خلق الملائكة والجن وآدم
عندما كان الأبناء في سن الطفولة، بين السادسة والعاشرة، كنت أنتهز فترات السفر والرحلات في المركبة لأقصص عليهم ما يشغلهم عن طول المسافات، أحيانا من وحي الخيال الآني، والأكثر من قصص الدين، حتى لا يملوا. - بعد أن خلق الله الماء والعرش خلق الملائكة من (نور)، كما في الحديث عن عائشة -رضي الله عنها-: «خلقت الملائكة من النور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم»؛ فكان خلق الملائكة أولا، ثم الجن، ثم آدم، والملائكة خلق لهم وظائف كثيرة لا نستطيع حصرها، منهم ملك الجبال، وملك المطر، وملك الرياح، وملك الموت، وملائكة لحفظ البشر، وملائكة لحضور مجالس الذكر، وملائكة تسجل أعمال البشر، وملائكة سجود لله -عز وجل-، وفي كل سماء ملائكة. والملائكة لها قدرة لا تستوعبها عقولنا، {لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}(التحريم:6)، {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ} (الأنبياء:20)؛ فلا مجال لحصر مهامهم. سألت شيماء، وكانت أكثرهم انتباها ومتابعة. - هل خلقوا من هذا النور الذي نعرفه؟ - نقول: إن الله خلقهم من (النور)، ولا نعرف ما هذا النور؟ وإنما هو خلق من خلق الله. سأل طارق: - وهل هناك ملائكة معنا الآن؟ - نعم، وإذا ذكرت الله كان معك ملك، وإذا دعوت الله كان معك ملك يحفظك ويرعاك ويقيك الشر، {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} (الرعد:11). توقفنا عند استراحة، بعد مسيرة ساعة بين جبال تركيا، أشار علينا السائق بالنزول للاستمتاع بجدول صغير، وشراء شيء للأطفال. تابعنا المسير، هدفنا منبع الشلال الكبير، بعد ساعة أخرى. - وخلق الله الجن أيضا، خلقهم من نار، أي أن أصل خلقهم النار، وكانوا يسكنون الأرض قبل آدم، ومنهم (إبليس)، والجن يتكاثرون ولهم ذرية، وفيهم ذكور وإناث، ولا نعلم طريقة تكاثرهم، أما (إبليس) فكان من الجن، وكان أشدهم عبادة لله -عز وجل-، وذلك أن الجن منهم الصالحون ومنهم دون ذلك؛ فأكرمه الله، ورفعه إلى السماء مع الملائكة، وأمره الله بالسجود لآدم كما أمر الملائكة، وهو سجود تكريم، وليس سجود عبادة؛ فرفض أمر الله! وهنا بدأت عداوة إبليس لآدم وذريته، واستحق اللعن من الله؛ وحيث إن الجن يموتون، سأل (إبليس) الله أن يبقيه على قيد الحياة إلى يوم القيامة؛ فأبقاه الله فتنة له، وابتلاء لبني آدم. - بعد أن بيّن الله -عز وجل- للملائكة مكانة آدم، وأنه قابل للتعلم، وأنه -سبحانه- خلقه ليكون (خليفة في الأرض)؛ فسجدوا إكراما لآدم وتنفيذا لأمر الله، أمر الله آدم أن يسكن (الجنة)، ونبهه أن الشيطان عدو له؛ ليحذر ألا يخرجه من الجنة، (فيشقى)؛ فقال -سبحانه-: {فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى} (طه:117)، وأباح له أن يأكل حيث شاء من الجنة عدا شجرة واحدة. استوقفني طارق، أكبر سنًا. - هل خلق الله آدم وزوجه بالطريقة نفسها؟ - كلا بل خلق الله آدم من تربة الأرض، أخذ الله من جميع تربة الأرض عينة، وجعلها طينا، ثم صلصالًا كالفخار، ثم شّكله -سبحانه- على الصورة التي أراد -عز وجل- خلقا كاملًا، ونفخ فيه من روحه، وكان طول آدم ستين ذراعا، (أقل من ثلاثين مترا بقليل)، وذلك كمافي الحديث عن أبي موسى الأشعري قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: « إن اللهَ خلَقَ آدمَ مِن قبضةٍ قَبَضَها مِن جميعِ الأرضِ ، فجاءَ بنو آدمَ على قَدْرِ الأرضِ : جاء منهم الأحمرُ ، والأبيضُ ، والأسودُ ، وبينَ ذلك ، والسَّهْلُ ، والحَزْنُ ، والخبيثُ ، والطيِّبُ، وبين ذلك» (صحيح أبي داود). أما زوج آدم (حواء) فقد خلقها الله من ضلع آدم الأيسر. - استغرب الأبناء الأمر! - نعم، بينما آدم نائم أمر الله بخلق حواء من ضلعه الأيسر دون أن يشعر بشيء؛ فاستيقظ فرآها، فآنس لها وأنست له. - وهنا تفصيل، في خلق آدم ورد في صحيح الترمذي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس؛ فقال: الحمدلله -بوحي من الله عز وجل وكانت أول كلمة ينطق بها آدم-؛ فقال له ربه: يرحمك الله يا آدم، اذهب إلى أؤلئك الملائكة إلى ملأ منهم جلوس؛ فقل السلام عليكم؛ فذهب آدم فقال ما أمره به ربه، فردّوا عليه: وعليك السلام ورحمة الله، ثم رجع إلى ربه فقال له: إن هذه تحيتك وتحية بنيك بينهم». وبعدها سكن آدم الجنة، مع زوجه، ما شاء الله أن يسكن، فآتاه (إبليس)، ووسوس له: «أن الله لم يمنعه من هذه الشجرة إلا لأنه ليس من الملائكة وليس من الخالدين»، ولا نقول: إنه دخل الجنة على هيئة حيّة أو طير، فلم يرد شيء من الصحيح يدل على ذلك، وإنما نؤمن أنه وسوس لآدم -عليه السلام- وأقسم له، أنه يريد الخير له، ويريد مصلحته، ولا شيء آخر، {وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ}، فنسي آدم التحذير الذي حذره الله من قبل: {فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى}، {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ}؛ فالنهي كان حتى من الاقتراب من الشجرة؛ لأن القرب منها أدعى للأكل منها! وهكذا هي المعاصي {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا}. نسي آدم كل ذلك، فذاق من الشجرة، ووقع في الممنوع؛ وهنا عاتبه الله -عز وجل-: {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ}؛ فلم يعلم ما يقول آدم، فأوحى إليه ربه: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}، {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}، وهنا أمر الله -تعالى- الجميع (آدم وزوجه، وإبليس) أن يهبطوا إلى الأرض إلى حين {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى}.
لاتوجد تعليقات