استفادة طالب العلم من الذكاء الاصطناعي دون التفريط في الأمانة العلمية
- إن الانتفاع المنضبط بالذكاء الاصطناعي يقوم على الاستعانة به فيما يفيد فيه والتحقق من مخرجاته وعدم تفويضه فيما يتطلب أهلية علمية ومسؤولية شرعية
- يمكن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في ترتيب الأفكار وصياغة أسئلة البحث وتحديد جوانب المسألة واقتراح المصادر والموضوعات ذات الصلة
- طلب العلم ليس مجرد الوصول إلى معلومة بل هو فهم النصوص ومعرفة مناهج العلماء والتدرج في التعلم وتنمية القدرة على التمييز والموازنة والاستدلال
- يمكن الانتفاع بالذكاء الاصطناعي في تحسين العبارة وترتيب الملاحظات واقتراح بناء مناسب للبحث وصياغة مسودة لغوية انطلاقًا من مادة علمية أعدها الباحث وفهمها
الشيخ: علاء السعداوي
أصبح الذكاء الاصطناعي من الوسائل التي يمكن أن ينتفع بها الأئمة وطلبة العلم في البحث والكتابة والترجمة وإعداد الدروس، وليس من الحكمة رفض وسيلة نافعة لمجرد حداثتها، كما ليس من الأمانة العلمية اعتماد مخرجاتها دون تحقق ومراجعة؛ فالانتفاع الصحيح بها يقتضي معرفة إمكاناتها وحدودها، والتمييز بين ما تُعين عليه من أعمال، وما يبقى من مسؤولية الباحث واختصاص أهل العلم، والقاعدة التي ينبغي أن تضبط استعمال هذه التقنية هي: أن تكون وسيلة لخدمة العلم، لا بديلًا عن تحصيله، ولا مرجعًا مستقلًّا في تقرير مسائله وأحكامه, فسهولة الحصول على إجابة لا تعني صحتها، وجودة الصياغة لا تدل وحدها على سلامة الفهم والاستدلال.
ومن أهم الضوابط التي ينبغي مراعاتها في هذا الباب ما يأتي:أولًا: عدم تفويضه في النظر العلمي
يمكن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في ترتيب الأفكار، وصياغة أسئلة البحث، وتحديد جوانب المسألة، واقتراح المصادر والموضوعات ذات الصلة، وهذه أعمال قد تُعين الباحث على تنظيم جهده، وتلفت نظره إلى جوانب تستحق الدراسة، على أن تبقى المقترحات نقطة انطلاق للتحقق والبحث، لا نتائج جاهزة للاعتماد، أما تصور المسألة، وتحرير محل النزاع، والرجوع إلى المصادر الأصلية، وفهم الأدلة وأقوال العلماء، فمسؤولية يتولاها طالب العلم بنفسه، مستعينًا بأهل الاختصاص فيما يشكل عليه. فالحكم على الشيء فرع عن تصوره، ولا يصح بناء حكم شرعي على تصور لم يتحقق الباحث من صحته، أو على عرض أغفل قيدًا مؤثرًا، أو جمع بين مسائل تختلف أحكامها. ومن هنا، فإن قيمة الأداة تكون فيما تفتحه من أبواب النظر، لا فيما تُسقطه عن الباحث من واجب الفهم والتحقيق.ثانيًا: عدم اتخاذ مخرجاته مرجعًا مستقلًّا
قد يعرض الذكاء الاصطناعي أقوالًا فقهية، أو يقترح وجهًا للاستدلال، أو ينبه إلى اعتراضات محتملة، لكنه قد يخطئ في نسبة الأقوال، أو فهم النصوص، أو تصوير الخلاف، وقد يعرض قولًا مرجوحًا دون بيان مرتبته، أو ينقل حكمًا دون شروطه وضوابطه، لذلك لابد من التحقق من صحة الأدلة والنقول، وسلامة وجه الاستدلال، وفهم محل الاتفاق والخلاف، قبل اعتماد أي نتيجة. كما أن صحة النص المنقول لا تكفي وحدها لصحة الاستدلال به؛ إذ لا بد من فهم دلالته وسياقه، ومعرفة مدى انطباقه على المسألة محل البحث. ولا يُجعل جواب الآلة فتوى مستقلة يُعمل بها أو تُنقل إلى الناس دون مراجعة علمية مؤهلة، بل تُرد المسائل الشرعية إلى أهل العلم القادرين على فهمها وتنزيل الأحكام عليها؛ فالأداة قد تساعد في جمع المعلومات وتنظيمها، لكنها لا تمنح مستخدمها أهلية الاستدلال والترجيح والإفتاء.ثالثًا: المحافظة على حقيقة الجهد العلمي وصحة نسبته
يمكن الانتفاع بالذكاء الاصطناعي في تحسين العبارة، وترتيب الملاحظات، واقتراح بناء مناسب للبحث، وصياغة مسودة لغوية انطلاقًا من مادة علمية أعدها الباحث وفهمها، مع مراجعة ما يطرأ عليها من تعديل؛ حتى لا تؤدي إعادة الصياغة إلى تغيير المعنى أو تجاوز ما تدل عليه الأدلة، أما أن يتولى الذكاء الاصطناعي إعداد البحث، وجمع مادته واستدلالاته، واستخراج نتائجه، ثم ينسب الباحث ذلك كله إلى نفسه على أنه ثمرة تحصيله وجهده المستقل، ففي ذلك إخلال بالأمانة العلمية، ولا سيما إذا خالف شروط الجهة العلمية أو متطلبات البحث. ولا يكفي أن يقرأ الباحث النص قراءة عابرة ليصبح العمل كله منسوبًا إلى اجتهاده؛ بل ينبغي أن يكون قادرًا على فهم ما يقدمه، وشرح مساره، ومناقشة أدلته، وتحمل مسؤولية نتائجه، مع بيان الاستعانة بالأداة حيث يلزم، فالمقصود من البحث ليس إنتاج صفحات مكتوبة فحسب، بل تحصيل العلم، وتنمية الملكة العلمية، وتدريب النفس على الفهم والمقارنة والاستدلال. وكل استعمال يحقق المظهر ويُضيّع هذه الغاية يحتاج إلى مراجعة وتصحيح.رابعًا: مراجعة الترجمة ومقابلتها بالنص الأصلي
يمكن للذكاء الاصطناعي أن ييسر ترجمة المقالات والبحوث والنصوص الأجنبية، وأن يساعد في فهم مضمونها الأولي، لكن ترجمته قد تخطئ في المصطلحات الشرعية والعلمية، أو تُخل بدقة المعنى، أو تتجاوز سياق الكلام، وقد تبدو العبارة المترجمة سليمة لغويًّا مع أنها لا تؤدي مراد صاحبها، ولهذا لابد من مراجعة النص المترجم ومقابلته بالأصل، والتثبت من دقة المعاني والمصطلحات، ولا سيما عند ترجمة معاني القرآن الكريم، والأحاديث النبوية، وكلام العلماء؛ فهذه نصوص تتطلب عناية خاصة، وقد يترتب على الخطأ في ترجمتها خلل في الفهم أو الحكم. ومن لم تكن لديه القدرة على مراجعة الترجمة، فعليه الاستعانة بمن يجمع بين الكفاءة اللغوية والمعرفة بموضوع النص، وألا يجعل مراجعة الأداة لنفسها بديلًا عن المراجعة المتخصصة، كما ينبغي أن تكون نسبة الترجمة واضحة وصادقة؛ فلا تُنسب ترجمة مولدة آليًّا إلى مترجم بشري على خلاف الحقيقة، ويُبيَّن دور المترجم أو المراجع بحسب ما قام به فعلًا، وما تشترطه الجهة الناشرة.خامسًا: التحقق العلمي من كل ما يُنشر
قد ينتج الذكاء الاصطناعي عبارة بليغة تتضمن معلومة غير صحيحة، أو حديثًا لا يثبت، أو قولًا منسوبًا إلى عالم لم يقله، أو إحالة إلى مصدر لا توجد فيه المعلومة. وقد تبدو الإحالة دقيقة بما تشتمل عليه من اسم كتاب ورقم جزء وصفحة، مع أنها غير صحيحة، ومن ثم، فالمراجعة النهائية ليست تدقيقًا لغويًّا فحسب، بل تحقيق علمي يشمل النقول والمصادر والأدلة والنتائج. ويقتضي ذلك الرجوع إلى المواضع المشار إليها، ومقابلة النصوص بأصولها، والتأكد من أن النقل لم يُنتزع من سياقه، وأن النتيجة لا تتجاوز ما تثبته المادة العلمية. ولا يُنشر كلام شرعي لمجرد أن الآلة صاغته بأسلوب مقنع، ولا يُكتفى بسلامة بعض المعلومات للحكم بصحة النص كله؛ فكل دعوى مؤثرة في البحث تحتاج إلى ما يسندها، وتبقى مسؤولية النشر على من يقدّم المادة باسمه أو يعتمدها للنشر؛ إذ لا يرفع عنه واجب التثبت كون الخطأ قد صدر أولًا عن أداة تقنية.سادسًا: مراعاة الخصوصية وشروط الاستخدام
ينبغي للأئمة والمفتين والباحثين صيانة أسرار المستفتين وبياناتهم الشخصية وتفاصيل قضاياهم الخاصة، وألا تُدخل هذه المعلومات في أدوات الذكاء الاصطناعي دون حاجة معتبرة، وتحقق من ملاءمة الأداة لحمايتها، ومراعاة الضوابط الشرعية والنظامية ذات الصلة، والأصل الاقتصار على القدر اللازم من المعلومات، وتجريد المسألة من الأسماء والبيانات التي تكشف هوية أصحابها متى أمكن ذلك، مع الانتباه إلى أن بعض التفاصيل قد تدل على الشخص وإن حُذف اسمه. كما ينبغي مراعاة سرية البحوث والوثائق غير المنشورة، وحقوق أصحابها، وعدم رفع مواد لا يملك المستخدم صلاحية مشاركتها، ومن الأمانة كذلك الالتزام بشروط المؤسسات العلمية والجهات الناشرة، والإفصاح عن الاستعانة بالذكاء الاصطناعي حين تطلب الجهة ذلك، أو حين يكون بيان دوره لازمًا لصحة نسبة العمل وتقدير جهد صاحبه.سابعًا: ألا تؤدي سهولة الوصول إلى الجواب إلى ضعف التحصيل
طلب العلم ليس مجرد الوصول إلى معلومة، بل هو فهم النصوص، ومعرفة مناهج العلماء، والتدرج في التعلم، وتنمية القدرة على التمييز والموازنة والاستدلال، وهذه ملكات لا تُكتسب بمجرد جمع الإجابات، مهما كانت مرتبة وحسنة الصياغة. وقد تختصر التقنية بعض الوقت والجهد، لكنها لا تغني عن القراءة المتأنية، ومجالس العلم، والمذاكرة، وسؤال أهل الاختصاص، بل ينبغي أن يكون الوقت الذي توفره عونًا على مزيد من الفهم والتحقيق، لا سببًا في الانصراف عن أصول التعلم، ومن حسن استعمالها أن يحاول الطالب فهم المسألة وصياغة رأيه فيها أولًا، ثم يستعين بالأداة في تنظيم ما جمعه، أو استكشاف ما قد يكون أغفله، ويعود بعد ذلك إلى المصادر وأهل العلم للتحقق, وبهذا تبقى التقنية خادمة لتحصيله، وتظل قدرته على النظر والمراجعة حاضرة.مسؤولية العلم لا تنتقل إلى الآلة
إن الانتفاع المنضبط بالذكاء الاصطناعي يقوم على الاستعانة به فيما يفيد فيه، والتحقق من مخرجاته، وعدم تفويضه فيما يتطلب أهلية علمية ومسؤولية شرعية، فكلما اتسعت إمكانات الوسيلة، ازدادت الحاجة إلى وعي مستخدمها وأمانته وحسن تقديره، قد يعيننا على الكتابة، لكنه لا يعفينا من مسؤولية ما نكتب؛ وقد يقترح جوابًا، لكنه لا يغني عن التحقق من دليله؛ وقد ييسر الوصول إلى المصادر، لكنه لا يغني عن قراءتها وفهمها؛ وقد يختصر بعض خطوات البحث، لكنه لا يختصر الطريق إلى الرسوخ في العلم.
لاتوجد تعليقات