رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ: أحمد قبلان العازمي 2 نوفمبر، 2026 0 تعليق

حائية أبي داود .. الإيمان بالقضاء والقدر

  • إذا استقر الإيمان بالقدر في قلب المسلم أثمر آثارًا عظيمة منها الطمأنينة عند المصائب والصبر على البلاء والتواضع عند النجاح وشكر الله على نعمه
  • الإيمان بالقضاء والقدر عقيدة تجمع بين كمال التسليم لله وكمال المسؤولية عن العمل فكل شيء يجري بعلم الله وكتابته ومشيئته وخلقه
 

يقول الإمام أبو بكر بن أبي داود السجستاني -رحمه الله- في منظومته الحائية:

وبالقدر المقدور أيقن فإنه       دعامة عقد الدين والدين أفيح

يقرر الناظم في هذا البيت أصلًا عظيمًا من أصول العقيدة الإسلامية، وهو الإيمان بالقضاء والقدر، الذي يمثل ركنًا من أركان الإيمان الستة، ودعامة راسخة من دعائم الدين؛ فلا يصح إيمان العبد حتى يؤمن بأن الله -تعالى- قد أحاط بكل شيء علمًا، وكتب مقادير الخلائق، وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه -سبحانه- خالق كل شيء، وقد بيّن النبي -صلى الله عليه وسلم- حقيقة الإيمان في حديث جبريل المشهور، فقال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره».

والإيمان بالقدر ليس مجرد معرفة نظرية، بل عقيدة تُرسّخ في القلب اليقين بالله، وتُعلّم المسلم التسليم لحكمته، والرضا بقضائه، مع الأخذ بالأسباب والاجتهاد في العمل.

مراتب الإيمان بالقضاء والقدر

يقوم الإيمان بالقدر على أربع مراتب عظيمة، لا يكتمل الإيمان به إلا باعتقادها جميعًا، وهي: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق.

المرتبة الأولى: العلم الشامل

       يؤمن المسلم بأن الله -تعالى- علم كل شيء أزلًا، فما من أمر وقع أو سيقع إلا وقد سبق به علمه -سبحانه-، بل يعلم ما لم يقع لو وقع كيف يكون، قال -تعالى-:{وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} (الطلاق: 12)، فعلم الله صفة كمال أزلية، لم تُسبق بجهل، ولا يلحقها نقص أو نسيان، ولا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، ومن دلائل كمال علمه قوله -تعالى-: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} (الأنعام:28)؛ فقد أخبر -سبحانه- عما لم يقع، وكيف يكون لو وقع.

المرتبة الثانية: كتابة المقادير

       يؤمن المسلم بأن الله -تعالى- كتب مقادير الخلائق في اللوح المحفوظ قبل خلق السماوات والأرض، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة»، وجاء عن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- أنه أوصى ابنه بالإيمان بالقدر، وبيّن له أن من حقيقة هذا الإيمان أن يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وهذا اليقين يبعث الطمأنينة في النفس، ويخفف عنها الحسرة على ما فات، والخوف المفرط مما يستقبل، مع استمرار المسلم في بذل الأسباب المشروعة.

المرتبة الثالثة: المشيئة النافذة

       يؤمن المسلم بأن كل ما يقع في الكون إنما يقع بمشيئة الله -تعالى-، فلا يحدث شيء في ملكه خارجًا عن إرادته الكونية، قال -سبحانه-: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (التكوير: 29)، والإرادة الإلهية نوعان: الإرادة الكونية القدرية، وهي المتعلقة بما يقع في الكون من خير وشر، وطاعة ومعصية، وكل ما أراده الله كونًا فلا بد أن يقع، وليس وقوع الشيء بمشيئته دليلًا على محبته له، أما الإرادة الشرعية الدينية، فتتعلق بما يحبه الله ويرضاه من الإيمان والطاعة والاستقامة، وقد يقع مرادها من العباد وقد لا يقع؛ لأن الله منحهم القدرة على الاختيار والامتثال، ومن هنا يظهر الفرق بين ما يشاؤه الله وقوعًا لحكمة يعلمها، وما يحبه ويرضاه شرعًا.

المرتبة الرابعة: الخلق والإيجاد

       يؤمن المسلم بأن الله -تعالى- خالق كل شيء، ومن ذلك أفعال العباد، قال -سبحانه-: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} (الصافات: 96)، فالعبد له قدرة وإرادة حقيقيتان، وبهما يفعل ويختار، لكن قدرته وإرادته مخلوقتان لله -تعالى-، وخاضعتان لمشيئته، وهذا يحقق التوازن بين الإيمان بعموم قدرة الله وخلقه، وإثبات مسؤولية الإنسان عن أفعاله الاختيارية.

بين الجبر وإنكار القدر

       ضلّت طوائف في فهم القضاء والقدر؛ فمنهم من غلا في إثبات القدر حتى سلب الإنسان إرادته واختياره، وهم الجبرية، ومنهم من غلا في إثبات قدرة العبد حتى نفى عموم القدر، وبلغ الغلو ببعض القدرية الأوائل إنكار علم الله السابق. أما عقيدة أهل السنة والجماعة، فتقوم على إثبات مشيئة الله الشاملة، مع الإقرار بأن العبد فاعل حقيقة، وله إرادة واختيار، ولذلك يستحق الثواب على طاعته، والعقاب على معصيته، قال -تعالى-: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ، وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (التكوير:28-29)، فلا يجوز للإنسان أن يحتج بالقدر لتسويغ معصيته أو ترك واجباته؛ لأنه لا يعلم ما قُدّر له، وإنما يعلم ما أمره الله به ونهاه عنه.

الإيمان بالقدر لا ينافي العمل

       من أشد الأخطاء في هذا الباب أن يتخذ الإنسان القدر ذريعة للكسل وترك العمل، فيقول: إن كنت من أهل السعادة فسأدخل الجنة، وإن كنت من أهل الشقاء فلن ينفعني عملي! وقد عالج النبي -صلى الله عليه وسلم- هذه الشبهة حين أخبر أصحابه بأن مقاعد العباد من الجنة والنار قد كُتبت، فقالوا: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فقال -صلى الله عليه وسلم-: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له»، ثم تلا قوله -تعالى-: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} (الليل: 5-7)، فالإيمان بالقدر يدفع المسلم إلى العمل ولا يمنعه منه؛ إذ كما أن النتائج مقدرة، فإن الأسباب الموصلة إليها مقدرة كذلك، والإنسان الذي يسعى في طلب رزقه، ويتداوى عند مرضه، ويتخذ أسباب النجاح في شؤون دنياه، لا يصح أن يحتج بالقدر حين يتعلق الأمر بالصلاة والطاعة والاستقامة.

الهداية فضل من الله والإضلال عدل منه

        من أصول الاعتقاد أن هداية العبد وتوفيقه للإيمان فضل ونعمة من الله -تعالى-، قال -سبحانه-: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ} (الحجرات:7)، وأما إضلال من أعرض عن الحق واستكبر عليه، فهو واقع بعدل الله وحكمته، قال -تعالى-: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} (الصف:5)، والله -سبحانه- منزه عن الظلم، قال -تعالى-: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيد} (فصلت: 46)، وفي الحديث القدسي: «يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا»، فلا يجوز أن يُنسب إلى الله ظلم، أو أن يُظن أنه يجبر العبد على المعصية ثم يعاقبه عليها دون اختيار منه؛ بل الله عدل حكيم، وقد أقام الحجة، وبيّن طريق الهدى والضلال.

التسليم لله -تعالى-

       التسليم لله وترك التعمق فيما لا تدركه العقول؛ باب القضاء والقدر من أبواب الغيب العظيمة، التي يجب الوقوف فيها عند حدود الكتاب والسنة، وعدم الخوض في أسرار لم يطلع الله عباده عليها، فالعقل البشري محدود، وعلم الله محيط لا نهاية له، قال -تعالى-: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} (الإسراء: 85)، ولا يعني ذلك ترك فهم أدلة القدر أو مناقشة الشبهات المتعلقة به، وإنما المقصود تجنب الجدل العقيم والتكلف في البحث عما استأثر الله بعلمه، وقد نُقل عن الإمام الشافعي -رحمه الله- قوله في مناظرة القدرية: «ناظروهم بالعلم، فإن أقروا به خُصموا، وإن أنكروه كفروا»؛ لأن الإقرار بعلم الله السابق أصل عظيم في هذا الباب.

ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر

        إذا استقر الإيمان بالقدر في قلب المسلم أثمر آثارًا عظيمة؛ منها الطمأنينة عند المصائب، والصبر على البلاء، والتواضع عند النجاح، وشكر الله على نعمه، والبعد عن العجز والكسل، فالمؤمن يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأنه مأمور بالعمل ومحاسب على اختياره، فلا يغتر بطاعة، ولا يقنط بسبب معصية، بل يجمع بين الخوف والرجاء، والاستعانة بالله وحسن التوكل عليه.

كمال التسليم وكمال المسؤولية

        وخلاصة الأمر أن الإيمان بالقضاء والقدر عقيدة تجمع بين كمال التسليم لله وكمال المسؤولية عن العمل؛ فكل شيء يجري بعلم الله وكتابته ومشيئته وخلقه، والعبد مأمور بالطاعة، منهي عن المعصية، محاسب على ما كسبت يداه، وبذلك يتحقق المعنى العظيم الذي قرره ابن أبي داود -رحمه الله-؛ فالإيمان بالقدر دعامة من دعائم الدين، ومصدر يقين وطمأنينة، وباعث على الاستقامة والعمل الصالح.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك