خطبة الحرم المدني – بتاريخ 19/11/1441هـ
من صفحات السيرة العطرة، صلح الحديبية بدروسه وأحداثه، سماه الله -عز وجل- الفتح المبين، قال الله -تعالى-: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا}، استبشر الصحابة برؤيا رآها رسول الله - صلى الله لعيه وسلم -، أنهم سيدخلون مكة ويطوفون بالبيت، قال -تعالى- {لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ}.
وانطلق مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، ألف وأربعمائة معتمر متأججة مشاعرهم متلهفة عواطفهم، آمّين البيت الحرام، بعد انقطاع سنوات عن تلك البقعة المباركة التي تهفو إليها الأفئدة، التي كانت وما زالت وستبقى على مر العصور والأزمان قبلة المسلمين، قبلة القلوب، وموئل النفوس، تسكن في رحابها الأرواح، وتُسْكَب على ثراها العبرات، وتنهمر الدموع، دعا لها إبراهيم -عليه الصلاة والسلام.
دليل حياة القلب
والحنين إلى المسجد الحرام والاشتياق إلى مواطن الخير والعبادة دليل حياة القلب، وعلامة إشراقة النفس وصحتها، قال الله -تعالى-: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ}، أَحْرَم الرسول - صلى الله عليه وسلم - من ذي الحليفة وبدأ بالتلبية، وفي ثنية قريبة من مكة، بركت ناقة النبي - صلى الله عليه وسلم - التي كانت تسمى القصواء؛ فقال الصحابة خلأت القصواء، (أي: بركت ولم تبرح من غير علة)، فقال - صلى الله عليه وسلم -: ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخُلُق، ولكن حبسها حابس الفيل.
درس في الحُكْم على المواقف
دافع النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ناقته القصواء حين ظنّ القوم أنها معاندة، بقوله (وما ذاك لها بخُلُق)، ليعذر دابّة غير مكلفة باستصحاب خُلُقِها الأصيل وسيرتها الناصعة، وليُعَلّم أمته درسًا في التعامل والحُكْم على المواقف، وإقالة العَثْرَة، وإيجاد الأعذار لمن له مواقف مشهودة بالخير والفضل والعلم.
السلام وليس العدوان
أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عثمان إلى مشركي قريش برسالة الإسلام وهي السلام وليس العدوان، وأخبرهم أنّا لم نأتِ لقتال أحد، وأنهم جاؤوا زواراً للبيت معظمين لحرمته والطواف به، فأَبَوا، ودارت مفاوضات بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومشركي قريش، استعمل معهم فيها الرفق في الأمور، والمداراة فيما لا يلحق الدين ضررٌ، ولا يُبطَل معه لله -سبحانه- حق، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «والذي نفسي بيده لا يسألوني خُطّة يعظّمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها»؛ فغَلَّبَ رسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - مصلحة حقن الدماء وسلامة الأنفس والأرواح، ونظر في مئالات المواقف والأمور والمقاصد والغايات، وقد كان في مكة بالحديبية جَمْعٌ من المؤمنين والمستضعفين رجالاً ونساءً وولدانا، فلو دخل الصحابة مكة ووقعت حرب لما أُمِنَ أن يُصاب منهم كما قال -تعالى-: {وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ}.
ثمار الصلح الباهرة
وقد ظهرت ثمار الصلح الباهرة، وفوائده الظاهرة، التي كانت عاقبتها فتح مكة وإسلام أهلها ودخول الناس في دين الله أفواجاً، ومن النظر في مآلات الأمور، كَوْن الحج في هذا العام استثنائياً بأعدادٍ محدودة وضوابط مشروعة، في ظل جائحة عمّ ضررها وطمّ وباؤها، وهذا القرار الحكيم الذي أخَذَت به القيادة في المملكة العربية السعودية من الأولويات، ويتسق مع مقاصد الشريعة، ويصب في مصلحة المسلمين للمحافظة على الأنفس، ودفع ما يعرضها للخطر المحقق أو الغالب على الظن، والتحلي بالحذر عند انتشار الأوبئة والأمراض المعدية.
اتفاق صلح الحديبية
أسفرت المفاوضات عن اتفاق سُمِّيَ في التاريخ والسيرة صلح الحديبية، ورجع الصحابة إلى المدينة دون أن يطوفوا بالبيت، لكنّ الله أكرمهم وأجزل لهم الثواب، أن رضي عنهم فقال: {لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا}، وبهذا يتبين لنا أن المسلم إذا استفرغ وسْعَه وبذل جهده، وحال دون أداء العبادة نازلة أو جائحة، فلا يَسْخَط ولا يَغْتَم؛ فإن همّه مخلوف، وأجره مكتوب، وفضل الله واسع، فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عن ربه -تبارك وتعالى- قال: «إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بيّن ذلك فمن همَّ بحسنة فلم يعملها، كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن همّ بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمئة ضعف إلى أضعاف كثيرة»، و يا له من فضل عظيم! يغدق به الرؤوف الرحيم على عباده المؤمنين.
قوموا فانحروا ثم احلقوا
ولمّا تم الصلح بين النبي - صلى الله عليه وسلم - ومشركي قريش، قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: قوموا فانحروا ثم احلقوا، قال ذلك ثلاث مرات، فما قام أحد؛ حيث ظهرت عليهم أمارات الحزن، ظناً من بعضهم أنّ في الصلح إجحافاً، فأشارت على النبي - صلى الله عليه وسلم - أم المؤمنين أم سلمة -رضي الله عنها- وقالت: يا نبي الله أتُحِب ذلك؟ اخرج ثم لا تُكَلّم أحدا منهم كلمة، حتى تنحر بُدْنَك وتدعو حالقك فيَحْلِقَك، فخرج فلم يكلم أحد منهم حتى فعل ذلك، نحَرَ بُدْنَه و دعا حالقه فحلق، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غمّا.
مشورة بليغة
مشورة بليغة من أم سلمة -رضي الله عنها- لنبي مرسل غيّرت مجرى الأحداث في مشهد عصيب، هذا الموقف وغيره كثير يؤكد علو شأن المرأة، وتكريم الإسلام لها، وتعزيز رسالتها، وأن للمرأة الرشيدة بفكرها ورأيها وعملها دورا في صناعة الحياة والبناء والتنمية.
أبرز أركان التربية
أحْيَت أم سلمة -رضي الله عنها- بمشورتها أَحَدَ أبرز أركان التربية، القدوة العملية التي هي أكثر نفعا في غرس المبادئ والقيم وتغيير السلوكيات، وتَجَلّى في صلح الحديبية محبة الصحابة للنبي - صلى الله عليه وسلم - التي بلغت مدى لا يُجارى، وسموا لا يُبارى، يُعبِّر عن ذلك عروة أَحَد سفراء قريش للنبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله لقومه -كما في البخاري-، فرجع عروة لأصحابه فقال: «أيْ قومي، والله لقد وَفَدْت على الملوك، ووفَدْت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إنْ رأيت ملكاً قط يُعَظِّمه أصحابه ما يُعَظِّم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - محمداً، والله إن تَنَخّم نُخامَة إلا وقعت في كف رجل منهم فَدَلَكَ بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدُّون إليه النظر تعظيما له، وإنه قد عَرَضَ عليكم خطة رُشْدٍ فاقبلوها».
تفاؤل رسول الله - صلى الله عليه وسلم
لما جاء سهيل بن عمرو لمفاوضة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سفيرا لقريش، اسمه سهيل فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لقد سَهُلَ لكم من أمركم. تفاءل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهذا ديْدَن المسلم في الأمور الحوالك؛ يتفاءل ويُحسن الظّن بربه، وفي ظلال هذه الجائحة نُحسن الظّن بربنا، ونوقن أنّ الفرج قادم والبلاء زائل، ويصفوَ هواء البقاع الطاهرة، وتطوف الأفئدة والأجساد بالكعبة، وتنطلق الأقدام بالسعي بين الصفا والمروة، وعمّا قريب يفرح المؤمنون، قال الله -تعالى-: {لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ}.
لاتوجد تعليقات