العلم وأثره في تزكية النفوس – تزكية النفس في ضوء القرآن والسنة (3)
كثرت النُّـقول عن السلف -رحمهم الله تعالى- في الحث على مُحاسبة النّفس ومعاتبتها ومداواتها:
يقول الحسن البصري -رحمه الله-: «إنّ العـبد لا يزال بخيرٍ ما كان له واعظٌ من نفسه، وكانت المحاسبة من همته». وقال ميمون بن مهران: «لا يكون العبد تقياً حتى يكون لنفسه أشدَّ المحاسبة من الشريك لشريكه، ولهذا قيل: النّفس كالشريك الخوان إن لم تحاسبه ذهب بمالك».
وقال الحسن -رحمه الله-: «المؤمن قوَّام على نفسه يحاسب نفسه، وإنَّما خفَّ الحسابُ يوم القيامة على قومٍ حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنّما شقّ الحساب يوم القيامة على قومٍ أخذوا هذا الأمر من غير مُحاسبة، إنَّ المؤمن يفاجئُه الشيء ويعجبه فيقول: «والله إنِّي لأشتهيك وإنّـك لمن حاجتي، ولكن والله ما من صلة إليك، هيهات هيهات! حِيل بيني وبينك، ويقرب منه الشيء فيرجع إلى نفسه فيقول: ما أردتِ إلى هذا؟ مالي ولهذا؟ والله لا أعود إلى هذا أبداً. إنَّ المؤمنين قوم أوقفهم القرآن، وحال بينهم وبين هلكتهم. إنَّ المؤمن أسيٌر في الدنيا يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئاً حتى يلقى الله، يعلم أنَّه مأخوذٌ عليه في سمعه وفي بصره وفي لسانه وفي جوارحه، مأخوذ عليه في ذلك كله».
تزكية النفس
والآثار عن السّلف -رحمهم الله تعالى- في هذا المعـنى كثيرة. ويَتأكد هذا المقام (مقام تزكية النّـفس) في مثل الأزمنة التي تكثر فيها الفتن والصّوارف التي تصرف الإنسان عن الخير، وتشغله بما يسخط الله -تبارك وتعالى- ويُغضبه، وإذا كان عبد الله بن المبارك وهو من علماء التابعين يقول -رحمه الله تعالى- في زمانه: «إنَّ الصالحين فيما مضى كانت أنفسهم تواتيهم على الخير عفواً، وإنَّ أنفسنا لا تكاد تواتينا إلّا على كرهٍ، فينبغي لنا أنْ نُكرِهها»، إذا كان ذلك يقوله -رحمه الله تعالى- في ذلك الزمان، فكيف إذاً بالأزمنة المتأخرة؟! مع كثرة الفتن وكثرة الصّوارف وكثرة الشّواغل التي تُلهي الإنسان وتصرفه عن الخير، وتصرفه عما يُقرِّب إلى الله -تبارك تعالى- ويُدني منه -سبحانه.
أيُّها الإخوة الكرام: نأتي بعد هذا إلى الحديث عن حقيقة تزكية النّفس، وما الأمور التي تزكو بها النّفس البشرية؟ ويُمكنُ إجمال ذلك أيُّها الإخوة الكرام في أمورٍ ثلاثة:
- الأمر الأول: وهو أساس تزكية النّفس، ولا زكاء لنفسٍ إلّا إذا قامت عليه وتأسست عليه ألا وهو: الإيمان بالله وتوحيده -سبحانه وتعالى- وإخلاص الدِّين له، ألا وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلّا الله بما تعنيه هذه الكلمة من توحيد وإخلاص وإفراد لله -سبحانه وتعالى- بالذّل والخضوع والمحبة والامتثال وأنواع العبادة، وهذا أساس تزكية النفس.
والنفس بأعمالها الصالحة وطاعاتها الزَاكية مَثلها مَثل شجرةٍ مُباركة، ومن المعلوم أنَّ الأشجار لا قيام لها إلّا على أصُولها، وقد قال الله -تعالى- في سورة إبراهيم: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا}؛ وبهذا يُعلم أنَّ تزكية النّفس له أساس لا تقوم التزكية إلا عليه، وهو توحيد الله وإخلاصُ الدّين له -جل وعلا-، قال الله -تعالى-: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} (الشمس:9-10)، وقال الله -تعالى-: {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} (فصلت:6-7)، قال ابن عباس: لا يشهدون أنَّ لا إله إلا الله. وقال مجاهد: لا يزكون أعمالهم أي: ليست زاكية. وقيل: لا يُطهرونها بالإخلاص، كأنّه أراد والله أعلم أهل الرِّياء فإنَّه شِرك. وقال الله -سبحانه وتعالى- في قصة موسى مع فرعون: {فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى} (النازعات:18) أي بالإخلاص والتوحيد لله -جل وعلا.
فالتّزكية شجرةٌ مباركة عظيمة الثَمر، كبيرة الأثر، لها أصل لا قيام لها إلّا عليه، ألا وهو: توحيد الله -عز وجل- وإخلاص الدين له -سبحانه وتعالى-، وكُـلما كان هذا التوحيد والإخلاص والإيمان بالله مُتمكناً من القلب كان هذا أبلغ في نَماء هذه الشّجرة، وكونها مُثمرةً أطايب الثَمر ولذيذه وحسَنه ونافعه.
جوانب تزكية النفس
- الأمر الثاني من جوانب تزكية النّفس: تزكيتها بفرائض الإسلام وواجبات الدّين وحُسن التّـقرب إلى الله -سبحانه وتعالى- بفعل ما أمر، وترك ما نهى عنه -تبارك وتعالى- وزجـر.
ولهذا ينبغي أنْ يُعلَم أنّ التزكية لها جانبان لا تكون إلّا بهما، يدُل عليهما أصل هذه الكلمة اللُّغوي، وأيضاً دلالة هذه الكلمة في نصوص الشرع، وإذا نظرنا في كتب اللّغة في معنى التّزكية ومدلولها نجِد أنَّ لها جانبين من معاني التزكية وهما: الطهارة والنّماء؛ فالتزكية: طهارة ونماء، ولهذا يُقال: زكا الزّرع إذا طاب وزالت عنه المؤذيات التي تُضعِف نماءَه. وتُسمى الصدقة المفروضة زكاة؛ لأّنها تُطهر المال {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} (التوبة:103)، ولأنَّها أيضاً في الوقت نفسه سببٌ لنماء المال، فالتزكية طهارة وفي الوقت نفسه نماء، طهارة بالبُعد عن الأعمال المحرمة والمعاصي والآثام، ونماءٌ بفعل الطاعات والعبادات المقرِّبة إلى الله -سبحانه وتعالى.
وعليه - أيّها الإخوة - فإنّ التّـزكية لابد فيها من فعل الأوامر التي فرضها الله -سبحانه وتعالى- على عباده وأوجبها عليهم، ولابد أيضاً في الوقت نفسه من البُعد عن النّواهي والآثام، ففِعْل الأمر تزكية، وترك النَّهي أيضاً تزكية، فالتزكية تخْليةٌ وتحلية، تخليةٌ للنّفس بإبعادها عن الرذائل والخسائس، وتحليةٌ لها بفعل الأوامر والطاعات المقربة إلى الله -سبحانه.
- فالصّلاة تزكية، قد قال الله -عز وجل-: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} (العنكبوت:45)، وجاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟ قَالُوا: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ، قَالَ: فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا».
- الزكاة تزكية {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا}.
- والصيام تزكية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة:183).
- الحج تزكية.
-الطاعات جميعها التي أمر الله -عزّ وجل- عباده بها كُـلها داخلة في هذا الباب (باب تزكية النَّفس)؛ ولهذا قال الله -تعالى-: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} (الأعلى:14-15).
- الذّكر تزكيةٌ للنَّفس، بل هو أعظم باب تزكو به النُّفوس، وتتطهر به القلوب وتطمئن، وكم للأذكار المشروعة من الآثار المباركة على أهلها في الدنيا والآخرة من تطهيرٍ وتنقيةٍ للنّفس من أدرانها وتفريطها وتقصيرها، والحديث في هذا الجانب قد يطول، لكـنني أكتفي بمَثلٍ واحد في هذا الباب من السنة وهو ما رواه الترمذي في جامعه: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - مرَّ - وكان مع أصحابه - بشجرة يابسة الورق، وبيده - صلى الله عليه وسلم - عصا، فضرب الشّجرة بالعصا التي بيده فأخذ الورق يتناثر ويتساقط من تلك الشجرة، فقال - صلى الله عليه وسلم - للصحابة وهم ينظرون في هذا الورق يتساقط من هذه الشّجرة: «إِنَّ الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، لَتُسَاقِطُ مِنْ ذُنُوبِ الْعَبْدِ كَمَا تَسَاقَطَ وَرَقُ هَذِهِ الشَّجَرَةِ»؛ فذِكر الله -عز وجل- تزكية للنُّفوس وطهارة لها.
- وعُـموم الطاعات والعبادات المقرِّبة إلى الله -جل وعلا- كلّها داخلة في هذا الباب (باب تزكية النفس).
- كذلك ترك النواهي والمحرمات واجتنابُ الكبائر والموبقات بابٌ مهم للغاية في تزكية النّفس، فإذا غـشي العبد الحرام، وارتكب الآثام، يكون بذلك دنّس نفسه ودسّاها وحقّرها بحسب فِعله لتلك المحرمات وارتكابه لتلك الآثام، وفي هذا تأمل قول الله -سبحانه-: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُون} (النور:30). فالبُعد عن المحرمات واجتناب الكبائر والآثام كل ذلكم -أيّها الإخوة الكرام - داخل في باب تزكية النّفس. في هذا المعنى أيضا قول الله -تعالى-: {فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} (النور:28).
التزكية بالرغائب والمستحبات
- الأمر الثالث في باب تزكية النّفس: تزكيتها بفعل الرّغائب والمستحبات، وهذه مرحلة تأتي بعد مرحلة الفرائض، في الحديث القدسي يقول الله -تعالى-: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ؛ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ».
فهذه مجالات التزكية وجوانبها وهي تتلخص في أمور ثلاثة:
- الأول الأصل: وهو توحيد الله والإيمان به وبكل ما أمر -سبحانه وتعالى- عباده بالإيمان به.
- والثاني: تزكيتها بفعل الفرائض والواجبات وترك الكبائر والمحرمات.
- والثالث: تزكيتُها بفعل الرّغائب والنّوافل والمستحبات.
لاتوجد تعليقات