رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي 13 يوليو، 2026 0 تعليق

شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: الصرف وبيع الذهب بالوَرِق نقدًا

  • الرِّبا نَوعٌ مِنْ أنْواعِ الاسْتِغلالِ في المعامَلاتِ وفيه قدْرٌ كَبيرٌ مِنَ الضَّررِ على الناس وفيه سُحتٌ وأخْذُ زِيادةٍ بِالباطلِ ومِن هنا كان مُحرَّماً في جميعِ الشَّرائعِ
  • يجُوز بيع الذّهب بالفِضّة، أو الفضّة بالذّهب، مُتفاضلاً، أي: غير متساويين في الوزن أو القيمة، لكنْ بشَرط التّقابض في المَجْلس، وكذلك بيع البُرّ بالشعير
  • الأصناف الستة: الذهب والفضة والبُرّ والشعير والتمر والملح لا يجوز بيع جنسٍ منها بجنسٍ آخر منها مؤجلًا ولا يجوز بيع جنسٍ منها بجنسه متفاضلًا
  • الأثمان المُتساوية متى جُعل بعضها أفضل مِنْ بعض؛ حَصَل الفساد، بل لابُدّ ألا تُقصد لأعيانها، بل يقصد التوسل بها إلى السلع
 

عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ - رضي الله عنه - أَنَّهُ قَالَ: أَقْبَلْتُ أَقُولُ: مَنْ يَصْطَرِفُ الدَّرَاهِمَ؟ فَقَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِاللَّهِ- وهُوَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه -: أَرِنَا ذَهَبَكَ، ثُمَّ ائْتِنَا إِذَا جَاءَ خَادِمُنَا نُعْطِكَ وَرِقَكَ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: كَلَّا وَاللَّهِ، لَتُعْطِيَنَّهُ وَرِقَهُ، أَوْ لَتَرُدَّنَّ إِلَيْهِ ذَهَبَهُ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «الْوَرِقُ بِالذَّهَبِ رِبًا؛ إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا؛ إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا؛ إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا؛ إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ»، الحديث أخرجه مسلم.

        في هذا الحَديثِ يُخبِرُ مالكُ بنُ أَوسِ بنِ الحَدَثَانِ - رضي الله عنه - أنَّه جاء إلى مجلِسٍ فيه عُمَرُ بنُ الخطَّابِ - رضي الله عنه -، وكان مالكٌ يقولُ: «مَنْ يَصطَرِفُ الدَّراهمَ؟» أي: مَن يَشتَري دَنانيرَ الذَّهبِ الَّتي مَعي؛ بِدراهمَ فِضَّةٍ، فقد كان معَ مالكِ بنِ أوْسِ بنِ الحَدَثانِ مائةُ دينارٍ -كما جاء في روايةِ البُخاريِّ- فيُريدُ أنْ يُغيِّرَها إلى دراهمَ، فقالَ له طَلحةُ بنُ عُبَيدِ اللهِ- وكان في المجلِسِ عندَ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ - رضي الله عنه -: «أَرِنَا ذَهبَكَ» أي: أَعْطِنَا دَنانيرَكَ لنَراهَا، «ثُمَّ ائْتِنَا» أي: فِيما بعْدُ، «إذا جاءَ خادمُنَا، نُعطِكَ وَرِقَكَ» أي: الدَّراهمَ الفِضَّةَ، فقالَ عُمَرُ بنُ الخطَّابِ - رضي الله عنه - لمَّا سمِعَ ذلك: «كلَّا» وهذا إنكارٌ منه لهذا النَّوعِ منَ المُعامَلةِ، ثُمَّ أقسَمَ عليه عُمرُ - رضي الله عنه - أنْ يُعطيَه الفضَّةَ الَّتي يُريدُ شِراءَها الآنَ؛ أو يرُدَّ إليه ذهَبَه الَّذي أخَذَه منه. ثمّ بيَّنَ سببَ ذلك فقال: إنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «الْوَرِقُ بِالذَّهبِ رِبًا» أي: بيعُ الفضَّةِ بِالذَّهبِ رباً في جميعِ الأحْوالِ، «إلَّا هاءَ وهاءَ» أي: إلَّا ما كان في حالَ الحضورِ، وكان فيه التَّقابُضِ المباشرِ يداً بيدٍ، وكذلك بيعُ الْبُرِّ- وهو القَمحُ- بِالبُرِّ، وبيعُ الشَّعيرِ بِالشَّعيرِ، وَبيعُ التَّمرِ بِالتَّمرِ، كلُّ ذلك رِباً في جميعِ الأحْوالِ، إلَّا حالَ ما كان فيه الحضورِ والتَّقابُضِ يداً بيدٍ.

 فوائد الحديث

  • النَّهْيُ عَنْ رِبَا الفضل، وهو بيع الشيء بجنْسِه مُتفاضلاً، أو مُؤجلًا.
  • يجوزُ بيع الجِنْس الربوي بجنسٍ آخر ربوي مُتفاضلاً، بشرط التَّقَابض في المجلس.
  • وفيه: إنْكار المنْكَرِ، ومنْعُ الناس منه، لِمَنِ استَطاعَ ذلكَ.
  • وفيه: ذِكْرُ الدَّليلِ عِندَ إنْكارِ المُنكَرِ.
  • وفيه: أنَّ مِنَ العِلْمِ مَا يَخْفى على الرَّجُلِ الكَبيرِ، حتَّى يُذكِّرَه به غيرُه.
  • أنّ الرِّبا نَوعٌ مِنْ أنْواعِ الاسْتِغلالِ في المعامَلاتِ، وفيه قدْرٌ كَبيرٌ مِنَ الضَّررِ على الناس، وفيه سُحتٌ وأخْذُ زِيادةٍ بِالباطلِ؛ ومِن هنا كان مُحرَّماً في جميعِ الشَّرائعِ.

 باب: بيع الذَّهَب بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّة بِالْفِضَّةِ والبُر بِالبُرِ وَسائر ما فيه الربا، سَوَاءً بِسَوَاءٍ يَدًا بِيَدٍ

عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم-: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، والْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، والْبُرُّ بِالْبُرِّ، والشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، والتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، والْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ؛ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَداً بِيَدٍ». الحديث رواه مسلم في البيوع (3/1211) باب: الصّرف وبيع الذّهب بالورق نقداً.

  • قوله: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، والْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ...» هذه الأصناف الستة؛ وهي: الذَّهبُ والفِضّة والبُرّ والشعير والتمر والملح، تسمّى الأمْوالَ الرّبويّة؛ أي: التي تخضع لقاعدة تَحريم الرّبا، لثبوتِ النّص النّبوي فيها، فلا يجوز بيعُ جنسٍ منها بجنسٍ آخر منها مُؤجّلًا، ولا يجوز بيع جنس منها بجِنْسه مُتفاضلًاً، فلا يجوز بيع الذّهبِ بالذّهب مُؤجلًا، أو مُتفاضلاً، مهْما كان نوع الذّهب فيهما، وكذلك كلّ جِنسٍ مِنَ الأجناس الأخرى التي وردت في هذا الحديث، لا يُباعُ بجنسه مُتفاضلاً أو مُؤجلاً، بقطع النّظَر عن جَودة أحد الجنسين أو رداءته.
لكنْ يجُوز بيع الذّهب بالفِضّة، أو الفضّة بالذّهب، مُتفاضلاً، أي: غير متساويين في الوزن أو القيمة، لكنْ بشَرط التّقابض في المَجْلس، وكذلك بيع البُرّ بالشعير، يجوز فيه التَّفاضل، ولكن لا بُدّ فيه مِنَ التقابض في المَجلس، وهكذا بقية الأصناف.

النّهي عن ربا الفَضل

        وقد استفاضت السُّنّة النّبوية بالنّهي عن ربا الفَضل، في أصناف معينة، فقد أخرج البخاري ومسلم: عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -: أنّ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تَبيعُوا الذّهبَ بالذهب إلا مِثلًا بمثل، ولا تُشفّوا بعضَها على بعض، ولا تَبيعوا الوَرِق بالوَرِق إلا مِثلاً بمثل، ولا تُشفّوا بعضها على بعض، ولا تَبيعُوا منْها غائباً بِنَاجز». وفي لفظ: «الذّهب بالذهب، والفِضّة بالفضة، والبُرّ بالبر، والشَّعير بالشعير، والتَّمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، يداً بيد، فمَنْ زاد، أو اسْتزاد، فقد أربى، الآخذُ والمُعْطي فيه سواء». أخرجه مسلم.

معنى «مثلًا بمثل»

        ومعنى «مثلًا بمثل» ظاهرٌ جلي، لا يحتاج إلى مزيد شرح، فالمراد به النَّهي عن التفاضل، والأمر بالتساوي، وقد بين في الروايات الأخرى: «سواء بسواء»، «فمن زاد، أو استزاد، فقد أربى»، وقال ابن الجوزي: وقوله: «لا تشفّوا بعضَها على بعض» أي: لا تُفضّلوا، ولا تزيدوا. والشّفوف: الزيادة، يقال: شفّ يشف: إذا زاد. وقد يقال: شف: إذا نقص، فهو من الأضداد. اهـ. «كشف المشكل».

الحِكمة من النهي عن ربا البيوع

         ويتم فقه هذا الأمر، بفهم الحِكمة التي مِنْ أجلها نَهَى الشّرْع عن ربا البُيوع بنوعيه: ربا النّسيئة، وربا الفضل، وننقل هنا كلاماً نفيساً لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يُبيّن فيه الحِكمة مِنْ ذلك، فيقول: «ولكن الدّراهم والدنانير هي أثمان المَبيعات، والثّمن هو المِعيار الذي به يُعرف تقويم الأمْوال، فيجب أنْ يكون مَحدوداً مضبوطًا، لا ترفع قيمته ولا تنخفض؛ إذْ لو كان الثمنُ يرتفع وينخفض كالسلع، لمْ يكنْ لنا ثمن نعتبر به المبيعات، بل الجميع سلع، والحاجة إلى أنْ يكون للناس ثمنٌ يعتبرون به المبيعات؛ حاجة عامة، وقد حُرّم فيهما ربا النَّسَاء؛ لما فيه مِنَ الضّرر، ولو أبيح فيها ربا الفضل مثل أنْ يبيعوا دراهم بدراهم أكثر منها، صار ذلك تجارة في الثمن، ومتى اتّجروا فيها نقداً، تذرعوا إلى التجارة فيها نسيئة. ولو أبيحت التجارة في الأثمان؛ مثل أنْ يبيع دراهم بدراهم إلى أجل؛ لصارت الدراهم سلعةً مِنَ السلع، وخرجت عن أن تكون أثماناً، فحرّم فيها ربا الفضل؛ لأنّه يُفضي إلى ربا النَّسَاء، وربا النَّسَاء فيها يضر، وإنْ اختلفت بالصفات؛ لأنّه يُخرجها عن أنْ تكون أثماناً، وإذا وقعت فيها التجارة قصدت صفاتها، فيقصد كل واحد ادّخار ما يرتفع ثمنه في وقت، كما يصنعون بالدراهم إذا كانت نقوداً ينقون خيارها، وكما يصنعون بالفلوس أحيانًا، وهذا كلّه ممّا نَهي عنه في الأثمان، فالأثمان المُتساوية متى جُعل بعضها أفضل مِنْ بعض؛ حَصَل الفساد، بل لابُدّ ألا تُقصد لأعيانها، بل يقصد التوسل بها إلى السلع.

الأصنافُ الأربعة

         قال: وأمّا الأصنافُ الأربعة، فالناس مُحتاجُون إلى القُوت، كالأصْناف الأربعة، وكما يشابهها مِنَ المَكيلات، فمِن تمام مَصْلحة الناس؛ أنْ لا يتجر في بيع بعضها ببعض؛ لأنّه متى اتُّجرَ في ذلك؛ خزَّنها الناس، ومَنَعوا المحتاج منها، فيُفْضي إلى أنْ يعزّ الطعامُ على الناس، ويتضرّرون بتقليل الانتفاع به، وهذا هو في بيع بعضها ببعض إلى أجل، فإنّه متى بِيعت الحِنْطة بالحِنْطة إلى أجل، أو التمر بالتمر، أو الشّعير بالشعير ونحوه، شحّت الأنفس ببيعها حالَّة، طمعاً في الربح إذا بيعت إلى أجل، وإذا لمْ تبع حالَّة؛ تضرّر الناس، بل حينئذ لا تُباع إلا بزيادة فيها، فيضر الناس، بخلاف بيعها بالدّراهم، فإنّ مَنْ عنده صنفٌ منها، هو مُحتاج إلى الصنف الآخر، فيحْتاج أنْ يبيعه بالدراهم؛ ليشتري به الصنف الآخر، أو يبيعه بذلك الصنْف بلا ربح. وعلى التّقْديرين؛ يحتاج إلى بيعه حالًّا، بخِلاف ما لو أمكنه التأخّر، فإنّه يُمكنه أنْ يَبيعه بفَضْل، ويحتاج أنْ يشتري الصنفَ الآخر بفضل؛ لأنّ صاحب ذلك الصنف يُربي عليه، كما أربى هو على غيره، فيتضرّر هذا، ويتضرر هذا من تأخر هذا، ومن تأخر هذا. فكان في التجارة فيها ضررًا عامّاً، فنهي عن بيع بعضها ببعض نَساء، وهذا مِنْ ربا النسيئة، وهو أصل الرّبا، وهو ما ثبت تحريمه بالنّص، والإجماع. فربا النسيئة يكون في الصنف الواحد، وفي الصنفين اللّذين مقصودهما واحد، كالدّراهم مع الدنانير، وكالأصْناف الأرْبعة التي هي قوت الناس.

ربا الفضل

         وأمّا ربا الفضل فإذا باع حنطةً بحنطةٍ خيرٍ منها، مُدّاً بمدَّين؛ كان هذا تجارة فيها، ومَنْ سوَّغ التجارة فيها نقداً؛ طلبت النفوس التجارة فيها نَسَاء، كما تقدم في النقدين، فكان يَحْرم ربا الفضل؛ لأنّه ذريعةٌ إلى ربا النّساء، كما جاءت هذه العلّة منصوصةً عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين؛ فإني أخاف عليكم الرَّماءَ، والرَّماءُ هو الربا. وإلا فمعلوم أنه مع استواء الصفات، لا يبيع أحدٌ مدّ حنطة، أو تمراً مُدًّا بُمدٍّ، يداً بيد، هذا لا يفعله أحد، وإنما يفعل هذا عند اختلاف الصفات، مثل أنْ يكون هذا جيداً، وهذا رديئاً، أو هذا جديداً وهذا عتيقاً، وإذا اختلفت الصّفات، فهي مقصودة.

عِلّة تحريم الرّبا

         قال: ولمّا خفيتْ عِلّة تحريم الرّبا؛ أباحه مثل ابن عباس حَبر الأمة، ومثل ابن مسعود، فإنّ الحنطة الجيدة، والتمر الجيد، يُقال لصاحبه: ألغ صفات مالك الجيدة، لكن لمّا كان المقصود أنك لا تتّجر فيها لجنسها، بل إنْ بِعْتها لجنسها؛ فلتكنْ بلا رِبح، ولا إلى أجل، ظَهَرت الحِكمة، فإنّ التجارة في بيعها لجِنسها؛ تفسد مقصود الأقوات على الناس». اهـ. باختصار من: «تفسير آيات أشكلت».

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك