أدب الشكر وفقه المكافأة على المعروف (2-2)
- شكر المنعم من أخلاق ديننا ومحاسن إسلامنا فبه تقوى الروابط بين المسلمين وتتحقق المحبة بينهم وتدوم النعمة ولا تزول
- شكر الجهود والاعتراف بالعطاء وتقدير أصحاب المبادرات من أهم أسباب تعزيز روح التعاون وبناء الثقة وترسيخ ثقافة الوفاء
- ما أحوج مجتمعاتنا إلى إحياء خلق الشكر صونًا للمكارم من الجحود وحفظًا للمودة من النسيان
نستكمل في العدد الحديث عن أدب الشكر وفقه المكافأة على المعروف؛ حيث ذكرنا أنَّ شكر المحسنين من مكارم الأخلاق التي دعا إليها الإسلام، ووسيلة لحفظ المعروف وتوثيق روابط المحبة والمودة بين الناس، وقد أرشد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى مكافأة أهل الإحسان، وبيّن أن من أبلغ صور الثناء عليهم قول: «جزاك الله خيرًا»، ثم ذكرنا بعض الأخطاء الشائعة في ألفاظ الشكر والدعاء منها: تقييد الدعاء بعدد معين، ومنها: الاقتصار على قول جزيت خيرا، ومنها: تعليق الدعاء على المشيئة، ومنها قول: لا جزاك الله خيرا.
خامسًا: الفرق بين «جزاك» و«جازاك»
لا يفرِّق بعض الناس بين «جزاك الله خيرًا» و«جازاك الله خيرًا»، وبينهما فرق، يقول أهل البلاغة: إنَّ «جزى» وردت في القرآن لمطلق المكافأة، ثوابًا كانت أو عقابًا، أما «جازى» فالغالب فيها أن تكون في العقوبة، كقوله -تعالى-: {وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ} (سبأ: 17)؛ ولهذا قيل: «المؤمن يُجزى ولا يُجازى»، وقال مجاهد بن جبر التابعي الجليل: «يُجازى» أي يُعاقَب. فالصواب في المثوبة أن تقول: «جزاك الله خيرًا»، أو «يجزيك الله خيرًا» وهو المضارع من «جزى»، أو «جُزيتَ خيرًا».كيف نردُّ على من قال: «جزاك الله خيرًا»؟
يردُّ المقول له بمثلها: «وإياك، جزاك الله خيرًا»، أو يقول: «آمين» إجابةً للدعاء، وإن زاد على ذلك فحسن، عملًا بقوله -تعالى-: {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} (النساء: 86)، وهي وإن كانت في السلام خاصة، فقد عمَّمها بعض العلماء لتشمل كلَّ ألفاظ التقدير والاحترام، فلو قلتَ: «وجزاك الله خيرًا، وبارك فيك، وأحسن إليك» فلا بأس، وقد قيل: إذا قصُرت يدك عن المكافأة فليطُل لسانك بالشكر والدعاء.مراتب شكر الناس
شكر الناس على مراتب لا مرتبةٍ واحدة، والثناء باللسان، الذي تقدَّم الحديث عنه، نوعٌ منها، وهناك أنواعٌ أخرى:- المرتبة الأولى: مقابلة الإحسان بالإحسان
- المرتبة الثانية: الثناء على المحسن
- المرتبة الثالثة: الدعاء للمحسن
الدعاء والثناء يُدركان أجر المحسن
عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: لما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة أتاه المهاجرون فقالوا: يا رسول الله، ما رأينا قومًا أبذلَ من كثير، ولا أحسنَ مواساةً من قليل، من قومٍ نزلنا بين أظهرهم؛ لقد كفونا المؤونة وأشركونا في المَهْنَأ، حتى لقد خفنا أن يذهبوا بالأجر كله، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا، ما دعوتم الله لهم وأثنيتم عليهم»، وفي رواية النسائي: «أليس تثنون عليهم به وتدعون الله لهم؟» قالوا: بلى، قال: «فذاك بذاك». أي أنَّ ما تبذلونه من الثناء والدعاء يعدل ما بذلوه من معروف، وهذا صريحٌ في المعنى.ثمرات شكر المنعم
يتبيَّن مما سبق أنَّ شكر المنعم من أخلاق ديننا ومحاسن إسلامنا؛ به تقوى الروابط بين المسلمين، وتتحقق المحبة بينهم، وتدوم النعمة ولا تزول، قال ابن مفلح -رحمه الله- في «الآداب الشرعية»: «مكتوب في التوراة: اشكر لمن أنعم عليك، وأنعم على من شكرك، فإنه لا تزول النعم إذا شُكرت، ولا مقام لها إذا كُفرت، والشكر زيادةٌ في النعم وأمانٌ من الغِيَر».خلق يبني النفوس ويحفظ المجتمعات
إن شكر المعروف ليس مجرد كلمات تقال، ولا عبارات مجاملة تتردد على الألسنة، وإنما هو خلق إيماني يعكس صفاء النفس، ونبل الطبع، وحسن الوفاء؛ فالإنسان الذي يعرف الفضل لأهله، ويقدر إحسان الآخرين إليه، إنما يربي نفسه على التواضع والإنصاف، ويطهر قلبه من الجحود ونكران الجميل، ولقد جاءت الشريعة الإسلامية لتؤسس العلاقات بين الناس على الإحسان المتبادل، والاعتراف بالحقوق، وحفظ المودة؛ فلا يضيع معروف، ولا يجحد فضل، ولا يقابل إحسان بإساءة، ومن هنا كانت مكافأة المحسن من أسباب استدامة الخير في المجتمع؛ لأن الإنسان حين يجد التقدير والشكر على إحسانه، يكون ذلك أدعى إلى مواصلة البذل والعطاء.
الشكر يحفظ جسور المحبة
وإذا كان المعروف يبني جسور المحبة بين القلوب، فإن الشكر يحفظ هذه الجسور من الانقطاع؛ فكم من علاقة توثقت بكلمة تقدير صادقة، وكم من قلب سرته دعوة خالصة، وكم من محسن وجد في الاعتراف بفضله ما هو أعظم عنده من المكافأة المادية؛ ولذلك ينبغي أن نربي أبناءنا على هذا الخلق منذ الصغر، وأن نعلمهم شكر الوالدين والمعلمين، وتقدير من يقدم لهم العون، وألا ينظروا إلى إحسان الآخرين على أنه أمر مستحق لا يحتاج إلى شكر أو تقدير.علاقاتنا الأسرية والاجتماعية
كما ينبغي أن يكون هذا الخلق حاضرًا في علاقاتنا الأسرية والاجتماعية، وفي بيئات العمل ومؤسسات الخير؛ فشكر الجهود، والاعتراف بالعطاء، وتقدير أصحاب المبادرات، من أهم أسباب تعزيز روح التعاون، وبناء الثقة، وترسيخ ثقافة الوفاء، وما أحوج مجتمعاتنا إلى إحياء هذا الخلق العظيم؛ حتى لا تضيع المكارم بين الغفلة والجحود، ولا تنقطع المودة بنسيان الجميل، بل يبقى الإحسان موصولًا بالشكر، والعطاء محفوظًا بالوفاء، والمعروف سببًا لمزيد من المعروف.عظمة التوجيه النبوي
وهكذا تتجلى عظمة التوجيه النبوي في تلك الكلمة الوجيزة الجامعة: «جزاك الله خيرًا»؛ كلمة قليلة الحروف، عظيمة المعاني، تحمل في طياتها اعترافًا بالفضل، وإقرارًا بالجميل، ودعاءً صادقًا لصاحب الإحسان، فإذا عجزت الأيدي عن المكافأة، فلا تعجز الألسنة عن الشكر، وإذا قصرت القدرة عن رد الجميل، فلتتسع القلوب للدعاء؛ فالمعروف لا يضيع عند الله، والوفاء لا يغيب عن قلوب الكرام.
لاتوجد تعليقات