رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. ناظم المسباح 2 نوفمبر، 2026 0 تعليق

سلسلة الأخلاق الإسلامية .. معنى الرجولة في الإسلام (1-2)

  • الرجولة نضج إيماني وخلقي يحمل الرجل على القيام بالواجب وضبط القوة وحفظ الحقوق والثبات على الحق مع رحمة وحكمة
  • الرجولة تظهر في مساعدة مريض وقضاء حاجة عاجز والتيسير على من ضاق به الحال ونصرة من وقع عليه ظلم
 

الرجولة كلمة يأنف أكثر الناس من نفيها عنهم، غير أن الاتفاق على مدحها لا يعني الاتفاق على معناها، فمن الناس من يحصرها في قوة البدن، ومنهم من يراها في ارتفاع الصوت والقدرة على الغلبة، ومنهم من يربطها بالمال أو الجاه أو كثرة الأتباع، أما الإسلام فيقيم شأن الرجل على إيمانه وخلقه وتحمله للمسؤولية؛ فتظهر رجولته في صدقه عند الاختبار، وضبطه لنفسه عند ثوران الشهوة والغضب، وقيامه بحقوق أهله والناس، وبذله قوته فيما ينفع.

مفهوم الرجولة

        يأتي لفظ الرجل في اللغة للدلالة على الذكر البالغ، ويأتي في الاستعمال للدلالة على كمال صفات يحمدها الناس، والحديث هنا عن المعنى الثاني: عن الخصال التي يكتسبها الرجل حتى يكون ناضجًا في دينه وعقله وسلوكه، فمجرد البلوغ لا يمنح صاحبه حكمة، وقوة الجسد لا تضمن قوة الإرادة، والمظهر لا يكشف وحده عن حقيقة النفس. وهذه الفض ائل ليست حكرًا على الرجال؛ فالصدق والعفة والشجاعة والصبر مطلوبة من المؤمنين والمؤمنات، لكن وصف الرجولة يتناول اجتماعها في الرجل مع ما حمّله الله من واجبات في نفسه وبيته ومجتمعه، وعلى هذا يمكن تعريف الرجولة بأنها نضج إيماني وخلقي يحمل الرجل على القيام بالواجب، وضبط القوة، وحفظ الحقوق، والثبات على الحق مع رحمة وحكمة.

العبرة بالصفات والأعمال

       ولا يحمل كل ورود للفظ «الرجال» في القرآن معنى الثناء؛ فقد قال -تعالى-: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} (الجن: 6)؛ فالعبرة بالصفات والأعمال التي يذكرها السياق، لا باللفظ وحده، وهذا يبين الفرق بين كون الإنسان رجلًا من حيث الجنس، واستحقاقه المدح بما جمع من إيمان ورشد ومروءة، ولهذا لا يصح أن تجعل الأنساب والألقاب معيارًا لها، فقد مر رجل ذو هيئة ومكانة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم مر رجل من فقراء المسلمين، فقال في الثاني: «هذا خير من ملء الأرض مثل هذا»؛ فالميزان الذي يرفع الإنسان هو ما عنده من إيمان وصدق واستقامة، لا ما يحيط به من مظاهر. وقد نبّه القرآن إلى أن حسن الهيئة قد يخدع الناظر إذا انفصل عن صدق الإيمان، فقال في وصف المنافقين: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ} (المنافقون: 4) وقوة البدن نعمة يستعين بها الرجل على الواجب، لكن المرض أو الإعاقة لا ينقصان قدره إذا قام بما يستطيع، وصدق في عزمه، وبذل نفعه، فقد يعجز عن عمل بدني، ويقدر على تعليم أو نصيحة أو إصلاح يحتاج إليه الناس.

صفات الرجال في القرآن

        لا يقدم القرآن تعريفًا اصطلاحيًا جامعًا للرجولة، لكنه يذكر رجالًا في مواطن الثناء، فتتكشف من أوصافهم معالم هذا الخلق، قال الله -تعالى-: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} (الأحزاب: 23)، وأول ما يلفت في الآية صدق العهد والثبات عليه؛ لأن الرجل لا تتغير مبادئه كلما تغيرت مصلحته، ولا يتنصل من التزامه إذا ثقل ثمنه، وقال سبحانه: {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ} (النور: 37). لم تذم الآية التجارة، وإنما مدحت من يملكونها ولا تملكهم، ويعرفون موضع الدنيا من الآخرة، فالرجل يعمل ويكسب، لكنه لا يبيع صلاته وأمانته وأسرته من أجل مكسب عاجل، ويظهر معنى الآية أوضح بالنظر إلى ما قبلها: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} (النور: 36)؛ فهؤلاء الرجال يعمرون المساجد بذكر الله والصلاة، وليست عبادتهم فراغًا من العمل، بل وفاء بحق الله مع اشتغالهم بالكسب، ومن مواضع اختبار الرجل أن تتعارض منفعة عاجلة مع واجب ثابت؛ فيعرف لأيّهما يقدم وقته وجهده، وما الذي يرضى أن يفوته.

محبتهم للطهارة

         وقال -تعالى-: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} (التوبة: 108)، وفي الآية ثناء على محبتهم للطهارة وحرصهم عليها، ومن كمال استقامة الرجل أن يجمع إلى طهارة بدنه صيانة قلبه وعمله، فلا يعتني بظاهره ويهمل ما بينه وبين الله، كما عرض القرآن نماذج للمبادرة النافعة، فقال: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى} (القصص: 20)؛ جاء محذرًا موسى عليه السلام، وقال له: {فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ} (القصص: 20)، فلم يكتف بمعرفة الخطر، بل سعى لإبلاغ النصيحة في وقت يحتاج إليها. ومن هذه النماذج أيضًا الرجل الذي جاء ينصر دعوة المرسلين، فقال -تعالى-: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ} (يس: 20)، وفي موقفه مبادرة إلى نصرة الحق، وحرص على هداية قومه؛ فلم يقف عند صلاح نفسه، بل دعا غيره إلى اتباع الهدى، وهذا موقف آخر غير موقف الرجل الذي حذّر موسى عليه السلام في سورة القصص؛ يجمعهما السعي إلى النفع، ويتميز أحدهما بالدعوة، والآخر بالنصيحة والتحذير من الخطر.

الرشد الذي دعا إليه لوط -عليه السلام-

          ويتصل بهذه المعاني الرشد الذي دعا إليه لوط -عليه السلام- حين قال لقومه: {أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ} (هود: 78)، ففي سياق اعتدائهم على حرمة ضيفه تظهر الحاجة إلى من يدرك قبح الفعل ويمنعه، فالرشد يحفظ القوة من أن تصبح أداة للهوى، ويحمل صاحبها على حماية الحقوق ولو خالف بذلك رغبة من حوله. تجتمع في هذه المواضع معان متكاملة: صدق العهد، وعبادة لا تزاحمها الدنيا، وطهارة، ورشد، ومبادرة بالنصيحة ونصرة الحق، ومن جمع هذه المعاني كان أقرب إلى حقيقة الرجولة، وإن قل ماله أو خفي ذكره.

معالم الرجولة

          يمكن جمع أبرز معالم الرجولة في ثلاثة أخلاق: الكرم، والشجاعة، والعفة، فالكرم يحمل الرجل على بذل نفعه، والشجاعة تعينه على أداء الواجب والثبات على الحق، والعفة تحفظه من أن يستسلم لشهوته أو يعتدي على حقوق غيره. وهذه معان يجمعها الإيمان ويضبطها العدل، وتتداخل آثارها في الموقف الواحد؛ فقد يحتاج نصر المظلوم إلى كرم يبذل به الرجل جهده، وشجاعة يحتمل بها التبعة، وعفة تمنعه من تجاوز الحق.

أولًا: الكرم

        الكرم أوسع من بذل المال؛ فهو بذل ما يستطيع الرجل من وقت وجهد وعلم، مع طيب النفس وحفظ كرامة من ينتفع به، وتظهر آثاره في رعاية الأهل، وصلة الرحم، وإكرام الضيف، ونجدة المحتاج، وأولى الناس بهذا البذل من اؤتمن الرجل على رعايتهم؛ فلا يكون جوادًا في مجالسه، ثم يضيق بالواجب في بيته.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك