خواطر الكلمة الطيبة – الحجاب.. هويةٌ راسخة وصراعٌ متجدد
- الحجاب عبادة يتقرب بها إلى الله تعالى وهو عنوان للعفة والحياء وسياج يحفظ الأسرة والمجتمع
- تُعد الكويت مثالًا واضحًا للمجتمعات الخليجية التي اشتهرت بالاحتشام والمحافظة فستر المرأة جزءٌ أصيلٌ من حياة المجتمع
إذا رجعنا إلى التاريخ قبل بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - وجدنا أن كثيرًا من المجتمعات كانت تعيش أنواعا من الانحلال في شأن ستر المرأة وعفافها، تدرج فيه الشيطان مع بني آدم؛ إذ لم يدعهم إلى الانحراف دفعة واحدة، وإنما سار بهم خطوةً بعد خطوة، حتى هان عليهم ترك الحياء، ومن ثم فرطوا في الحجاب، ثم أظهروا الزينة والسفور.
فلما أشرق نور الإسلام أعاد للمرأة كرامتها، وصان عفافها، وأنزل الله -تعالى- آية الحجاب، فقال -سبحانه-: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} (الأحزاب: 59)، فكان الحجاب تشريعًا ربانيًا يحفظ المرأة، ويصون المجتمع، ويجعل العفة عنوانًا للهوية الإسلامية.الكويت مجتمعٌ عُرف بالستر
وتُعد الكويت مثالًا واضحًا للمجتمعات الخليجية التي اشتهرت بالاحتشام والمحافظة، فستر المرأة جزءٌ أصيلٌ من حياة المجتمع، فقد كانت المرأة الكويتية تعرف بلباسها المحتشم، ومن أشهره (البوشية) والعباءة، وهما من المظاهر الاجتماعية التي جسدت قيمة الحياء والستر في المجتمع الكويتي. ومع بدايات الانفتاح على العالم، بدأت بعض المؤثرات الفكرية والثقافية الوافدة تجد طريقها إلى المجتمع، كما أسهمت بعض وسائل الإعلام منذ خمسينيات القرن الماضي في إثارة قضايا تتعلق بالحجاب وما سُمِّي آنذاك بالحريات الشخصية، متأثرةً بالأفكار الوافدة من بعض البلدان العربية التي كانت قد تأثرت بالتيارات التغريبية.دعوات السفور ومقاومة الهوية
ومع مرور الوقت ظهرت دعوات تدعو إلى التخلي عن البوشية والعباءة، وبرزت بعض الأصوات المطالبة بتغيير أنماط اللباس، كما نشأت المنتديات نسائية تبنت عددًا من الأفكار المتأثرة بالاتجاهات الغربية، وتزامن ذلك مع حملات إعلامية وثقافية استهدفت إعادة تشكيل الهوية الاجتماعية، وقد انعكس أثر هذه الدعوات في سبعينيات القرن الماضي، حتى أصبح الحجاب في بعض البيئات الجامعية أقل انتشارًا مما كان عليه في السابق، وهو ما أثار قلق العلماء والدعاة وعموم الغيورين على هوية المجتمع.جهود العلماء والدعاة
وفي مقابل هذه الموجة التغريبية، نهض العلماء والدعاة بواجبهم في البيان والدعوة، فبدأت جهود الدعوة إلى الحجاب منذ أواخر الخمسينيات، وطُبعت مؤلفات تُبين حكم الحجاب وأدلته الشرعية، وإن كان انتشارها في بداياتها محدودًا. ثم تعاظمت هذه الجهود في السبعينيات، ولا سيما من خلال الصحافة والإعلام؛ حيث برز عدد من الدعاة الذين تصدوا للشبهات المثارة حول الحجاب، ومنهم الشيخ عبدالله السبت -رحمه الله-، الذي أسهم في نشر الأدلة الشرعية، وبيان مكانة الحجاب، والتنبيه إلى أن ظاهرة السفور ليست من أصالة المجتمع الكويتي ولا من أعرافه، وإنما هي ثقافة وافدة، وأن المحافظة على الحجاب هي محافظة على الدين والهوية والقيم. واستطاعت هذه الجهود العلمية والدعوية -بفضل الله -تعالى- أن تواجه المد العلماني والاشتراكي وسائر التيارات المخالفة للشريعة، حتى عاد الحجاب بقوة إلى المجتمع الكويتي في ثمانينيات القرن الماضي، وأصبح مظهرًا بارزًا من مظاهر الالتزام والاعتزاز بالدين.
مسؤولية الحاضر واستمرار الرسالة
واليوم، ونحن نعيش موجة جديدة من الدعوات التي تستهدف قيم العفة والاحتشام بوسائل إعلامية وثقافية أكثر تأثيرًا وانتشارًا، فإن الواجب يقتضي ألا نغفل عن دروس التاريخ؛ وأهمية مواصلة الجهود الدعوية والتربوية والإعلامية في ترسيخ قيمة الحجاب، وتعزيز هوية بناتنا ونسائنا، وربط الأجيال بأحكام الشريعة ومحاسنها، مع تقديم القدوة الحسنة والخطاب الحكيم الذي يجمع بين العلم والرحمة والإقناع.عبادة يُتقرب بها إلى الله -تعالى-
فالحجاب ليس مجرد مظهر أو عادة اجتماعية، بل هو عبادة يتقرب بها إلى الله -تعالى-، وهو عنوان للعفة والحياء، وسياج يحفظ الأسرة والمجتمع، ويحمي الهوية الإسلامية من الذوبان في موجات التغريب. وإذا حافظ المجتمع على قيمه وثوابته بقي متماسكًا قويًّا، معتزًا بدينه، مستمسكًا بشريعته، سائرًا على هدي ربه، {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}، والحمد لله رب العالمين.فضائل الحجاب
- حفظ العِرض: فالحجاب حِرَاسةٌ شرعية لحفظ الأعراض، ودفع أسباب الرِّيبة والفتنة والفساد.
- طهارة القلوب: فالحجاب داع إلى طهارة قلوب المؤمنين والمؤمنات، وعمارتها بالتقوى، وتعظيم الحرمات، وصَدَق الله -سبحانه-: {ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} (الأحزاب: 53).
- مكارم الأخلاق: فالحجاب داع إلى توفير مكارم الأخلاق من العفة والاحتشام والحياء والغيرة.
- علامة على العفيفات: فالحجاب علامة شرعية على الحرائر العفيفات في عفتهن وشرفهن، وبعدهن عن دنس الريبة والشك: {ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ}، وصلاح الظاهر دليل على صلاح الباطن، وإن العفاف تاج المرأة، وما رفرفت العفة على دارٍ إلا أكسبتها الهناء.
- حفظ الغيرة: وهي السياج المعنوي لحماية الحجاب، ودفع التبرج والسفور والاختلاط، والغيرة هي: ما ركّبه الله في العبد من قوة روحية تحمي المحارم والشرف والعفاف من كل مجرم وغادر، والغيرة في الإسلام خلق محمود، وجهاد مشروع؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ اللهَ يَغارُ، وإنَّ المُؤمِنَ يَغارُ، وغَيرةُ اللهِ أن يَأتيَ المُؤمِنُ ما حَرَّمَ عليه».
لاتوجد تعليقات