رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: وائل رمضان 13 يوليو، 2026 0 تعليق

باختصار.. ذِئبا المال والجاه !

كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عظيمَ النصح لأمته، شديدَ الحرص على سلامة دينها، وحفظ إيمانها، وصيانة قلوبها من كل ما يفسدها أو يُضعفها، وكان - صلى الله عليه وسلم - يربي أصحابه على أن أعظم ما يملكه الإنسان هو دينه؛ لذلك كان يُحذّرهم من التعلق بالدنيا، والتنافس على زخارفها وزينتها. ومن أبلغ الأمثال التي ضربها النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الباب، قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ما ذِئبانِ جائعانِ أُرسِلا في غنمٍ بأفسدَ لها من حِرصِ المرءِ على المالِ والشرفِ لدينِه»؛ ليصوِّر لنا أن استيلاء حبِّ المال والجاه على القلب أشدُّ إفسادًا للدين من ذئبين جائعين أُطلقا في قطيعٍ من الغنم السائبة، فما تركا فيه سالمًا، ولا أبقيا منه إلا ممزقًا. ولم يكن اختيار النبي - صلى الله عليه وسلم - للذئب في هذا المثل اختيارًا عابرًا، بل هو من كمال بلاغته، وعظيم حكمته - صلى الله عليه وسلم -؛ فالذئب عند العرب مضربُ المثل في الافتراس والعدوان، فإذا اشتد به الجوع تضاعفت شراسته، وعظم بطشه، واشتد فتكه بفريسته. ثم لم يذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - ذئبًا واحدًا، وإنما ذكر ذئبين جائعين؛ ليصور اجتماع أسباب الهلاك، وتضاعف الخطر، وسرعة وقوع الفساد، فالذئبان الجائعان لا يكتفيان بالأكل، بل يوقعان في القطيع فسادًا كبيرًا بالافتراس والإخافة، وكذلك الحرص غير المنضبط على المال والمنزلة؛ قد يدفعان الإنسان إلى الكذب، والظلم، والرشوة، والخيانة، والتنافس المذموم، وغيرها من الأمور التي تفسد دينه. وليس الحرصُ المذموم في هذا الحديث مجردَ محبة المال؛ فإن المال نعمةٌ من نعم الله -تعالى- إذا كان من كسبٍ طيب، وأُنفق في وجوه الخير، واستُعين به على طاعة الله -عزوجل- وإنما المذموم أن يستولي حبُّ المال على القلب، فيتحول من وسيلةٍ إلى غاية، ومن نعمةٍ إلى فتنة، ويصبح أكبر همِّ صاحبه جمعَه وتكثيرَه، ولو كان الثمن دينَه. وكذلك يحذرنا الحديث من أن يستولي حبُّ الجاه والمنصب والشهرة على القلب، حتى يصبح أكبر همِّ الإنسان، فيدفعه إلى التنازل عن مبادئه، ومداهنة أهل الباطل، والتسابق إلى المناصب، والحرص على الظهور، والتعلق بمدح الناس أكثر من طلب رضا الله -تعالى-، فكم أفسد حبُّ الجاه من نيات, وأضاع من أمانات، وأشعل بين الناس خصومات وعداوات! لقد ربَّى الإسلام أتباعه على أن يكون المالُ في أيديهم لا في قلوبهم، وأن تكون المسؤولية تكليفًا لا تشريفًا؛ ولذلك كان الأنبياءُ والسلف الصالح رضوان الله عليهم أزهدَ الناس في الدنيا، مع قدرتهم على نيلها؛ لأنهم أيقنوا أن الدنيا ظلٌّ زائل، فهانت عليهم زخارفها، وصغرت في أعينهم متاعها، فلم تفتنهم نعمة، ولم تستعبدهم شهوة، ولم تُلههم زينةٌ عن طاعة ربهم. وإنَّ من أعظم ما يعصم العبد من شرِّ هذين الذئبين الجائعين: قوةَ الإيمان، ودوامَ ذكر الرحمن، واستحضارَ الآخرة، والقناعةَ بما قسم الله له، والإخلاصَ في الأقوال والأعمال، ومحاسبةَ النفس عند كل رغبةٍ في مالٍ أو جاه؛ حتى يظل القلبُ معلقًا بربه، زاهدًا في زخارف دنياه، وتكون الآخرةُ أكبرَ همِّه، ورضا الله أسمى غايته، فلا تستعبده شهوة، ولا يفتنه جاه. فليحذرِ المسلمُ من ذئابٍ جائعةٍ قد تتزين في صورةِ مالٍ، أو جاهٍ، أو شهرةٍ، أو نجاحٍ زائف؛ فإنها إذا تمكنت من القلب افترست الدين، حتى لا تُبقي منه إلا كما تُبقي الذئابُ الجائعةُ من الغنم؛ تمزق الأوصال، وتبدد الأحوال، ولا تذر إلا قلبًا خاوِيًا، وإيمانًا واهيًا.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك