الحذيفي إمام الحرم المدني:أمر الله عباده بشكر النعم لتبقى وتزيد وحذر من جحودها لئلا تزول وتحيد
لقد خلق الله هذا الكون ليتم في خلقه أمره، ولِتَنْفَذ فيهم مشيئته، وليحكم فيهم بحكمه، لا معقب لحكمه، وليدبرهم بتدبيره المحكم بعلمه وحكمته، ورحمته وقدرته؛ فالخلق يتحولون من حال إلى حال، فهم بين فضله ورحمته، وبين عدله وحكمته، فما أصاب الخلق من سرّاء وخير فبمحض فضله ورحمته.
قال الله -تعالى-: {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ}، وقال -سبحانه-: {مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}، وقال -تعالى-: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً}، وقال -عز وجل-: {وما بكم من نعمة فمن الله}، وقال -سبحانه-: {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
فالنعم مبتداها من الرب -جل وعلا- ومنتهاها إليه، ومن رحمة الله بعباده، أن أمر العباد بشكر النعم لتبقى وتزيد، وحذّر من عدم شكرها لئلا تزول وتحيد، فقال -عز وجل-: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}، وشُكر النعم بالقيام بالفرائض وعدم ارتكاب الفواحش والمنكرات، وتسخير النعم فيما يرضي الله -تعالى- وتعظيم المُنعم -جل وعلا-، قال -سبحانه-: {وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}، وقال -تعالى-: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}، وقال بعض أهل العلم: لم تأتِ ساعة من ليل أو نهار إلا ومن آل داوود راكع أو ساجد أو عامل بطاعة.
تذكر النعم
فتذكر أيها المسلم نِعَم الله عليك، وتفكر بابتداء ربك هذه النِعَم عليك وأنت لا تستحقها عليه، وأثنِ بها على الرب -سبحانه- كما أثنى بها النبي - صلى الله عليه وسلم - على ربه بقوله: «عن شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ، وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ، وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ...» رواه النسائي، وصححه الألباني.
محبة الله والحياء منه
وتَذَكُّر النِعَم وتعظيمها يورث محبة الله والحياء منه؛ إذ كيف يكون من العاقل أن يقابل المحسن بالإساءة، قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} (البقرة/ 172)؛ فهذا من تدبير الله ومَنِّه بالخيرات والبركات والحسنات على العباد، ولا يَقْدِر أحد أن يوافي نعم الله بالطاعات، فالفضل كله لله، ولكن الله يعفو ويرحم ويتفضل ويرضى بالقليل من العمل الصالح مع الإخلاص وإصابة السُنة، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لن يدخل أحدٌ منكم الجنة بعمله، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدنيَ الله برحمة منه وفضل» رواه أحمد من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه .
قال ابن رجب -رحمه الله- في السلف الصالح: وكانوا يتهمون أعمالهم وتوباتهم، ويخافون ألّا يكون قد قَبِلَ منهم ذلك، فكان ذلك يوجب لهم شدة الخوف وكثرة الاجتهاد في الأعمال الصالحات، قال الحسن البصري -رحمه الله-: أدركت قوماً لو أنفق أحدهم ملء الأرض ما أَمِنَ، لعظم الذنب في نفسه. انتهى
المصائب والشرور والعقوبات
وكما أن الخير والنعماء والسراء بقضاء الله وقدره وفضله ورحمته، فكذلك المصائب والشرور والعقوبات بقضاء الله وقدره وعدله ورحمته، قال -تعالى-: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ}، وعن عبدالله بن عمرو -رضي الله عنهما- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء» رواه مسلم والترمذي.
الله -عز وجل- خلق الأسباب
والله -عز وجل- خلق الأسباب وخلق ما بعد الأسباب، فالرب -سبحانه- يخلق بسبب، ويخلق بغير سبب، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، يبتلي بالخير ويبتلي بالشر، قال -تعالى-: {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}. فيُثيب الله الطائعين الشاكرين، ويعاقب العصاة الجاحدين؛ فالكون يجري على سنن الله التي أراد، وبينها الله في كتابه. فالإله العظيم القادر الرحيم العزيز الحكيم، هو الذي يحكم الكون ويصرفه، قال -تعالى-: {يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون}. وقال -سبحانه-: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ}. وقال -عز وجل-: {يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}. عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «كل يوم هو في شأن، من شأنه أن يغفر ذنبا، ويكشف كربا، ويجيب داعيا، ويرفع قوما ويضع آخرين» رواه البزار.
ولو كان الكون يمضي في دهره كما يريد الناس، لما وقع الابتلاء على الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، ولما كان لهم أحسن العاقبة هم وأتباعهم، ولما أصاب مخالفيهم أنواع العقوبات، ولكنّ الحكم لله وحده. قال -تعالى-: {قل إن الأمر كله لله}. وقال -تعالى-: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ}.
المصائب تكفير للسيئات
والمصائب تكفير لسيئات المسلم، ورفعة لدرجاته، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة «رواه الترمذي وقال حديث حسن، والحاكم وصححه، وعن محمد بن خالد السلمي عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة فلَمْ يبلغها بعمل، ابتلاه الله في جسده، أو في ماله، أو في ولده، ثم صبّره الله على ذلك حتى يُبَلِّغه المنزلة التي سَبَقت له من الله -تعالى ». رواه أبو داوود وأحمد وأبو يعلى.
البلاء على قدر الدين
والبلاء على قدر الدين قوة وضعفا، عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: «قلت يا رسول الله، أي الناس أشد بلاءً؟ قال: الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى المرء على قدر دينه، فإن كان دينه صلبا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلاه الله على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة» رواه الترمذي وقال حسن صحيح، ورواه ابن ماجه.
النوازل والكوارث العامة
والمصائب والنوازل والكوارث العامة تُثاب عليها أمة الإسلام بالصبر والاحتساب، وهي عبرة للناس ليتفكروا من أي أبواب الذنوب أُتُوا، لئلا يكرروا الذنوب، ولئلا يرتكبوا ما هو أكبر، ولئلا يعاقبوا بما هو أعظم، وليتذكروا ما كانوا فيه من النعم قبل النازلة؛ لتدوم عليهم العافية والأمن والرخاء بالطاعات. قال -سبحانه- في سُنَّته في عباده {عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا}.
النوازل لا تدوم
والله -جل وعلا- لا يديم على الأمة النوازل، بل يرفعها إذا شاء؛ فانتظروا فرج الله، وقابلوا البلاء بالدعاء والإنابة؛ فإن الرب -سبحانه- غني عن عذاب الناس، ولكنه -سبحانه- يحب لهم أن يعملوا الصالحات، ويهجروا المنكرات. قال -تعالى-: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} وقال -تعالى- {إن رحمة الله قريب من المحسنين}.
غنى العبد وسعادته
عباد الله، اعلموا أن غنى العبد وسعادته في اضطراره إلى ربه ويقينه بذلك، قال الله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}. وأنّ خذلان العبد وخسارته وهلاكه في ظنه أنه غني عن ربه، وغروره بنفسه، وبما آتاه الله. قال -سبحانه-: {وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى وما يغني عنه ماله إذا تردى}.
وفي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، الصحة والفراغ «رواه البخاري. وفي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «واعلم أن الفَرَجَ مع الكرب، وأن مع العسر يسرا».
خطبة الحرم المدني
بتاريخ12/11/1441هـ
لاتوجد تعليقات