السنة النبوية.. ركيزة الإيمان وسبيل النجاة
- إحياء السُنَّة النبويَّة في واقع المسلمين اليوم ضرورة شرعية وحضارية لبناء الفرد وصناعة الأسرة وإصلاح المجتمع ومواجهة ما يحيط بالأمة من فتن فكرية وسلوكية
- صلاح الأمة قديمًا وحديثًا لا يكون إلا بالاعتصام بكتاب الله وسُنَّة رسوله - صلى الله عليه وسلم - على فهم الصحابة والتابعين ومن سار على نهجهم بإحسان
تبرز السُنَّة النبويَّة المطهرة بوصفها الركيزة الثانية للتشريع الإسلامي بعد كتاب الله -عز وجل، والأساس الذي يكتمل به البناء الإيماني، وتستقيم به العقيدة والعبادة والأخلاق، وقد قرن الله -سبحانه وتعالى- طاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - بطاعته في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، تأكيدًا على أن اتباع السُنَّة ليس أمرًا مستحبًا فحسب، بل هو أصل من أصول الدين، قال -تعالى-: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (آل عمران: 132)، وقال -سبحانه-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} (النساء: 59)، وقال -عز وجل-: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} (النساء: 80).
السنة النبوية وبناء الشخصية الإيمانية
جاءت السنة النبوية لتبني شخصية المسلم بناءً متكاملًا، فهي المنهج الذي يزكي النفس، ويقوم السلوك، ويهذب الأخلاق، ويغرس في القلب معاني الإيمان واليقين. فكلما ازداد المسلم تمسكًا بهدي النبي - صلى الله عليه وسلم - ازداد إيمانه رسوخًا، وقلبه طمأنينة، واستقامت جوارحه على طاعة الله. ولذلك جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - محبته واتباعه من الإيمان، فقال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين». فالسنة ليست مجرد أحداث تاريخية أو مواقف تُروى، وإنما هي منهج حياة يربط بين العقيدة والعمل، ويترجم الإيمان إلى واقع عملي في حياة المسلم.اتباع السنة طريق النجاة والفلاح
أكد القرآن الكريم أن الفوز في الدنيا والآخرة لا يتحقق إلا باتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فقال -تعالى-: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} (الحشر: 7)، وقال -سبحانه-: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} (آل عمران: 31)، وجاءت السنة النبوية تؤكد هذا الأصل العظيم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى»، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: «من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى». كما أوصى - صلى الله عليه وسلم - الأمة بالاعتصام بسنته عند وقوع الفتن والاختلاف، فقال: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور...»، وهو توجيه نبوي يؤكد أن النجاة من الفتن لا تكون إلا بالرجوع إلى الوحيين، والتمسك بالهدي النبوي.الصحابة... النموذج العملي في تعظيم السنة
لم يكن تعامل الصحابة -رضي الله عنهم- مع السنة مجرد حفظ للأحاديث أو معرفة بالأحكام، وإنما كان امتثالًا فوريًا وتسليمًا كاملًا لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلم يقدموا رأيًا ولا هوى على قوله وفعله، وكانوا يرون أن الخير كل الخير في اتباعه - صلى الله عليه وسلم -. ويتجلى ذلك في مواقف عظيمة خلدها التاريخ؛ فعندما نزل تحريم الخمر أراق الصحابة ما عندهم منها في طرقات المدينة دون تردد، وحين بلغ أهل مسجد قباء خبر تحويل القبلة استداروا أثناء الصلاة امتثالًا لأمر الله ورسوله. وقال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -: «لست تاركًا شيئًا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعمل به إلا عملت به، فإني أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ»، في صورة ناصعة لعظيم اتباعه للسنة. وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عند تقبيله الحجر الأسود: «إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبلك ما قبلتك»، مبينًا أن الاتباع هو العلة، وأن العبادة مبناها على التوقيف لا على الرأي. أما عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما-، فقد عُرف بشدة اقتدائه بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، حتى كان يتحرى المواضع التي نزل فيها أو سار منها، حبًا للنبي وتعظيمًا لسنته.السنة سبيل الاجتماع والثبات
إن من أعظم أسباب اجتماع الأمة ووحدة صفها الاعتصام بالكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، أما الإعراض عن السنة أو تقديم الأهواء والآراء عليها فهو سبب مباشر للفرقة والاختلاف. ولهذا أوصى النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته بقوله: «فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور...». وقد فهم السلف هذا التوجيه حق الفهم، فكانوا يعدون التمسك بالسنة من أعظم أسباب الثبات، والسلامة من الفتن، وحفظ العقيدة من الانحراف.منهج السلف في تقديم السنة
امتاز السلف الصالح بتعظيمهم للنصوص الشرعية، فلم يكونوا يقدمون قول أحد كائنًا من كان على قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.- فهذا علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - يقول: «لا أدع سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقول أحد من الناس».
- ولما احتج بعض الناس على عبدالله بن عباس -رضي الله عنهما- بقول أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- في مسألة متعة الحج، قال كلمته المشهورة: «يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتقولون: قال أبو بكر وعمر».
السنة في واقعنا المعاصر
إن إحياء السنة النبوية في واقع المسلمين اليوم ليس مجرد استحضار لأحداث الماضي، بل هو ضرورة شرعية وحضارية لبناء الفرد، وصناعة الأسرة، وإصلاح المجتمع، ومواجهة ما يحيط بالأمة من فتن فكرية وسلوكية، فكلما كان المسلم أقرب إلى هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في عبادته وأخلاقه ومعاملاته، كان أكثر ثباتًا وطمأنينة، وأبعد عن الانحراف الفكري والاضطراب المنهجي. ولهذا قال الإمام مالك رحمه الله: «لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها»، فصلاح الأمة قديمًا وحديثًا لا يكون إلا بالاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، على فهم الصحابة والتابعين ومن سار على نهجهم بإحسان. وما بذله علماء الإسلام عبر القرون من جهود عظيمة في جمع السنة، وتمحيص رواياتها، وبيان صحيحها من ضعيفها، وتأليف المصنفات في حفظها وخدمتها، إلا شاهدٌ على مكانتها العظيمة، وإدراكهم أن سلامة الأمة وثباتها مرهونان بالتمسك بالوحيين، والسير على هدي النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم -.
لاتوجد تعليقات