رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: عيسى القدومي 2 نوفمبر، 2026 0 تعليق

من القواعد الفقهية في العمل الخيري  «الـتنزه عن مواطن الريبة أولى»

  • الحوكمة الرشيدة لا تفترض سوء النية في العاملين وإنما تبني نظامًا يحمي الأمين من التهمة ويمنع المتجاوز من استغلال الثغرات
  • الناظر مؤتمن على أموال الوقف ويلزمه مراعاة مصلحة ذلك الوقف ومصلحة المستحقين وتجنب المعاملات التي تثير شبهة المحاباة أو الانتفاع الشخصي
 

تُعد الثقة من أعظم الأرصدة التي تقوم عليها المؤسسات الخيرية والوقفية؛ فهي أساس العلاقة بين المؤسسة والمتبرعين والواقفين والمستفيدين، وهذه الثقة لا تهددها المخالفات المالية والإدارية وحدها، بل قد تنال منها التصرفات التي تثير الشكوك وتفتح أبواب التهمة، وإن لم يثبت وقوع مخالفة، ومن هنا تبرز أهمية قاعدة «التنزه عن مواطن الريبة أولى»؛ إذ تؤسس لمبدأ شرعي وأخلاقي يتجاوز مجرد اجتناب المحرمات إلى صيانة الأمانة وحماية السمعة، واختيار التصرف الأبعد عن الشبهات، ولا سيما لمن يتولى مسؤولية إدارة الأموال الخيرية والوقفية.

أولًا: مفهوم القاعدة ومعناها

       التنزه هو التباعد عما يشين الإنسان، والريبة هي الشك المصحوب بالتهمة والقلق، أما مواطن الريبة فهي المواقف والتصرفات والعلاقات التي تثير الشكوك حول نزاهة صاحبها، ومعنى القاعدة أن المسلم، ولا سيما من يتولى أمانة عامة، ينبغي له اجتناب التصرفات التي تثير التهمة، واختيار ما هو أوضح وأبعد عن الشبهات، ولو كان التصرف في أصله مباحًا. والقاعدة تدور في أصلها على الاستحباب والاحتياط، وقد يبلغ اجتناب بعض مواطن الريبة حد الوجوب إذا اقترن الأمر بمحرم، أو ترتب عليه تضييع الحقوق والأمانات، وتحمي هذه القاعدة أمرين متلازمين: دين الإنسان من الوقوع في المحظور، وعرضه من التهمة وسوء الظن، وتمتد آثارها في العمل المؤسسي إلى حماية سمعة المؤسسة وثقة المجتمع بها.

ثانيًا: التأصيل الشرعي للقاعدة

تستند القاعدة إلى نصوص شرعية تؤكد أهمية اجتناب الشبهات ودفع التهم. حديث الحلال والحرام: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الحلال بيّن، وإن الحرام بيّن، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه» (متفق عليه). وهو أصل عظيم في القاعدة؛ إذ جمع بين صيانة الدين وحماية العرض. حديث ترك الريبة: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (رواه الترمذي والنسائي). وفيه توجيه إلى اختيار ما تطمئن إليه النفس من الأمور المشروعة، وترك ما يوقعها في الشك والاضطراب. حديث صفية -رضي الله عنها-: لما مر رجلان من الأنصار بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو مع زوجته صفية -رضي الله عنها-، قال لهما: «على رسلكما، إنها صفية بنت حيي» (متفق عليه)، وفي الحديث مشروعية دفع التهمة بالبيان، وعدم الاكتفاء بسلامة النية، وهو أصل مهم في الشفافية والإفصاح. حديث ابن اللتبية: لما قال عامل الصدقة: هذا لكم وهذا أهدي لي، أنكر النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه، وقال: «فهلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه فينظر أيهدى له أم لا؟»، وهو أصل في منع استغلال الوظيفة لقبول الهدايا والمنافع الشخصية، ومن الشواهد القرآنية قوله تعالى: {وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا} (البقرة: 282)، في سياق توثيق الديون؛ مما يدل على أهمية التوثيق في دفع الشكوك وحفظ الحقوق.

ثالثًا: ضوابط العمل بالقاعدة

ليست القاعدة دعوة إلى إساءة الظن بالناس، أو تعطيل المصالح لمجرد الاحتمالات، وإنما تضبطها اعتبارات شرعية، أهمها: أن تكون الريبة معتبرة: أي قائمة على أسباب معقولة، لا مجرد أوهام ووساوس؛ فالورع المشروع لا يقوم على سوء الظن بلا دليل. ألا يؤدي التنزه إلى تفويت مصلحة راجح: فقد توجد علاقة سابقة بين أحد العاملين ومورد تتعامل معه المؤسسة، ويمكن معالجة احتمال التعارض بالإفصاح والرقابة، دون إلغاء التعاقد النافع. مراعاة طبيعة المسؤولية: فكلما اتسعت صلاحيات المسؤول، وازدادت الأموال والحقوق التي يتولى إدارتها، تأكدت الحاجة إلى الاحتياط والتوثيق والشفافية.

رابعًا: أهمية القاعدة في حوكمة المؤسسات الخيرية

        تكتسب هذه القاعدة أهمية خاصة في المؤسسات الخيرية والوقفية؛ لأن العاملين فيها يتصرفون في أموال مؤتمنين عليها، وليست ملكًا شخصيًا لهم؛ فالريبة التي تحيط بتصرف أحد العاملين قد تتجاوز شخصه إلى المؤسسة التي يمثلها، وربما أثرت في ثقة المتبرعين بالعمل الخيري عمومًا، ومن هنا تتصل القاعدة اتصالًا وثيقًا بمبادئ الحوكمة المؤسسية، ومن أبرزها: الشفافية والإفصاح: بإعلان المعلومات المالية والإدارية اللازمة، وتوضيح أسباب القرارات التي قد تثير التساؤلات. منع تعارض المصالح: بعدم تمكين المسؤول من اتخاذ قرارات تحقق له أو لأقاربه منفعة شخصية على حساب المؤسسة. فصل الصلاحيات: بحيث لا ينفرد شخص واحد بالاعتماد والتنفيذ والصرف والمراجعة؛ منعًا للتجاوزات ودفعًا للتهم. التوثيق والرقابة: بحفظ المستندات، وإجراء المراجعات المستقلة، وتوثيق حركة الأموال والمساعدات. تنظيم قبول الهدايا: بمنع قبول الهدايا والمزايا المرتبطة بالوظيفة، ولا سيما من الموردين والمقاولين وأصحاب المصالح. وهكذا تتحول القاعدة من توجيه أخلاقي فردي إلى أساس عملي لبناء منظومة مؤسسية تحفظ الأمانات وتصون الثقة.

خامسًا: تطبيقات عملية في المؤسسات الخيرية والوقفية

تتعدد التطبيقات التي ينبغي مراعاتها في العمل الخيري، ومن أبرزها: تجنب تعارض المصالح: فلا يشارك عضو مجلس الإدارة أو الموظف في اتخاذ قرار تكون له أو لأحد أقاربه فيه مصلحة شخصية، ويلتزم بالإفصاح والامتناع عن التصويت عند وجود التعارض. الفصل بين الأموال الشخصية والمؤسسية: فلا تُجمع التبرعات في الحسابات الشخصية، ولا تُخلط أموال المؤسسة بأموال العاملين فيها، ولو بحجة تسهيل الإجراءات. حماية ممتلكات المؤسسة: بعدم استخدام سياراتها أو مقارها أو أجهزتها للأغراض الخاصة إلا وفق ضوابط معتمدة ومعلنة. ضبط العهد المالية: فلا تُصرف الأموال أو تُنقل المساعدات دون مستندات، ولا تتأخر تسوية العهد، مع توثيق عمليات التسليم والاستلام. العدالة في التوظيف: بعدم مشاركة المسؤول في تعيين أقاربه أو تقييمهم أو ترقيتهم، وتجنب العلاقات الوظيفية التي تضعف استقلال الرقابة. حماية المعلومات: بعدم استغلال بيانات المتبرعين والمستفيدين أو معلومات المشروعات لتحقيق مصالح شخصية أو تجارية. النزاهة في توزيع المساعدات: بعدم تخصيص معاملة تفضيلية للأقارب والمعارف، أو تقديمهم على غيرهم دون مسوغ معتبر، والالتزام بمعايير الاستحقاق المعلنة. ضبط التعامل مع المستفيدين: بتجنب الخلوة والمواقف التي تثير الريبة، ومراعاة الضوابط الشرعية والمهنية عند الزيارات الميدانية والتواصل مع الأسر المحتاجة، مع حفظ كرامتهم وخصوصيتهم. منع الانتفاع الشخصي بالتبرعات: فلا يجوز للعامل شراء التبرعات العينية لنفسه أو نقلها إلى منزله أو سيارته الخاصة خارج الإجراءات المعتمدة. وضوح الإدارة المالي: بعدم انفراد المسؤول بإدارة الحسابات والدفاتر والمراجعة، وضرورة وجود رقابة مستقلة تكشف الإيرادات والمصروفات وتضمن سلامة التصرفات. وتزداد أهمية هذه التطبيقات في إدارة الأوقاف؛ لأن الناظر مؤتمن على أموال مخصصة لمصارف محددة، ويلزمه مراعاة مصلحة الوقف والمستحقين، وتجنب المعاملات التي تثير شبهة المحاباة أو الانتفاع الشخصي.

سادسًا: من النزاهة الفردية إلى الحوكمة المؤسسية

        إن تطبيق قاعدة «التنزه عن مواطن الريبة أولى» لا ينبغي أن يبقى مرهونًا بورع الأفراد وحسن نياتهم، بل يجب أن يتحول إلى سياسات وإجراءات واضحة، تشمل الإفصاح عن المصالح، وتنظيم الصلاحيات، والمراجعة المستقلة، وحماية المبلغين عن المخالفات، والمساءلة العادلة، فالحوكمة الرشيدة لا تفترض سوء النية في العاملين، وإنما تبني نظامًا يحمي الأمين من التهمة، ويمنع المتجاوز من استغلال الثغرات، كما أن استحضار البعد الشرعي لهذه الإجراءات يعزز الالتزام بها؛ إذ يدرك العامل أن الشفافية والتوثيق واجتناب الشبهات ليست مجرد متطلبات إدارية، بل هي من مقتضيات الأمانة والمسؤولية أمام الله تعالى.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك