الدول النامية على أعتاب أزمة غذائية حادة
سجل تقرير حديث صادر عن منظمة الأغذية والزراعة العالمية «الفاو» ارتفاعًا في أعداد الأشخاص الذين سيعيشون خطر المجاعة في العالم بنهاية عام 2009م، بينما يتجاوز 32 مليونًا أغلبهم من مواطني الدول النامية، ولاسيما في القارة الأفريقية وجنوب الصحراء الكبرى وبعض بلدان آسيا والفئات المهمشة في أمريكا اللاتينية.
وأوضح التقرير أن توسع الدول الغربية في إنتاج الوقود الحيوي من القمح والأرز, سيخلق أزمة غذاء عالمية شبيهة بما حدث خلال السنوات الماضية، في ظل أجواء غير مستقرة, وسيادة نوع من الجفاف في العديد من البلدان الأفريقية ستؤثر بشدة على مساعيه لتخفيف حدة الأزمة الغذائية.
ورجحت المنظمة معاناة دول عديدة في إقليم شرق أفريقيا من الجفاف وكذلك دول في وسط القارة السمراء وجنوبها؛ بسبب عدم قدرتها على تحقيق أدنى قدر من الاكتفاء الذاتي في إنتاجها، وانخفاض إنتاجية هذه البلدان بنسبة 35% خلال السنوات الأخيرة بسبب مشكلات تقنية وفنية ولوجستية.
واعتبر التقرير أن تحسن الاقتصاد العالمي وبدء غروب شمس الأزمة الاقتصادية العالمية سيفاقم من الأزمة الغذائية في العالم، وسيرفعان من شمس الجنوب الغذائية بمقدار 20% بحلول عام 2011م؛ مما سيزيد الأعباء على الدول النامية، وسيجعل قدرتها على تأمين احتياجاتها الغذائية أمرا شديد الصعوبة.
مشروعات مشتركة
وطالب التقرير الدول النامية ببذل جهود قوية من أجل الحد من الأزمة الغذائية، والبدء فورًا في مشروعات لتأمين احتياجاتها من المواد الغذائية سواء بمشروعات وطنية أم مشروعات مشتركة مع دول أخرى، بدلا من الانتظار لوقت ستكون فيه تكلفة مثل هذه المشروعات فوق طاقة هذه الدولة.
ارتفاع الفاتورة
وأطلق التقرير تحذيرات قوية من مغبة ارتفاع فاتورة المواد الغذائية في الدول النامية في ظل أوضاع اقتصادية شديدة الصعوبة لا سيما أن تكاليف الإنتاج سترتفع خلال المرحلة القادمة ارتفاعاً كبيراً ينذر بأزمة غذائية شديدة تهدد الأخضر واليابس.
ولعل هذا التقرير يؤكد مدى قتامة الصورة فيما يخص المجال الغذائي في المرحلة القادمة، وتراجع التفاؤل بقدرة الدول النامية على حل الأزمة الغذائية كما حدث في العامين الماضيين؛ نتيجة تراجع أسعار الحبوب تراجعاً نسبياً بفعل الأزمة الاقتصادية العالمية، لا سيما بين أبناء الدول الأفريقية التي ستجد نفسها في الأعوام القادمة بين مطرقة الأزمة الغذائية وسندان ارتفاع الأسعار العالمية.
ويطرح التقرير تأكيدات بإمكانية ارتفاع فاتورة المواد الغذائية للعديد من دول العالم، ومن بينها دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي تستورد أكثر من 85% من فاتورة غذائها لاسيما أن المشاريع التي أعلنت هذه الدول عن الدخول فيها في دول مثل أوغندا والسودان لم تدخل حتى الآن حيز التنفيذ بسبب مشكلات إدارية وفنية ومالية، بل أن بعضها تعثر بفعل الأزمة المالية العالمية. وتستورد دول منطقة الشرق الأوسط أكثر من 85% من احتياجاتها الغذائية من الدول العربية، لا سيما القمح والذرة، بتكلفة تتجاوز 20 مليار دولار سنويًا، في وقت فشلت هذه الدول في الحد من هذه الفاتورة خلال السنوات الماضية بشكل أقض مضاجع ميزان المدفوعات بها.
أزمة جوع
ولا شك أن ما طرحته «الفاو» وأيدته العديد من التقارير التنموية الصادرة عن الأمم المتحدة يحذر من معاناة الدول الأفريقية من أزمة جوع شديدة، خلال الأعوام المقبلة قد تعرض مواطنيها لخطر الجوع إذا لم تتحسن الأوضاع الاقتصادية، وتنخفض درجة الحرارة، وينقشع موسم الجفاف الذي يضرب القارة الأفريقية خلال الأعوام الأخيرة، خلافا لما سيصيب مسيرة التنمية في هذه البلدان نتيجة توجيه أغلب مواردها المالية لسد الفجوة الغذائية.
ومن البديهي أن أهم ما أسفر عنه التقرير هو تركيزه على إمكانية تصاعد المشكلة الغذائية، وارتفاع الفاتورة في دول العالم العربي، واحتمال دخوله حزام الفقر الغذائي إذا استمرت السياسات الحالية لا سيما أن الزيادة التي حققتها الدول العربية في إطار جهودها لسد هذه الفجوة لم تصل لأرقام مرضية، ولم تتجاوز 3% خلال السنوات الماضية، رغم إعلان هذه الدول عن عزمها الدخول في مشروعات تنمية زراعية ضخمة، إلا أن هذا الأمر لم يصل للآمال المعلقة عليه حتى الآن.
أجندة مشبوهة
ويفتح انتشار الجوع في العديد من الدول الأفريقية والآسيوية قضية استغلال بعض الجهات المشبوهة لهذه الأزمة لتنفيذ مشروع تنصيري مشبوه في العديد من الدول الأفريقية، ومنها دول يزيد عدد المسلمين بها على 50% من عدد السكان؛ حيث تستخدم هذه المنظمات إستراتيجية التنصير مقابل الرغيف، مستخدمة الأزمة الاقتصادية العالمية، وأزمة عدم قدرة الدول على تلبية احتياجاتها الغذائية لتحقيق أهدافها، وفي الوقت الذي تتوسع منظمات التنصير في أنشطتها في دول جنوب الصحراء الكبرى نجد الدول الغربية تفرض نوعًا من «الفيتو» على قيام الدول العربية عبر المنظمات الخيرية الإسلامية بأي أنشطة إغاثية حقيقية في هذه الدول، عبر تأجيج مخاوف الدول الأفريقية من ارتباط هذه المنظمات بجهات راديكالية رغم أن هذه التهمة لم تثبت حتى الآن، بل إن العديد من الأجهزة الأممية قد أشادت بالدور الإغاثي والتنموي الذي تقوم به منظمات الإغاثة الإسلامية في القارة الأفريقية التي تركز أنشطتها على القارة الأفريقية في مواجهة حالات الفقر والجوع وتبني مشروعات تنموية مثل بناء المدارس والمستشفيات، وترشح مثل هذه الأوضاع لمزيد من تصاعد الأزمة الغذائية، لا سيما أن منظمات التنصير تربط بين الغذاء والإقبال على أنشطتها التنصيرية، وهو ما يجعل العديد من المواطنين الأفارقة يرفضون التوجه صوب أنشطتها؛ خوفًا على هويتهم الإسلامية.
تعاون عربي أفريقي
ويرى الدكتور محمود توفيق شرباص الأستاذ بكلية الزراعة في جامعة عين شمس أن الدول العربية والأفريقية لم تنجح في استغلال الأزمة الاقتصادية وتراجع أسعار موارد الإنتاج وخامتها للعمل علي تقليل فاتورتها الغذائية، مشددا علي أن غروب شمس الأزمة الاقتصادية العالمية سيضعف من قدرة هذه الدول على الحد من قيمة فاتورتها الغذائية خلال السنوات القادمة ولاسيما أن كلفة الفاتورة ستكون أكبر من قدرة هذه الدول على الوفاء بها.
وطالب د. شرباص بضرورة وجود تعاون عربي أفريقي من أجل الحد من هذه الأزمة، لاسيما أن دولا مثل السودان وأوغندا تتوافر بها مساحات مناسبة لزراعة الحبوب، مطالبا بضرورة تنشيط المشروعات التي أعلنت عنها دول مثل المملكة العربية السعودية ومصر والإمارات وقطر عن طريق زراعة ملايين الأفدنة قمحا لحل أزمة احتياجاتها الغذائية.
وكشف الدكتور شرباص عن وجود ضغوط سياسية تحول بين الدول العربية والأفريقية وبين قدرتها على تحقيق الاكتفاء الذاتي ولو نسبيا من فاتورتها الغذائية، مشيرا إلى أن استمرار هذه الأوضاع على حالها يحمل آثارا مدمرة على الأمن القومي العربي.
المربع الأول
من جانبه يتفق ممدوح الوالي الخبير الاقتصادي مع الرؤية السابقة، مشير إلى أن التقارير الاقتصادية تؤكد أن هناك دلائل على تحسن الاقتصادي العالمي وارتفاع أسعار العديد من السلع الغذائية، ضاربا المثال بارتفاع أسعار السكر في الفترة الأخيرة، مشيرا إلى أن الفترة القادمة ستشهد ارتفاعا في أسعار الذرة والقمح؛ مما سيعيد الأزمة الغذائية في العالم العربي وأفريقيا للمربع الأول.
وانتقد الوالي تباطؤ الدول العربية والأفريقية في العمل على الحد من الفجوة الغذائية، مشددا على أن الأعوام القادمة سترفع فاتورة الغذاء بمقدار 5 مليارات دولار؛ مما سيرفع أسعار المواد الغذائية ارتفاعاً يخلق أزمة على الأنظمة والمواطنين على حد سواء في تأمين احتياجاتهم الغذائية.
وشدد الوالي على ضرورة وجود قرارات سيادية وإرادة سياسية لدى الدول العربية والإسلامية؛ لإيجاد حل جذري للأزمة وعدم ترك الدول الكبرى تستخدم الفاتورة الغذائية لتحقيق أجندات تضر بسيادتنا وأمننا القومي على حد سواء.
لاتوجد تعليقات