا معاندَة، وفائدةُ الدعاء: تحصيل الثوابِ بامتثال الأمر، ولاحتمال أن يكونَ المدعوُّ به موقوفًا على الدعاء؛ لأن الله خالق الأسباب ومسبَّباتها».

التعارض له وجهان

وهذا التعارض الذي يَرِد بين مدلول الحديث وما قرّرته الآيات له وجهان:

- الوجه الأول: كون الدعاء يردُّ القضاء.

- الوجه الثاني: أنَّ الإنسانَ قد يدعو فلا يرجع عنه ما يخاف، بل ينزل به، فيكون الحديثُ مما يشهد الواقِع بخلافِه.

- والجواب عن الوجه الأول: أن القضاءَ والقدر يُدفع بالأسبابِ التي قضى الله أن يُدفع بها، ومنها الدعاء، كما يدفع قدر الجوع بالأكل، وقدر العطش بالشّرب، وقدر الفقر بالتكسُّب، وغير ذلك مما لا ينازع فيه عاقلٌ، ومن يقول بخلافه يلزمه تعطيلُ الحياةِ، وهذا المعنى الذي ذكرنا تَشهد له النصوصُ الشرعيَّة، فعن أبي خِزامة عن أبيه رضي اللَّه عنه قال: قلت: يا رسول اللَّه، أرأيتَ رقًى نسترقِيها ودواءً نتداوى به وتقاةً نتَّقِيها، هل تردُّ من قدر اللَّه شيئا؟ قال: «هي من قدر اللَّه».

توضيح معنى الحديث

     وقد جوَّد شيخ الإسلام -رحمه الله- العبارةَ في توضيح معنى الحديث، فقال: «فالالتفات إلى الأسباب شركٌ في التوحيد، ومحوُ الأسباب أن تكون أسبابًا في نَقص العقل، والإعراض عن الأسباب المأمور بها قدحٌ في الشرع، فعلى العبد أن يكونَ قلبُه معتمِدًا على الله لا على سببٍ من الأسباب، والله ييسِّر له من الأسباب ما يُصلحه في الدنيا والآخرة، فإن كانت الأسباب مقدورةً له وهو مأمور بها فَعَلَها مع التوكُّل على الله، كما يؤدِّي الفرائضَ، وكما يجاهد العدوَّ ويحمل السلاح ويلبس جُنَّة الحرب، ولا يكتفِي في دفع العدوِّ على مجرَّد توكُّله بدون أن يفعلَ ما أُمِر به من الجهادِ، ومن تَرَك الأسبابَ المأمورَ بها فهو عاجِز مفرِّط مذمومٌ»، فكما أنَّ الله يجعل للإنسان اختيارًا في بعض الأمور وينزعه عنه، كذلك الأسباب، فبعضها يأذَن الله فيه، فينفع ويكون بفعل الإنسان ومباشَرَته، وبعضُها لا يأذن الله فيه، ولا ينفع الإنسان، ألا ترى إلى الصحيح كيف يحرِّك يدَه ويرفع بها الأشياءَ ويضعُها، وبينا هو كذلك إذ يصيبُه الشلل، فلا يستطيع لها رفعًا، ولا بها دفعًا، فذاك مثال على القضاء وعلاقته بالأسباب.

ثلاثة احتمالات

أما الجواب عن الوجه الثاني: فإن الممكن في هذه المسألة -كما قال ابن القيم- هو ثلاثة احتمالات:

- أحدها: أن يكون الدعاء أقوى من البلاء فيدفعه.

- الثاني: أن يكون أضعف من البلاء، فيقوى عليه البلاء، فيصاب به العبد، ولكن قد يخفّفه، وإن كان ضعيفًا.

- الثالث: أن يتقاوما ويمنع كل واحد منهما صاحبه.

     فالمكتوب المقدَّر الذي يقَع كُتِب أنه يُدفَع بالدعاء أو بالدواء، فإذا أخذ الإنسان بسببٍ من الأسباب التي كُتبت ولابدَّ فإن الله يقدِّر عليه ما تقضيه تلك الأسباب مما أودَعَه الله -سبحانه وتعالى- فيها من خواصَّ وقِوى، والدعاء هو أنفعُها وأنفذُها وأشدُّها تأثيرًا، فمتى ما أخذ الانسان به علَى النحو الذي شُرع من طيبِ مأكلٍ ومشربٍ وتخصيصٍ لله -عز وجل- به وإخلاصٍ له وتضرُّع وسلامة منَ الإثم وقطيعةِ الرحم وسائر الموانِع التي تمنع الإجابةَ، فإن الله -عز وجل- يدفَع عن الإنسان به ما يَكره، ويعطيه به ما يتمنَّى ولو كان مستحيلا عادةً، ألا ترى أن العادَة تُحيل إلى أن الشيخَ الفاني والمرأة العاقر لا يلدان مطلقًا؟ لكن الدعاء يخرق هذه العادةَ، فيجري القدَر، قال -سبحانه وتعالى- حكايةً عن زكريا: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِين} (الأنبياء: 90).

فحاصل فقه المسألة أن ردَّ القضاء للدعاء لأجل أنه سبَب فيه، وقد أذِن الله في ذلك، لا أن ثمّةَ فاعلا مع الله، أو أن المقدور يردّ بغير المقدور.

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك