خواطر الكلمة الطيبة .. التوحيد حياة القلوب وسبيل محبة الله
- إن من أعظم ما يحيي القلوب ويزكي النفوس تدبر آيات القرآن الكريم والتأمل في معاني التوحيد والإيمان
- ينبغي أن تظهر آثار سلامة الاعتقاد في تعظيم الله وحفظ حدوده وصيانة حقوق عباده والبعد عن الظلم والعدوان
- كلما ازداد العبد علمًا صحيحًا بالله وتدبرًا لأسمائه وصفاته ازداد محبة له وإقبالًا عليه وهانت عليه مشقة الطاعة
إن من أعظم ما يحيي القلوب ويزكي النفوس تدبر آيات القرآن الكريم، والتأمل في معاني التوحيد والإيمان، وما تضمنته من الوعد والوعيد، والرحمة والمغفرة؛ فالمقصود من تلاوة القرآن ليس مجرد المرور على ألفاظه، وإنما تدبر معانيه، والانتفاع بهداياته، والعمل بمقتضاه، ومن الآيات الجامعة لأصول عظيمة في العقيدة والسلوك قول الله -تعالى- في وصف عباد الرحمن: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} (الفرقان: 68)، فهذه الآية ترسم معالم الشخصية المؤمنة، وتبين أن صلاح الإنسان يقوم على صحة علاقته بربه، وحفظ حقوق الخلق، وصيانة النفس عن الفواحش والمحرمات.
التوحيد وحفظ الدماء والأعراض
جمع الله -تعالى- في هذه الآية بين النهي عن ثلاث من أعظم الكبائر: الشرك بالله، وقتل النفس بغير حق، والزنا؛ لما فيها من اعتداء على أعظم الحقوق وأشدها حرمة، فقوله -تعالى-: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} بيان لتحقيق التوحيد وإفراد الله بالعبادة، فلا يُصرف شيء من أنواع العبادة لغيره؛ إذ التوحيد أصل الدين وأساس قبول الأعمال. وقوله -سبحانه-: {وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} تأكيد لعظمة حرمة الدماء، وأن الأصل في النفوس العصمة، فلا يجوز الاعتداء عليها بغير حق شرعي، وهذه الحرمة تشمل المسلم وغير المسلم المعصوم الدم؛ فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ» رواه البخاري، وأما قوله -تعالى-: {وَلَا يَزْنُونَ} ففيه صيانة للأعراض، وحماية للأسرة والمجتمع من أسباب الفساد والانحلال، وهكذا تجمع الآية بين حفظ حق الله بالتوحيد، وحفظ النفوس بتحريم القتل، وحفظ الأعراض بتحريم الزنا، وهي من أعظم المقاصد التي جاءت الشريعة بحمايتها.خطورة الانحراف العقدي وأثره في السلوك
إن العقيدة ليست مجرد مسائل نظرية تُدرس، وإنما هي أصل تتفرع عنه الأعمال والمواقف والأخلاق؛ ولذلك فإن الانحراف فيها قد ينعكس على سلوك الإنسان وتصرفاته، وقد ظهرت عبر التاريخ الإسلامي اتجاهات خالفت منهج أهل السنة والجماعة؛ فمنها الغلو في الصالحين وصرف بعض أنواع العبادة لغير الله، ومنها غلو الخوارج في التكفير واستباحة الدماء، ومنها غلو بعض المرجئة في باب الإيمان والعمل، بما يفضي إلى التهوين من شأن المعاصي. غير أن الإنصاف العلمي يقتضي التفريق بين المقالات وأصحابها، وعدم تعميم أحكام بعض المنتسبين إلى الفرق على جميع أفرادها، والعبرة أن سلامة الاعتقاد ينبغي أن تظهر آثارها في تعظيم الله، وحفظ حدوده، وصيانة حقوق عباده، والبعد عن الظلم والعدوان.باب التوبة مفتوح ورحمة الله واسعة
بعد أن حذر الله -تعالى- من هذه الكبائر، فتح لعباده باب الرجاء، فقال -سبحانه-: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} (الفرقان: 70)، وما أعظمها من بشارة تفتح أبواب الأمل أمام من أثقلته الذنوب! فمهما عظمت الخطايا، فإن رحمة الله واسعة، وباب التوبة مفتوح لمن صدق في رجوعه إلى ربه، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ» رواه الترمذي وحسنه. والتوبة الصادقة تقتضي الإقلاع عن الذنب، والندم عليه، والعزم على عدم العودة إليه، ورد الحقوق إلى أصحابها إن تعلقت المعصية بحقوق العباد، وتأملوا عظيم فضل الله في قوله: {يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ}؛ فقد ورد في صحيح مسلم، من حديث أبي ذر - رضي الله عنه -، أن رجلًا تُعرض عليه صغار ذنوبه يوم القيامة، ثم يقال له: «فَإِنَّ لَكَ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً»، وأي فضل أعظم من أن يرى العبد ذنوبًا كان يخشى عاقبتها، وقد أبدلها الله له حسنات بفضله ورحمته؟ ولا شك أن تدبر هذه المعاني يحيي القلوب، ويجدد الرجاء، ويدفع المؤمن إلى التوبة والعمل الصالح، دون يأس من رحمة الله أو اغترار بسعة مغفرته.معرفة الله بأسمائه وصفاته
من المعاني الإيمانية التي ينبغي تأكيدها أن دراسة توحيد الأسماء والصفات ليست مقصورة على الرد على الفرق المخالفة، وإنما مقصدها الأعظم تعريف العباد بربهم، وتعظيمه في قلوبهم، وتوثيق صلتهم به -سبحانه وتعالى-، قال -تعالى-: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} (الأعراف: 180). فكلما ازداد العبد معرفة بأسماء الله وصفاته، ازداد إدراكًا لعظمته وكماله، وامتلأ قلبه بمحبته وتعظيمه؛ فإذا عرف أنه الرحمن الرحيم، قوي رجاؤه في رحمته، وإذا علم أنه الغفور التواب، لم يقنط من مغفرته، وإذا استحضر أنه السميع البصير، عظمت مراقبته له، وإذا علم أنه الرزاق الكريم، قوي توكله عليه، وهكذا تتحول معرفة الأسماء والصفات من معلومات تُحفظ إلى عبودية تُعاش، وأخلاق تُمارس، وأعمال تشهد بصدق الإيمان، قال -تعالى-: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} (المائدة: 54)، وما أعظمها من منزلة أن يحب العبد ربه، وأن ينال محبة الله -سبحانه وتعالى-!
محبة الله والطريق إلى ولايته
إن محبة الله ليست دعوى مجردة، وإنما لها آثار تظهر في طاعته، واتباع رسوله - صلى الله عليه وسلم -، والمحافظة على فرائضه، والتقرب إليه بالنوافل، وقد جاء في الحديث القدسي الذي رواه البخاري أن الله -تعالى- قال: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ»، ثم ذكر -سبحانه- من آثار محبته لعبده: «فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ»، أي يوفقه ويسدده في سمعه وبصره وأعماله، فيستعمل جوارحه فيما يرضي الله، فالولاية الحقة تتحقق بالإيمان والتقوى، لا بالدعاوى والمظاهر؛ قال -تعالى-: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} (يونس).التوحيد بناء للقلوب
إن من الأخطاء النظر إلى دراسة التوحيد باعتبارها علمًا جدليًا غايته الرد على المخالفين فحسب؛ فمعرفة الله أصل صلاح القلوب، ومنبع استقامة السلوك، وأساس العبودية الحقة، ولذلك ينبغي ألا تنحصر دروس التوحيد في بيان الأخطاء العقدية والتحذير منها، بل تمتد إلى غرس محبة الله وتعظيمه ومراقبته، وربط العلم بالعمل، والمعرفة بالتزكية، فكلما ازداد العبد علمًا صحيحًا بالله، وتدبرًا لأسمائه وصفاته، ازداد محبة له وإقبالًا عليه، وهانت عليه مشقة الطاعة، وعظم في نفسه قبح المعصية، وصار رضوان الله غايته في كل شأن.التوحيد حياة للقلوب
إن التوحيد هو حياة للقلوب، ونور للبصائر، وأصل لكل صلاح واستقامة، فما أحوجنا إلى أن نعيد إلى دراسة التوحيد روحها الإيمانية، وأن نجعل من معرفة الله بأسمائه وصفاته طريقًا إلى محبته، ومن محبته باعثًا على طاعته، ومن طاعته سبيلًا إلى ولايته ورضوانه، فغاية العلم بالله أن يقود إلى محبته، وثمرة محبته أن تظهر في طاعته، وكمال العبودية أن يكون القلب متعلقًا بالله، والجوارح مستقيمة على أمره.
لاتوجد تعليقات